العلوم الإنسانية والإجتماعية

سياسة العلم والتقانة وأهدافها في البلدان العربية

1998 تقرير1996 عن العلم في العالم

KFAS

سياسة العلم والتقانة البلدان العربية العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

على الرغم من أن مؤسسات رسم سياسات العلم والتقانة تحمل مسميات مخلفة فإنها تشترك جميعها في أحد ملامحها؛ هو أنها تتشكل من أعلى مستويات المسؤولين والقياديين في الدولة.

ويترأس المؤسسة، في الأغلب، وزير أو مسؤول بمرتبة عالية توازي مرتبة الوزير. وقد جاء إنشاء هذه المؤسسات لقناعة صانعي السياسة الوطنية في الحاجة إلى تخطيط وتنسيق وزيادة كفاءة أنشطة مؤسسات العلم والتقانة في البلدان العربية.

 

تشمل أهداف سياسات التعليم العالي في معظم الحالات، إن لم يكن جميعها، ما يلي:

– إتاحة الفرص لالتحاق أكبر عدد من الطلبة الراغبين ببرامج التعليم العالي. وتقترب سياسة القبول في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي الأخرى من نمط الباب المفتوح بدلا من تقنين أعداد المقبولين. وقد لجأت مصر، اعتبارا من عام 1984 إلى تنظيم وتقنين القبول في برامج العلم والتقانة على مستوى درجة البكالوريوس. والجدير بالذكر أن مصر كانت البلد العربي الأول الذي تبنى سياسة الباب المفتوح لقبول الطلبة في مؤسسات التعليم العالي بما في ذلك الجامعات وكان ذلك في وقت مبكر نسبيا هو نهاية الخمسينات.

– فتح البرامج والتخصصات في مؤسسات التعليم العالي وتنظيمها بصورة تنسجم مع أهداف التنمية الوطنية وحاجات المجتمع المختلفة.

– تغطي الحكومة جميع نفقات التعليم العالي، وتأخذ جميع البلدان العربية بسياسات مجانية التعليم العالي باستثناء بلدين فقط.

– السعي إلى تحقيق نوعية عالية من التعليم العالي بل نوعية متميزة في بعض الحالات.

 

ولسوء الحظ فإن الموارد التي وفرتها البلدان العربية لمؤسسات التعليم العالي ظلت دون المستوى المطلوب لتحقيق أهداف التعليم العالي الوطنية في جميع البلدان غير المصدرة للنفط، بل وفي بعض البلدان التي تصدر النفط أيضا.

فمعظم الجامعات في هذه البلدان تعاني شح الموارد المالية التي تخصص لهذه المؤسسات، كما ظل التعليم في الكثير من هذه الجامعات دون مستوى المعايير الدولية المتعارفة في تحديد النوعية الجيدة.

ونتيجة لذلك كله لم تتمكن الكثير من الجامعات من الاستجابة بسرعة لما طرأ في مجتمعاتها من متغيرات ومنها تلك المتعلقة بنوعية الخريج المطلوبة في القطاعين الاقتصادي والاجتماعي.

وقد حال التوسع في القبول في مستوى البكالوريوس دون تمكن الجامعات من تطوير الدراسات العليا لدرجة تنسجم مع ازدياد الطلب عليها.

 

أما أهداف السياسات الخاصة بمؤسسات البحث والتطوير فقط شملت ما يلي:

– وضع خطة للبحث والتطوير والخدمات تبين الأولويات التي تهدف إلى تطوير القطاعات الاجتماعية والاقتصادية.

– زيادة كفاءة استعمال الموارد المخصصة لأنشطة البحث والتطوير من خلال تنسيق وتركيز عمل مؤسسات البحث والتطوير في مختلف الميادين.

– تنمية العلاقات والصلات بين أصحاب المصلحة بأنشطة البحث والتطوير، وبالذات تلك التي تقوي العلاقة بين الجهات المستفيدة والجهات المولدة لأعمال البحث والتطوير.

– تهيئة مناخ صحي لزيادة إنتاجية العاملين في مؤسسات البحث والتطوير والخدمات الفنية.

 

في مختلف البلدان العربية تباينت درجة نجاح مؤسسات رسم سياسة العلم والتقانة العربية بصورة كبيرة في توجيه أنشطة البحث والتطوير لتحقيق أهدافها المعلنة.

وتشير التجارب إلى أن أداء هذه المؤسسات ارتبط بنوع وفاعلية الأدوات التي استعملها كل بلد عربي في تحقيق أهداف هذه السياسة.

فقد لجأت الكثير من البلدان، على سبيل المثال، إلى تكوين لجان وطنية تمثل مختلف الجهات ذات المصلحة بأعمال البحث والتطوير إلا أنه لا يوجد ما يدل على أن هذه اللجان نجحت في مهماتها المعلنة؛ وهي تخطيط وتنسيق بل وزيادة كفاءة أعمال البحث والتطوير في مجتمعاتها.

وبالمقابل، استخدمت العديد من البلدان أداة أخرى أكثر نجاعة وهي إنشاء مؤسسة مستقلة لتوجيه أعمال البحث والتطوير من خلال تقديم تمويل إضافي لمشروعات البحث والتطوير زيادة على ما خصص في موازنات مؤسسات البحث والتطوير نفسها.

ومن الملامح التي تدعو للقلق بشكل عام كون الموارد التي خصصت لدعم مؤسسات رسم سياسة العلم والتقانة ظلت دون المستوى المطلوب لإحداث التغيير، كما أن الدعم لم يستمر في الزخم الذي بدأ فيه، بل إنه ضعف مع مرور الوقت وفقد أثره الفعال في تحقيق الهدف المنشود.

 

وقد بلغ معدل الدعم السنوي الذي قدمته أربعة بلدان عربية، هي مصر والأردن والكويت والسعودية، لمؤسسات رسم السياسة العلمية والتقانة ما يعادل %3.6 فقط من إجمالي الإنفاق العربي العام لأعمال البحث والتطوير.

أثبتت التجربة أن تنفيذ أعمال البحث والتطوير، بموجب عقود بين الجهات المنفذة للبحوث والجهات المستفيدة، يمثل إحدى الأدوات الناجعة في دعم البحث والتطوير وزيادة مواءمتها لما تطلبه الجهات المستفيدة.

ومرة أخرى، فإن تطور هذه الوسيلة، على وجاهتها وفاعليتها، ظل دون المستوى المتوقع نتيجة شح الموارد التي خصصت لها من ناحية ولاستمرار حصول مؤسسات البحث والتطوير على موازنتها من مصادر حكومية من ناحية أخرى.

فقد ظل النمط السائد لتمويل مؤسسات البحث والتطوير الزراعية، على سبيل المثال، يتمثل في توفير مخصصات تغطي رواتب العاملين من خلال ميزانية وزارة الزراعة ومخصصات متواضعة تغطي نفقات التشغيل العادية، ونادرا ما تكفي هذه المخصصات لتنفيذ برامج بحثية وفعالة.

 

وفي العادة، يسعى قادة مؤسسات البحث والتطوير إلى زيادة ما وفرته الوزارات من مخصصات مالية، ولكنهم لا يحققون نتائج إيجابية في معظم الحالات.

ويسفر هذا الوضع عن استكانة الباحثين، كما تقتصر جهودهم البحثية على الحد الأدنى الذي خصصته الدولة لهذا النشاط، ويستمرون في عملهم الروتيني بسبب غياب الحوافز والمصادر المالية للحصول على مخصصات إضافية؛ كما أنهم لا يبدون استعداد للقبول بالشروط التي يضعها بعض مقدمي الدعم التي عادة ما تكون منطقية وتهدف إلى تنظيم عملية البحث وإلى الاطمئنان على سلامة هدف البحث ووسائل تنفيذه.

ونتيجة لذلك يقوم الباحثون بوضع جدول أعمال بحوثهم وتحديد أولويات تلك البحوث ومن ثم نشر نتائجها في تقارير خاصة تستهدف في كثير من الحالات قطاعا صغيرا من المهتمين وهي في العادة تصلح لأهداف ترقية الباحث أكثر مما تهدف إلى دفع مسيرة التنمية الوطنية.

إضافة إلى ذلك، يقاوم الباحثون تقييم أبحاثهم بل ينظر البعض إلى ذلك وكأنه انتقاص من شأنهم. ومع مرور الوقت على هذه الحال من التراخي في نظرة المعنيين لمجهودات البحث والتطوير، تشكلت علاقة غير صحية بين الباحثين والقادة الإداريين همها المحافظة على راحة الطرفين.

وتتطلب حال البحث العلمي في معظم البلدان تغييراً جذرياً يوقف هذا التراخي في مسيرة البحث والتطوير ويخلق مناخاً يسوده التنافس والبقاء للأفضل خدمة الأهداف الوطنية.

 

وخلاصة الأمر، فقد استثمرت البلدان العربية مبالغ كبيرة في بناء مؤسسات التعليم العالي والبحث والتطوير، كما أن لجوء عدد كبير من البلدان العربية إلى إنشاء مؤسسات لرسم سياسة العلم والتقانة، التي نجح بعضها في تنفيذ مهامه في تحديد تلك السياسات، يعكس اهتمام هذه  البلدان بتحسين صورة البحث العلمي، إلا أن هذه الإجراءات كانت ضرورية لتحقيق الأهداف ولكنها غير كافية.

وقد تبين الآن، أن الكثير من مؤسسات رسم السياسة ولدت ضعيفة وغير قادرة على تحقيق الأهداف وظلت تعاني فجوة كبيرة بين ما تطرحه هذه الأهداف وبين الوسائل التي توفرت لتنفيذ رسالتها بصورة فاعلة وناجعة.

ويبدو أن هذه الفجوة كانت أكبر في حالة مؤسسات رسم سياسة البحث والتطوير منها في حالة المؤسسات الخاصة بالتعليم العالي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق