البيولوجيا وعلوم الحياة

قرارات مختلفة حول الجينات الناشزة

2014 البذور والعلم والصراع

أبي ج . كينشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

البيولوجيا وعلوم الحياة

ففي البداية سأركز على إعطاء معنىً للجين الناشز، وهذا ما يعني أنه بدلاً من النظر بشكل عام في السياسات الرسمية وعمليات الحوكمة في المحاصيل المهندسة وراثياً، سأركز بصورة خاصة على حلقات الصراع حول كيفية التحكم بالجينات المحورة وراثياً في البيئة.

فمقارنتي أيضاً، لن تركز بالضرورة على الدولة الوطنية أو على الفوارق بين الثقافات الوطنية. حيث سنستكشف بالتفصيل في الفصول القادمة، معنى النضال لتعريف الجين الناشز في المكسيك لتتجلّى الطرق المختلفة للصراعات الموازية لها في كندا.

هذا ليس بسبب الخلافات الثقافية بين البلدين أو المجتمعات الزراعية فحسب، بل أيضاً وبشكل ملحوظ بسبب موقعهما الخاص في إطار علاقات التجارة العالمية والالتزامات البيئية الدولية.

يمكنني استخدام مفهوم الجينات الناشزة للإشارة إلى أن أهمية الجينات المحوّرة في البيئة هي مسألة خلافية. فمفهوم الجينات الناشزة (Genes Out of Place) في الأساس اعتمد على طروحات ماري دوغلاس (Mary Douglas) عالمة الأنثروبولوجية التقليدية للقرن العشرين التي أثّرت دراساتها المتعلقة بالتلوث والنقاء بصورة عالية جداً بالعلوم الاجتماعية.

إذ نلاحظ في نصّ للأنثروبولوجية التقليدية أن دوغلاس تقول إن الأوساخ ببساطة ما هي إلا "مادة خرجت من نطاقها"(Matter Out of Place) . فالأتربة التي هي في الحديقة ما هي إلا أوساخ على أرض المطبخ، والعشاء اللذيذ يصبح قذارة متناثرة على القميص. تشير دوغلاس ([1966] 1987, 2) بقولها إلى أن الأفكار حول الأوساخ والتلوث تنعكس على "التصنيفات الغالية العزيزة" (Cherished Classifications)، وكثيراً ما تكشف خصائص حاسمة على النظم الاجتماعية.

فالأوساخ كما نعرفها هي اضطرابات. ليس هناك شيء يسمى الأوساخ المطلقة: فهي في عين الناظر إليها. فإذا تجنّبنا الأوساخ فليس بسبب الخوف أو الجبن، فالخوف ما زال أقل من الرعب المقدّس…. فالأوساخ تُسيء إلى التنظيم، والقضاءُ عليها ليس حركة سلبية، بل حركة إيجابية لتنظيم البيئة.

 

لقد ساعد نفاذ بصيرة دوغلاس على فهم الحدود الثقافية من خلال طرح القواعد الغذائية الدينية (موضوع بحث دوغلاس نفسه) لفكرة العلوم البحتة. فإذا كانت تلك المفاهيم المتعلقة بالتلوث والنقاء قد تشكلت اجتماعياً، وهي متغيرة بشكل كبير بين الثقافات، فإنه من الممكن أن نحلّل كيفية ظهور تلك الفئتين (النظافة والأوساخ) في المجتمعات وكيف تم إضفاء الطابع المؤسسي عليهما، وأن ليصبحا نقاط نزاع وتغيير(19).

في ما يخصّ تدفق التحوير فليس هناك شيء يمكن أن يقال عنه "تلوّث مطلق"(Absolute Contamination)– فالتمييز ما بين النقاء والتلوث هو أمرٌ بديهي للجميع. ولكي نكون واضحين، فأنا لا أشك في وجود تلك الجينات المحوّرة أو في تدفق الجينات أو في احتمال توثيق مؤثراتها علمياً.

وما يهمّني هنا هو كيف تنظر المجموعات المختلفة من الناس إلى الجينات الناشزة، وما تخبرنا الصراعات التي تدور حول وجهات النظر المتباينة تلك عن النظام الاجتماعي.

فنقّاد التكنولوجيا الحيوية عادةً ما يتعاملون مع الجينات التي الناشزة على أساس أنها جينات تؤدي إلى تلوث أو ما يسمّى بالـ "التلوث الحيوي" (Biopollution). ففي إحدى الحالات التي تم تفحّصها في هذا الكتاب، نجد أن المناهضين المكسيكيين للذرة المهندسة وراثياً ينظرون إلى تدفّق التحوير على أساس أنه تلوث ويطالبون الدولة باتخاذ إجراءات [لوقفه] لمنع تلوث محصول الذرة المحلي [غير المهندس وراثياً].

 

أما المؤيدون لإنتاج المحاصيل المحورة وراثياً فإنهم يؤطّرون ظاهرتهم بشكل مختلف، حيث عادةً ما يستخدمون كلمات أقل ضرراً مثل "الخليط" (Admixture) و"الوجود العرضي" (Adventitious Presence). إذ يمكن أن نرى ذلك من خلال حالة أخرى استُكشفت في هذا الكتاب، حيث زعمت شركات تُعنى بالتكنولوجيا الحيوية أنها لا تتحمّل أية مسؤولية قانونية لأي وجود عرضي للكانولا المهندسة وراثياً التي قد تظهر في المحاصيل العضوية الكندية.

فهذه الخلافات في الفهم ليست خلافات علمية حول كيفية التصرّف في حالة عدم اليقين المحيطة بالمؤثرات الصحية والبيئية فحسب، كما أنها ليست مسألة يمكن تفسيرها شخصياً أو خيارات فردية. فالصراعات على الجينات الناشزة، هي صراعات سياسية على النظم الاجتماعية – وبصورة أكثر تحديداً، هي [صراع على] التنظيم الاجتماعي للزراعة. ففي السياق العالمي يتسم كل من التنوع البيئي وعدم المساواة الاقتصادية على حدٍّ سواء – حيث يكون لتدفق التحوير آثار فرعية محدودة في أناس معينين – بالاعتماد على وضعهم الاجتماعي. 

في كل حلقة من النزاع قمت بفحصها كان للصراع من أجل تحديد الجينات الناشزة عواقب ملموسة. ففي حالة محدّدة، كلفت لجنة التعاون البيئي مجموعة لدراسة قضية الذرة المكسيكية المهندسة وراثياً، من الخبراء الدوليين، فاستنتجت هذه المجموعة أن تلك الجينات التي الناشزة، تحمل معنىً رمزياً متشعباً، ويجب التعامل معها بصورة أكثر ديمقراطية.

 

وفي منحىً آخر، فهم المزارعون وخبراء البيئة المكسيكيون أن الجينات الناشزة، يحتمل أن تكون خطرة وتلوّث البيئة فتعهّدوا بمحاولة مراقبتها عن كثب.

وحين أصدرت محكمة كندية قرارها معتبرة الجينات الناشزة ابتكاراً، ضمن بتسجيل "براءة اختراع" لشركة مونسانتو، مما أدّى إلى إدانة مزارع ب انتهاك براءة الاختراع.

وفي قرار قانوني كندي آخر، اعتُبرت الجينات الناشزة جينات تحدث "تغيرات حميدة" (Benign Changes) في الإمدادات الغذائية، ومنع المزارعين العضويين من فرصة متابعة الدعوى القضائية لمعالجة الخسائر الناتجة من تلوّث المحاصيل العضوية.

ففي كل حالة، كان المناهضون للمحاصيل المهندسة وراثياً يهدفون إلى إعادة تحديد الجينات الناشزة على أنها تلوّث – إقحام إدخالها غير مرغوب فيه ومضرّ – وإلى إضفاء الطابع المؤسسي على تلك الفكرة، في القانون، وفي الاتفاقات البيئية الدولية، وكذلك في "المنطق السليم" عند العلميين والهيئات الناظمة. وإذا ما تمكّنوا من النجاح وكيف، كلها قصص تخبرنا القدر الكبير عن التشكيلات الخاصة للسلطة في كل نطاق وطني، بما قد يصل إلى ما وراء الحكومة وإلى عوالم الصناعة والعلم والساحة الدولية السياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق