التاريخ

صمود العالم “لافوازييه” رغم الأجواء المخيفة في باريس وهدمه لنظرية الفلوجستون

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

نظرية الفلوجستون لافوزييه وهدمه نظرية الفلوجستون التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

الجو … المخيف !

الجماهير في باريس هائجة مائجة، والحفائظ منطلقة من الصدور كالقنابل أوهي أشبه، والإرهاب مخيمٌ فوق المدينة كضبابٍ ثقيل ينعقد في الجو فيزهق النفوس. فالناس تتهامس وتفضِّل المنعطفات وحُلْكُ الليل على الشوارع وَوَضَح النهار ! .

ماذا حدث ؟ …

لقد أُخذ الملك والملكة من القصر إلى المقصلة، وأقام زعماء الثوار في قصر التويلري يصدرون الأوامر بالقبض على هذا وتنفيذ الإعدام في ذاك .

في هذا الجو المخيف، كان عالمنا مكبَّاً على أنابيبه وأنابيقه في معمله الكيميائي. الرجل تحدجه العيون وترنو إليه الأبصار لأن المَلَل كان قد أدناه وأعلاه .

كان قد أنفق جانباً كبيراً من نشاطه وثروته في خدمة بلاده، ولكن الصدور كانت موغرة في تلك الأيام ، وكان أعدؤه كُثراً لأنه من طبقة الأشراف .

ومع أن الشوارع كانت تعج بالثوار ، والنفوس كظيمة تخشى همسة الريح لئلا تكون نذير خطر محدق، وأعداء الرجل يحيكون ويدبرون – مع كل هذا ظل لافوازييه ملازماً معمله يجري تجاربه ويأخذ نتائجه ويُدَوِّن ملاحظاته ويخلص إلى استنتاجاته  ويُملي على زوجه زُبدةَ أفكاره .

 

الروح الجديدة

كان القرن الثامن عشر ميداناً لجهاد طائفة من الكيميائيين يشتغلون بالبواتق والأنابيق والموازين ، فيجمعون الحقائق حتى كثرت كثرة تحتاج إلى تنظيمٍ وترتيبٍ وإدماجٍ في صلب فلسفة كيميائية عامة.

ولكن الضربة الكبرى التي صدّت تقدم الكيمياء نحو تلك الغاية كانت "نظرية الفلوجيستون" المحك الذي توزن به كل حقيقة كيميائية جديدة ، فالفلوجستون كان في نظرهم "عنصر الاحتراق"، الذي تتركب كل مادة منه ومن عنصر آخر.

ومدى الاحتراق في أي مادة مرهونٌ بمقدار ما فيها من فلوجستون . والأحتراق يعني انطلاق الفلوجستون من المادة المحترقة. وقُيَّض للنظرية رجالٌ وسَّعوا نطاقها فأصبحت الأساس في نظر علماء القرن السابع عشر لكل تفاعلٍ كيميائي .

ولما قيل لهم كيف يثقل الجسم المحترق مع أن شيئاً يخرج منه بحسب زعمكم؟ قالوا : "الفلوجستون يُخَفِّف وزن الجسم إذ يكون فيه فإذا خرج ثقل وزن الجسم!. ولعل هذا من أظهر الأمثلة على مدى ما يذهب إليه عقل البشر من سفه وعَنَت من أجل تأييد فكرة مسبَّقة ومسيطرة.

 

ولما ظهر لافوازييه، كانت الكيمياء في حاجة إلى تجديد لشدة ما أصابها من ركودٍ وجمودٍ لتمسك علمائها بنظرية الفلوجستون.

ودوَّى صوته في المعامل والمحافل العلمية. وكان صوتاً مسموعاً لبراعته كعالم ومقامه كسياسي، فكان بذلك الداعية الأكبر المبشِّر للكيمياء الجديدة .

قال فيه ليبج: "لم يكتشف لافوازييه عنصراً جديداً ولا خاصية جديدة ولا ظاهرة كانت من قبل مجهولة. إن مجده الخالد قائمٌ على أنه نفخ في جسم الكيمياء روحاً جديدة !" .

 

هدم …. الفلوجستون

"لقد اكتشف من أسبوع أن بعض العناصر، كالكبريت والفوسفور،  تزداد وزناً بتسخينها . وأرى أن هذه الزيادة في الوزن مصدرها الهواء .

ولما كان هذا من الاكتشافات المهمة رأيت من واجبي أن أضع هذه الرسالة بين يدي سكرتير الأكاديمية على أن تبقى سراً حتى أنشر نتائج تجاربي" .

تلك كانت الرسالة التي كتبها لافوازييه – بعد سنواتٍ من كدح وبحث ومعاناة – إلى أكاديمية العلوم وطلب أن تظل مطوية إلى أن يُتمَّ ما بين يديه من تجارب. وبها استطاع لافوازييه أن يُثبت لنفسه حق التقدم وقصب السبق في هذا الموضوع الخطير .

ولكن ما القصة؟ …

في الأول من نوفمبر عام 1772 ، وقبل أن يُوجَّه بريستلي أشعة الشمس صوب أكسيد الزئبق ، والأكسجين الذي اكتشفه ما زال من مكنونات المستقبل ، مضى لافوازييه سنواتٍ ثلاث يبحث عن سر النار أو حقيقة الاحتراق.

وفي أكتوبر عام 1774 جاء بريستلي إلى باريس وزار لافوازييه في معمله وبسط له نتائجه . فقام عالمنا في التو إلى معمله وبدأ تجربته الشهيرة التي استغرقت اثني عشر يوماً. قال يصفها : "أخذت معوجَّة زجاجية سعتها ثلاثة أقدام مكعبة ووضعت فيها أربع أوقيات من الزئبق النقي.

 

أشعلت النار وحفظتها مشتعلة اثنى عشر يوماً لم يحدث ما يسترعي النظر في اليوم الأول . وفي اليوم الثاني ظهرت حبيبات حمر على سطح الزئبق في المعوجّة.

وزاد عدد الحبيبات وحجمها في الأيام الأربعة التالية . ووقفت هذه الزيادة بعد ذلك . وفي اليوم الثاني عشر أُطفأت النار" شكل رقم (222) وعندما فحص الهواء الذي خرج من المعوجَّة فإذا حجمه خمسة أسداس ما كان عليه كان قبل التسخين ولا يصلح لا للتنفس ولا للاحتراق .

فإذا وضعت فيه حيوانات بضع ثوان اختنقت، وإذا وضع فيه عودٌ مشتعل انطفأ . ونحن نعلم الآن – أن الخمسة أسداس المتبقية من الهواء كانت نيتروجيناً .

 

أخذ جميع الحبيبات التي تكونَّت وسخنَّها في أتون فتحولَّت إلى حبيبات الزئبق الصافي وثماني بوصات مكعَّبة من الغاز. جرّب هذا الغاز فإذا هو من الأول على الضد ، أفعل ما يكون صلاحية للتنفس والاحتراق .

رأي لافوازييه أن الاحتراق هو اتحاد الشئ المحترق بالأكسجين، وأن وزن الجسم المحترق يزداد بمقدار ما يتحد به هذا الغاز. تعليلٌ بسيط . لافلوجستون ولا يحزنون مما كانوا يزعمون .

وهُدِمت نظرية الفلوجستون …

ولما لم يستطع لافوازييه تفسير عملية الاحتراق ، فقد أدخل لفظ "كالوري" أو "حِرَّة" للدلالة على العنصر الذي لا وزن له أي الحرارة ، ولكن التفسير الكامل للاحتراق والحرارة لم يتم إلاّ بعد نمو نظرية "الإنتروبي" أو "التعادل" في القرن التاسع عشر .

ومع ذلك فقد قام لافوازييه بالتعاون مع لابلاس بدراسات عن الحرارة المصاحبة للاحتراق، كانت الأساس لعلم الكيمياء الحرارية ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق