شخصيّات

قصة بناء الشابة “راجاني ماتو” للدائرة المتكاملة

1995 نساء مخترعات

الأستاذ فرج موسى

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

راجاني ماتو الدائرة المتكاملة شخصيّات المخطوطات والكتب النادرة

بمجرد التفكير في دولة "نيبال Nepal" تتدافع إلى الذهن تلك الصور التقليدية، جبال إيفرست، وكاتماندو، والرهبان بردائهم المميز، والمعابد، والابتهالات.

ولا يطرأ على الذهن التفكير في أشياء حديثة مثل، الأبحاث، والتقنيات الجديدة، والاختراعات.

ولكن مما يدعو إلى الدهشة، أنه يوجد – في مثل هذه المملكة الصغيرة المنعزلة، والتي تقع ما بين الهند وهضبة التبت- مخترعين!!، حيث تقابلت مع مخترعة شابة جديرة بالإعجاب.

 

وتلك المخترعة الشابة هي الفتاة "راجاني ماتو Rajani Mahto" التي ولدت في 12 ديسمبر 1969 في مدينة "كاتماندو Katmandu".

وعندما بلغت السادسة عشرة من عمرها، كان يمكن ملاحظة بريق عينيها البنيتين كالماس الذي في أذنيها، كما ترى ضفائرها الكثيفة السوداء وهي تتدلى على ظهرها.

لقد رأيتها شابة حاسمة. كانت أشبه بإلهة هندية، وكانت ترتدي قميصا أبيض، وزيها المدرسي الرمادي. وقد حدثتني عن حبها للشعر باللغتين النيبالية والإنجليزية.

 

والمعروف أن بلد "راجاني" هي من الدول الفقيرة النامية، والتي تفتقر إلى كل ما هو حديث. فنسمع "راجاني" وهي تقول: "عندما نرغب – ونحن أطفال صغار في مدارس نيبال – في دراسة العلوم، فإن كل ما يتوافر لنا هو مجموعة قليلة من الكتب فقط.

فلا تتوافر لدينا حتى أبسط أدوات المختبرات العلمية، التي يمكن أن تتيح لنا الفرصة لتطبيق ما تعلمناه نظريا.

فمنظمتي "اليونيسيف، واليونسكو" لا ترسل لنا ما يمكن أن نستعمله لاجراء التجارب العملية، وتكتفي فقط بإرسال الكتب. فالنظريات يمكن أن ننساها بسرعة شديدة، أما إذا قمنا بتطبيقها عمليا، فإننا نتذكرها إلى الأبد".

 

"ولهذا السبب، قمت بالتعاون مع خمس فتيات أخريات، ببناء نموذج تعليمي يمكن بواسطته تعلم أساسيات الفيزياء من خلال التطبيقات العملية".

والفتاة "راجاني" تملؤها الثقة بالنفس، حيث يبدو هذا واضحا وهي تشرح لنا وظائف ذلك النموذج، وهي متعددة مثل: تحويل الكهرباء إلى ضوء، وحرارة، وصوت، ومغناطيسات، وتأثيرها على العناصر الكيميائية، وغير ذلك.

"لقد قررنا صناعة نموذج متكامل يضم جميع تلك الاستخدامات المختلفة للكهرباء في وحدة واحدة. ولكننا لم نكن نعرف كيف نفعل ذلك.

 

إذا كان ممكنا أم لا!! فتوجهنا إلى مدرس العلوم، الذي أكد لنا أنه طالما أن كل هذه الوظائف متعلقة جميعا بالكهرباء، فإن فكرة النموذج عملية تماما وملائمة.

"ويمكن للدائرة المتكاملة التي قمنا ببنائها أن تخدم عملية شرح عدد من التأثيرات المتعلقة بالكهرباء والمغناطيسات.

فعلى سبيل المثال، يمكن لتلك الدائرة فحص مقاومات الموصل والعازل؛ ومدى الاعتماد على قوة كهرومغناطيسية، وقطبيها وحثها، ومبدأ الجلفانوميتر (مقياس للكشف عن التيار الكهربائى أو تعيين اتجاهه)… الخ.

 

ففي الحقيقة، إن هذا النموذج التعليمي قد تم تصميمه، بحيث يغطي كل برنامج العلوم الذي يتم تدريسه في جميع مدارس نيبال الثانوية".

وكما تقول "راجاني" فإن هذا النموذج عملي للغاية. وهناك شيء مؤثر ومثير حول هذا الاختراع النيبالي!! فهو يتكون من : درج بسيط قياس 20x20 بوصة، توجد بداخله العديد من الأشياء التي تستعمل في البيوت مثل: فضلات من الخشب الرقيق، وعلبة كبريت، وبقايا زجاج من شباك مكسور، وقضيب حديد، وقطع من السلك، وشفرة حلاقة.

وكانت المواد الوحيدة التي اشترتها لبناء النموذج هى: سلك نحاسي عازل، ومقابس توصيل، وبطاريات، وشريط لاصق عازل، وصمغ.

 

وتتحدث "راجانى" قائلة: "آه لو تعرف كم من الوقت استغرق لبناء هذه الدائرة المتكاملة, ثم تشغيلها.!!.. لحسن الحظ، إن استاذنا كان ممتازا، ووقف إلى جانبنا يرشدنا ويوجهنا.

فقد كان – على عكس الآخرين – يهتم اهتماما شديدا بطلبته. ولقد كان علينا ان نتعلم حتى كيفية استخدام المطرقة لدق رؤوس المسامير وليس أصابعنا!!

إنني أرغب في أن نقوم بالمقارنة بين هؤلاء الأطفال الموجودين في الدول النامية مع الأطفال الذين يعيشون في أوروبا، أو أمريكا، أو أستراليا.

 

فبينما الكثير من أطفال الدول الصناعية يمكنهم الحصول بسهولة وفي سن مبكر على "حقيبة عدة النجارة"، "وحقيبة المواد الكيميائية الكاملة"، "وأدوات كهربائية معقدة" نجد أن أطفال ((نيبال))، ودول العالم الثالث الأخرى يضطرون إلى استخدام بديل مؤقت قدر استطاعتهم.

أرجو ألا تهز كتفيك بلا مبالاة، وتقول لي: إن اختراع الأطفال النيباليين ليس اختراعا، وليس جديدا، وإنه تم عمله من قبل، وعلى كل حال، فليس هذا اعتراضا.

فهذا الجهاز على تواضعه لم يكن موجودا من قبل في نيبال، وقد صنع هناك بما يعادل عشرة دولارات أمريكية، ويمكن أن يستخدم في تعليم عشرات الآلاف من الأطفال؛ وهذا يعد نعمة كبيرة في أي بلد تعاني من النقص في دعم الحاجات الأساسية للتعليم.

 

ولهذا السبب، دعنا نرفع قبعتنا تحية "لأكاديمية العلوم والتكنولوجيا في نيبال"، التي كان لديها الذكاء للاعتراف بقيمة هذا الاختراع الذي يمكنك عمله بنفسك.

فكانت لدى هذه الأكاديمية بعد البصيرة لتعلن أن الطفلة "راجاني"، وصديقاتها، وأستاذها، هم أول الفائزين في المسابقة المدرسية عن عام 1984، والتي كانت – بالمناسبة – مفتوحة أمام البنين والبنات على السواء.

وكدليل على اعترافها بوجود مشاكل، قامت الأكاديمية بتقديم – من بين أشياء أخرى- جوائز أكثر عملية من الميداليات والنقود، حيث سلمت لكل الفائزين صناديق مزودة بالأدوات اللازمة للعمل والابتكار، والتي كانت الأولى من نوعها التي يمتلكونها في حياتهم.

 

الفتيات وصناديق الأدوات، يا له من خليط نادر في "نيبال"، كما هو في أي مكان آخر.

قالت لي "راجانى": "إنني أعرف الكثير من الأمهات اللاتي يكدحن في منازلهن حاليا ومستقبلا، ويستنكرن عدم قيام بناتهن بنفس الشيء. فإذا رفضت البنات عمل ذلك، فإنهن يعاقبن، وقد يتعرضن للضرب.

ومع كل هذه الظروف، فكيف لهن أن يدرسن؟ فالبنات – وأقصد هنا البنات الفقيرات- يعشن حياة مزدوجة. الأولى في المدرسة كطالبات، والثانية في المنزل كخادمات.

 

فالبنات يتعرضن للتعب والإرهاق أكثر من البنين؛ فضلا عمن يجبرن على ترك المدرسة من أجل الزواج!!".

ومن حظ "راجاني" أنها قد ولدت في عائلة ممتازة. اذ تقول: لقد كانت أمي ربة بيت، ومع ذلك فقد تركتني أعيش حياتي، كان أبي رائعا، وكان يعمل استاذا جامعيا في اللغة والآداب الإنجليزية في "كاتماندو"، وكان أبا ومربيا لأطفاله الأربعة.

فعلمنا كيف نفكر من خلال اللعب. وعندما نخرج معه للتنزه، علمنا كيفية القراءة من خلال لافتات وإعلانات الشوارع. وقد شجعنا والدي على أن نتعلق بوهم، أننا ينصبح يوما ما ذوي شأن.

 

فكان يحكي لنا عن حياة العظماء في التاريخ، مثل "إبراهام لينكولن". كما ان قصة "ماري كوري" قد فتحت عيني، ولفتت انتباهي… يا له من مثل لامرأة مثل هذه!!

وبالنسبة لأبي، فلم يكن هناك فرق بين البنين والبنات. فالقاعدة واحدة للجميع وهي: تعلموا، ولا تستسلموا، وعندئذ يصبح العالم ملككم!!

وتقول "راجاني" : "إن لدينا الحليف والنصير مجسدا في شخصية ملكتنا "أيشواريا Aishwarya" التي تبلغ من العمر ثلاثين عاما، وهي على درجة عالية من الجمال.

 

ولما كانت تريد تقدم المرأة، فقد رصدت جائزة خاصة للنساء فقط. وكنت في غاية السعادة لنيل تلك الجائزة، على يد أم الملكة".

وفي الحقيقة، لقد كوفئت هذه الفتاة الشابة – أيضا- نتيجة لحصولها على المركز الثاني على مستوى خريجي المرحلة الثانوية في جميع مدارس نيبال. فقد تزامنت هذه الجائزة مع حصولها على منحة دراسية لعامين جامعيين.

وعندما تتحدث إلى "راجاني"، وتجدها متحمسة للغاية لاختراعها التعليمي المتعلق بأشكال الطاقة، تعتقد بأنها تدرس علوم الفيزياء. وعلى الرغم من أن هذا كان حلمها، إلا أنه لم يتحقق بعد.

 

فتعترف لنا قائلة: ففي الوقت  الحالي التحقت لدراسة علم الأحياء، وعندما سألتها: "لماذا البيولوجيا وليس الفيزياء؟

"قالت: "لأنهم قالوا لي لم يحن الوقت لذلك بعد"، فأسرعت بسؤالها: "من الذي قال ذلك؟ "فقالت لي: "إنه عمي، الذي يعمل "منجما" … صدقني إنه لم يخطئ أبدا".

والواقع، أن "راجاني" تعيش بالقرب من سقف العالم في "نيبال"، وبالقرب من النجوم. لقد كدت أن أنسى ذلك. ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق