العلوم الإنسانية والإجتماعية

قصة المزارع “شمايزير” مع الدعوى القضائية المرفوعة عليه من قبل شركة مونسانتو

2014 البذور والعلم والصراع

أبي ج . كينشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية البيولوجيا وعلوم الحياة

في تموز/ يوليو من عام 2006 قابلت شمايزير في منزله. كان في ذلك الوقت قد مرّ على امتهان شمايزير الزراعة في برينو (Bruno) في أقليم ساسكاتشوان (Saskatchewan)، مدة نصف قرن، عمل خلالها في الأراضي التي كانت تُزرع في الماضي من قِبل والده.

كانت محافظة البراري الغربية من إقليم ساسكاتشوان في ذلك الوقت من سنة 2006 مغطّاة بحقول القمح الذي ما زال أخضر، والشوفان (Oats)، والكانولا الصفراء اللامعة، والكتان ذي اللون البنفسجي البارد.

وكانت شبكة الطرق في ذلك البلد، التي نُفذت قبل اعتماد كندا النظام المتري، قد قسّمته بدقة إلى مقاطعات [زراعية] كبيرة الأبعاد يشكّل كلٌّ منها ميلاً (عرضاً) في ميلين (طولاً).

بالتأكيد، نسبة كبيرة من إنتاج زيت الكانولا العالمي كانت تنتج هنا، لا بل إن ساسكاتشوان تعتبر الإقليم الأول في إنتاج زيت الكانولا، في دولة تعتبر الأولى في تصدير زيت الكانولا عالمياً.

 

عام 2010م زرع مزارعو ساسكاتشوان 7,400,000 أكر من الكانولا، وكان غالبية منتجو الكانولا فيها يستخدمون في زراعتهم تلك المهندسة وراثياً، أو تلك الحاملة للمبيدات ضد الأعشاب الضارة، وكان 7% فقط مما كان مزروعاً من الكانولا عام 2010 في كندا، غير مهندس وراثياً(12).

كان شمايزير يستخدم الأسمدة الكيمياوية ومبيدات الأعشاب الضارة ومبيدات الحشرات الضارة عند الضرورة كما يفعل المزارعون الآخرون، وذلك من أجل إنتاج محصول جيّد من الشوفان والقمح والبازلاء والكانولا.

فقد صرّح لي شمايزير، بأنه حتى عام 1999م كان نادراً ما يجد هناك ضرورة لشراء البذور، بينما لا يمكنه التخلّي عن استخدام الأسمدة والمبيدات الكيماوية. فواقعاً كان يعتبرُ نفسه خبيراً في تحسين البذور، وما شراؤه للبذور إلا لاستخدامها كوسيلة لإدخال الصفات المفيدة لإمداداته من البذور.

فعلى سبيل المثال، قال إنه طوّر قبل ثمانينات القرن الماضي نوعاً جديداً من الكانولا لمقاومة الأمراض، مثل «مرض الساق السوداء»(Blackleg Disease).

وعليه، فعادةً ما يُنصح مزارعو الكانولا أن يزرعوا الكانولا كل أربع سنوات فقط، كي لا تصاب بأمراض النباتات، لكن شمايزير قد أفاد أن بإمكانه زراعة الكانولا بصورة مستمرة باستخدمه البذور التي حسنها.

 

كما تذكّر شمايزير، لقد بدأ مزارعو المنطقة بزراعة نوع جديد من الكانولا في عام 1996، موقّعين مع شركة مونسانتو (مصنعة مبيدات الأعشاب الضارة راوند آب ريدي) على اتفاقية استخدام التكنولوجيات، وكانوا يدفعون للشركة للحصول على تصريح لاستخدام براءة اختراع مبيد راوند آب ريدي في الكانولا المزروعة.

فقد كانت الحزمة المعروضة تحتوي على البذور ومبيدات الأعشاب الضارة، كطريقة جديدة لمكافحة الأعشاب الضارة. وعليه، يمكن للمزارعين زراعة البذور ببساطة وتركها لتنمو ومن ثم رشّ الحقول بمبيد راوند آب ريدي لقتل الأعشاب الضارة، تاركةً حقل زراعة الكانولا مرتّباً ونظيفاً.

ومع عام 1997م لم يكن هناك أكثر من 4% من الكانولا المزروعة في كندا قد استخدمت مبيد الأعشاب الضارة هذا. إلا أن هذه النسبة قد قفزت لتصبح 23% بحلول عام 1998م، وهو ما يدلّ على تزايد شعبية هذه التكنولوجيا(13).

لكن هذا المبيد لم يغير ممارسات شمايزير الزراعية، إذ هو نادراً ما شوهد يذهب إلى متجر البذور، لأنه ببساطة [كما قال] كان مستمراً في زراعة بذور الكانولا الخاصة به، ومع ذلك ففي وقت مبكر من عام 1997م، بدأت العواقب القانونية المهمة بحق ممارسات حقل شمايزير في زراعة الكانولا.

 

رشّ شمايزير مبيدات راوند آب ريدي على الأعشاب الضارة المتنامية حول أعمدة الكهرباء المنتشرة في حقله عام 1997م (Monsanto v. Schmeiser 2001, par. 38-39). كانت نباتات الكانولا الضالة (Stray Canola) من بين النباتات الضارة التي رشها شمايزير في تلك السنة إلا أنها لم تمت، والكانولا الضالة هي واحدة من الأعشاب الضارة الرئيسية في الزراعة الكندية.

وكما أوضح شمايزير، باعتقاده لربما قد بدأت النباتات بصورة طبيعية تصبح أكثر تأقلماً مع مبيدات الأعشاب الضارة. لذلك أجرى اختباراً في في في أحد حقوله، حيث رشّ ما يقارب ثلاثة أكرات من الكانولا المزروعة بمادة راوند آب ريدي المبيدة للأعشاب الضارة.

فحسب تقديراته، حوالي 60% من النباتات نجا من الرش واستمر بالنمو، [معزّزاً ذلك] بكونها كانت قريبة في الغالب إلى حافة ميدان الحقل. إلا أنه لم يكن أي شيء واضح بالأدلة التي قدمها كلٌّ من شركة مونسانتو وشمايزير، لكونه من غير المعروف من أين أتت مقاومة النباتات لهذا المبيد.

 

فقد شهد عمال الحقل المستأجرين من قبل  شمايزير، أنه خلال عام 1996م هبت ريحٌ عاتيةٌ خلال موسم حصاد الكانولا اجتاحت حقل شمايزير والحقول المجاورة الأخرى. وهو ما يعني، أن بذور الكانولا من مزارع أخرى لربما انتهى بها المطاف [عن غير عمد منه] في حقل شمايزير ضمن الحبوب التي احتفظ بها وزرعها في السنة التي تلت (Monsanto v. Schmeiser 2000, par. 22) (14).

استأجر شمايزير عمّالاً لحصاد بذور الكانولا من حقله، خلال وقت حصاد عام 1997م، وحينها اكتشف شمايزير تلك النباتات المقاومة لمبيدات الأعشاب الضارة، فخزّن جزءاً منها في الجزء الخلفي من شاحنته، وفي شهادته أقرّ شمايزير أن تلك البذور المخزنة كانت من حصاد كامل حقله، بينما ادعى متهموه، أنه ادخر فقط البذور الناجية من رذاذ المبيد.

إلا أن شمايزير لم يطعن بفرضية توفيره بذور الكانولا المزروعة في الحقل والتي وجدها مقاومة للمبيد في حواف الحقل عام 1997م. إلا أنه نفى اتهامات شركة مونسانتو بنيّته المتعمدة استخدام ميزة براءة اختراع المبيد. مؤكّداً، أنه حقاً قد مزج بذور ذلك الحقل مع بذور أخرى، الأمر الذي جعل من غير المجدي استخدام المبيد راوند آب، باعتباره مكافحاً للأعشاب الضارة في حقله (مصدر سابق، 2000، الفقرة 44).

 

في تلك السنة، استأجرت شركة مونسانتو محققاً خاصاً لأخذ عينات من أطراف حقول مزارعي الكانولا، من أجل تحديد ما إذا كانت تلك المحاصيل مزروعة ببذور لا تحمل رخصة احتوائها مقاومة للمبيد.

وقد تمكّن المحقق من دون علم شمايزير في صيف تلك السنة من أخذ بعض بذور شتلات الكانولا من حواف حقله، وجاءت نتائج التحليل لهذه العينات إيجابية للمبيد(Monsanto v. Schmeiser 2001, par. 41-42).

وفي فصل الربيع التالي، جاء المحقق الخاص لشركة مونسانتو إلى شمايزير، قائلاً له، إن لديه أدلة تثبت أن شمايزير قد زرع بذور الكانولا المقاومة لمبيد الأعشاب الضارة (راوند آب ريدي) لموسم سابق.

ووفقاً لوثائق المحكمة، فإن شمايزير لم يتعامل مع هذا الموقف باهتمام (المرجع أعلاه، الفقرة 45). فهو قد أخذ تلك البذور من حقله الذي وجد فيه أين هي تلك النباتات المقاومة لمبيد الأعشاب الضارة، لمعالجتها (لإعدادها مع الأسمدة الكيمياوية لزراعتها) ومن ثم زرعها، كما يفعل مع أية بذور أخرى حفظها من محصوله السابق.

عندها قدمت شركة مونسانتو الكندية شكوى قضائية ضد شمايزير، اتهمته فيها باستخدام ميزات براءة اختراع المبيد راوند آب ريدي من دون الحصول على ترخيص، وزعمت شركة مونسانتو أن شمايزير كان قد استخدم جينات براءة اختراعها من دون إذنٍ، وهو بالتالي ما يُعدُّ انتهاكاً لحقوق الملكية الفكرية.

عثر شمايزير على حلفاء توّاقين في الحركة المناهضة للتكنولوجيا الحيوية، لمساعدته في دفاعه القانوني وتعزيز قضيته. فحينما قابلته عام 2006، أصر على أنه عندما اتهم أول مرة بانتهاكه براءة الاختراع، كان لا يعلم إلا القليل عن المحاصيل المهندسة وراثياً، فلذا كان مرتاباً بأن مثل هذه الاتهامات قد تنجم عن حفظه بذوره.

 

وعلى الرغم من أن المحكمة الاتحادية قد قضت في عام 2001م لصالح شركة مونسانتو، إلا أن شمايزير أصبح شخصية بارزة في الشبكة عبر الحدود الوطنية للنشطاء والعلميين المناهضين للمحاصيل المهندسة وراثياً وبراءات اختراع الجين.

عندما استأنف شمايزير الحكم القضائي الصادر ضده من قِبل المحكمة الاتحادية الكندية العليا، سانده العديد من المنظمات غير الحكومية الكندية والدولية وتدخلوا [للدفاع] نيابة عنه. كان من ضمن هذه المنظمات اتحاد المزارعين الكنديين (NFU) ونادي سيرا الكندي (Sierra Club of Canada)، ومجموعة الحماية ضد التآكل والتكنولوجيا والتركيز (ETC)، والمجلس الكندي، ومركز سلامة الأغذية (CFS)، ومؤسسة الأبحاث للعلوم والتكنولوجيا والبيئة.

وفي غمرة مشاكل شمايزير القانونية، كان كثيراً ما يُدعى في المحافل حول العالم للحديث عن تجربته؛ وخلال هذه الأحداث كان يلفت أنظار العالم إلى المخاطر السلبية الاجتماعية التي تؤدّي إليها براءات الاختراع الخاصة بالتكنولوجيا الحيوية.

ولإعطاء مثل واحد على ذلك، تحدث في منتدى للمجتمع المدني في جوهانزبيرغ بجنوب أفريقيا، عام 2002م خلال مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة(15). ووفقاً لتقرير القمة، تحدّث شمايزير عن الدعوى المقامة ضده، وركّز على نقاط «قانون براءات الاختراع التي تتجاوز حقوق المزارعين»، ومناخ مراقبة ورصد أنشطة المزارعين الذي يدمر النسيج الاجتماعي (Third World Network 2002).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق