التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

قبل، وخلال، وبعد الانهيار

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

انهيار المجاز النتوئي لكيبك قد يكون أشهر فشل جسر في كندا ومصدر الإلهام لتقليد خاتمها الحديد؛ والفشل الأميركي ذو السمعة الأسوأ هو من دون شك [فشل] تاكوما ناروز. عندما أكمل [بناؤه] في تموز/ يوليو 1940، كان جسر تاكوما ناروز ثالث أطول مجاز معلّق في العالم، فاق مجازه الرئيسي بمقدار 3500 قدم جسر جورج واشنطن ذي البنية والمعمارية الثورية، الذي أكمل بناؤه عام 1931، والمجاز المركزي لجسر غولدن غايت (البوابة الذهبية) الأيقوني الذي طوله 4200 قدم، الذي افتتح عام 1937. وعلى عكس هذين الهيكلين الثابتين، وقف جسر تاكوما ناروز أربعة أشهر فقط، تمزّق بدنه في ريح سرعته 42 ميل في الساعة، في 7 نوفمبر/ تشرين ثاني 1940. ولأن الهيكل المعلق بدا بشكل مثير بعد إكماله على أنه [هيكل] مرن، فقد كان السلوك غير المتوقّع [للجسر] موضوعاً لدراسة وتنظير معمقين حتى قبل انهياره، وعندما تغيّرت طبيعة حركته بشكل درامي من تأرجح تموجي علوي – سفلي إلى حركة التوائية، في ذلك الصباح المصيري، هرع فريق للتصوير إلى الموقع لتسجيله، وحققت اللقطات المصوّرة لآخر اللحظات الالتوائية والانهيار المذهل للمجاز المركزي للجسر، الذي طوله 2800 قدم، على شبكات الأخبار نجاحاً كلاسيكياً فورياً؛ وقد عُرض [الفيلم] منذ ذلك الوقت على عدد لا يحصى من طلّاب الفيزياء كمثال مبسّط للرنين الهيكلي – الظاهرة الطبيعية التي تؤدّي إلى كسر كاسات النبيذ عندما يصل مغنٍ موهوب في غنائه إلى النبرة العالية المناسبة.

لكن عرض قصاصات فيلم انهيار [جسر] تاكوما ناروز عادة ما يكون بقليل من السياق. إذ قلما يوصف تصميم الجسر بالتفصيل، أو تذكر الصفات التي جعلته سريع التأثر بريح لم تكن قوتها غير متوقعة. فمن دون هذا السياق، يبدو الجسر شاذّاً، وفشله عبارة عن نزوة تكنولوجية، وفي الحقيقة، إن جسر تاكوما ناروز قد صمم حسب الوضع الفني لثلاثينات القرن الماضي. لكن الغريب إن جسوراً معلّقة أخرى صُمّمت وبُنيت في النصف الثاني من ذلك العقد حسب نفس المعايير لم تنهار على الرغم من أنها كانت مرنة. فلما انهار [جسر] تاكوما ناروز أصبح الانهيار موضوعاً للتكهّنات، والدراسة والنقاش والحوار بين المهندسين والفيزيائيين على مدى سبعة عقود، ولا يوجد سبب كي لا يستمر، ولكن، كما هو الحال في جميع حالات الفشل البنيوي، فإن معرفة تاريخ الجسر تساعدنا على فهم كيف ولماذا صُمِّم بالشكل الذي صُمِّم به ويساعدنا لوضع انهياره في السياق، ويساعدنا في فهم أن توضيح [ما حصل] ليس بالأمر البسيط، ويساعدنا على استيعاب لماذا وجد المهندس الاستشاري، وهو المسؤول الأكبر عن تصميمه، أنه لم يقم بأي خطأ فاضح.

[مضيق] باغت ساوند (Puget Sound) مرتبط اسمه بأكبر مدينة في ولاية واشنطن وهي سياتل، لكن في الحقيقة – من خلال ممرّاته ومصباته وخلجانه – تصل كتلة الماء هذه على طول الطريق، إلى أولمبيا، عاصمة الولاية، التي تقع على بعد أكثر من ستين ميلاً جنوب غرب الموقع الأكثر شهرة، وتقع مدينة تاكوما نحو منتصف الطريق بين سياتل وأولمبيا (Seattle and Olympia)، قرب امتداد للمضيق معروف باسم ناروز.

تجتاز المضيق وأذرعه من زمن طويل العديد من العبّارات مدفوعة الأجر ذهاباً وإياباً، لكن لم تبدأ العبّارة الحاملة للمركبات لغاية 1929. على المسافر في مقتبل القرن العشرين الذي يفضّل أن يكون سفره في الطرق البرية بشكل كلّي من سياتل إلى أماكن في غرب شبه جزيرة كولومبيا أن يقطع المسافة نزولاً إلى أولمبيا قبل أن يتوجّه عائداً إلى الشمال، وكان ذلك الحال عندما بدأ مخططو الولاية الكلام الجدي حول جسر عبر الناروز. في 1929، خولت الهيئة التشريعية للولاية [بناء] مجاز في موقع، هو بالضبط أضيق مسافة في المضيق، وقيل لاحقاً إن جسر ناروز مهم أيضاً للدفاع الوطني، لأنه يوفر عبوراً ثابتاً للوصول إلى حوض سفن البحرية في برميرتون (Bremerton) التي تقع على الجانب الآخر من المضيق من سياتل وتاكوما. لكن صفة "ضيق" مصطلح نسبي، بالطبع، لأن المسافة هي ميل واحد من جانب تاكوما إلى جانب كيغ هاربر (Gig Harbor) ذي الماء العميق وتيارات الأمواج القوية، وهي ظروف تجعل بناء الجسر تحدّياً مكلفاً، ومن الطبيعي أن مسافة العبور والعمق الكبير عند ناروز تطلب جسراً ذا مجاز مهم فوقه، يترك فجوة أفقية وعمودية للسماح للسفن العابرة للمحيط العبور من تحته بأمان.

لقد أملى واقع بناء الجسور في ذلك الوقت أن يكون بناء جسر بمجاز يصل طوله مسافة جيدة عبر الناروز من النوع المعلق أو النتوئي، ولكن بعد انهيار جسر كيبك، سقط النتوئي من الجسور من الأفضلية للمجازات الصافية الأطول من 1200 قدم، ولذا كان الخيار الوحيد جسراً معلقاً ليصمم ويبنى في تاكوما. لقد مرّ نصف قرن تقريباً منذ بناء جسر بروكلين عام 1883 والذي يتكوّن من مجاز رئيس معلق طوله أقل قليلاً من 1600 قدم، وفي العقود التي تلت، استمر بناء جسور معلقة بمجازات أطول، لكن كل رقم قياسي سُجّل [لطول المجاز] لم يمثل سوى زيادة طفيفة، ذلك لأن المهندسين ذوي العقلية المحافظة ذلك الوقت لم يكونوا راغبين في المغامرة بعيداً في المجهول. في عام 1929، كان أطول مجاز في العالم هو الذي في جسر أمباسادور (Ambassador) بين ديترويت في ميشغان ووندسور في أونتاريو، وقد بلغ طول مجازه المعلق 1850 قدماً، مشكّلاً زيادة 16% فقط عن جسر بروكلين، خلال ما يقارب خمسين سنة. لكن كان لدى مهندسين طموحين وواثقين على لوحة الرسم جسرين معلقين ضخمين في ذلك الوقت. فالجسر الذي يربط مدينة نيويورك ونيوجرسي، عبر نهر هدسون – سمّي بعد ذلك بجسر جورج واشنطن – سيمتدّ 3500 قدماً عند ما تمّ افتتاحه لحركة المرور عام 1931 – وهي زيادة بمقدار 90%، أو ما يقارب ضعف الرقم المسجل القائم – وجسر غولدن غايت – الذي ربط سان فرانسيسكو ومارين كاونتي (Marin County) في كاليفورنيا – كان قد وصل طوله عندما اكتمل عام 1937 إلى 4200 قدم، بزيادة 20% على [جسر] جورج واشنطن. وبوجود هذين الجسرين السابقين، على الرغم من أنهما كانا مخطّطات على ورق، لم يكن تجاوزاً غير مقبول توقّع جسر معلق بمجاز يتعدّى أي [جسر] قائم في حينه، لكي يقترح عبر الناروز، ومن بين التصاميم الأولى التي عرضت التصميم المقدّم من قِبل ديفيد شتينمان، الذي تضمّن متن جسر بمسارين فوق جملون متصلّب عرضه ستون قدماً وعمقه أربعة وعشرون قدماً. فلو كان قد تم بناء ذلك الجسر وجرت صيانته بشكل مناسب، لكان من المتوقّع أن يكون قائماً حتى اليوم.

          ليس بالمهمة السهلة الحصول على المال لبناء جسر شتينمان، أو أي جسر مثله. فسلطة جسر واشنطن المدفوع الأجر – التي أسست على نمط سلطات ناجحة في كاليفورنيا استخدمت عوائد الأجور المدفوعة لتسديد مستحقات البناء – قد تم إحداثها عام 1937، ولكن بالإضافة إلى المحدِّدات المالية بسبب الكساد الاقتصادي، تساءلت مصادر التمويل المحتملة حول حجم حركة المرور عبر جسر تاكوما ناروز، وهل ستحقق الأجور عائداً كافياً لتسديد قرض، وقد أيّدت إدارة الأشغال العامة(Public Works Administration – PWA) قرض الإنشاء، ولكن لمبلغ أقل من نصف الكلفة المتوقّعة لجسر صُمِّم من قِبل مهندسي ولاية واشنطن، وقد جاء المبلغ بشرط قيام إدارة الطرق السريعة للولاية بتوظيف مهندسين استشاريين من الشرق، بمن ضمنهم مصمِّم الجسور المعلّقة، القريب من الأسطوري، ليون س. مويسيف(Leon S. Moisseiff). من الواضح أن الاستشاريين أقنعوا إدارة الأشغال العامة وشركة تمويل إعادة البناء (Reconstruction Finance Corporation) التي تعهدت بتوفير قرض لتغطية فرق المبلغ المطلوب لبناء الجسر، إن بالإمكان بناء الجسر بمبلغ أقل بكثير من مبلغ الـ 11 مليون دولار المقدر من قبل الولاية. وقد تم في نهاية المطاف بناء الجسر مقابل 6.4 مليون دولار.

تم تطوير التصميم الأولي من قبل كلارك ه. إلدريدج (Clark H. Eldridge)، خريج عام 1918 من كلية ولاية واشنطن (Washington State College) – الذي كان قد عمل مع إدارة ولاية واشنطن للطرق السريعة لغاية 1939 عندما تمّ تعيينه كمهندس جسر لسلطة أجور الجسر – وكان مسؤولاً مباشراً عن تصميم وبناء جسر ناروز. الاستشاري مويسيف – الذي كان قد شارك في تصميم جسري جورج واشنطن وغولدن غايت ولعب دوراً مميّزاً في تصميم معظم الجسور المعلقة التي شُيدت في أميركا منذ جسر بروكلين – انتقد تصميم إلدريدج، جزئياً لأنه ينحدر من الأراضي العالية في جانب كيغ هاربر إلى الأرض المنخفضة في جانب تاكوما من الناروز، ومويسيف الذي كان نصيراً قوياً للقيم الجمالية في تصميم الجسور، أقنع سلطة أجور الجسر لتبنّي تصميماً بمسار مستوٍ لتحديد مواقع الأبراج بحيث تكون أبعد عن بعضها، ولجعل المظهر الجانبي لمتن الجسر رشيقاً قدر المستطاع. احتوى التصميم النهائي على مجاز رئيسي طوله 2800 قدماً، مع جسم مسطّح ضحل، تمّت تقويته ليس من خلال جملون فولاذي مفتوح تقليدي عمقه 20 قدماً، بل من خلال عارضات فولاذية مصنوعة من سطح فولاذي عمقه 8 أقدام، وبما أن منطقة تاكوما – كيغ هاربر لم تكن حينئذٍ متطوّرة بشكل كبير، وكان السبب الأهم لذلك عدم وجود معبر ثابت للناروز إلى الجوار، لذا احتوى الجسر على مسربين لحركة المرور مع مماش جانبية عرضها أقل من 5 أقدام. وقد أعطى الجسم الضيق المسطح الذي امتد لأكثر من نصف ميل بين الأبراج الجسر مظهراً صقيلاً ومعاصراً بشكل خاص.

عندما يصمّم المهندسون هياكل تتعدّى حدود الخبرة، فهم يبتعدون عموما،ً كل مرة، الشيء القليل عما قد أثبت أنه ناجح. وحتى الحين الذي صُمِّم فيه جسر جورج واشنطن، كانت من القواعد التجريبية لأجسام الجسور المحافظة على نسبة طول – إلى – عمق – كمعيار للمرونة – ما يعادل 150 أو أقل، وقد نتج من تصميم جسر تاكوما ناروز نسبة طول مجاز رئيسي إلى عمق تساوي 350، والتي هي مساوية تقريباً لنسبة جسر جورج واشنطن. لكن المسارب الثمانية لحركة المرور والممشيين الجانبيين أعطت منصّة ذلك الهيكل وزناً أكبر من 31000 باوند للقدم الواحد، بينما نتج من المسار الرشيق جداً لجسر تاكوما ناروز المقترح جسماً خفيفاً جداً – أقل من 6000 باوند للقدم. إضافة لذلك، أعطى الضيق الفعلي لجسم جسر تاكوما ناروز نسبة طول إلى عرض تساوي 72، وهي أكبر بشكل ملحوظ من تلك النسبة لجسر جورج واشنطن [التي كانت] 33.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق