أحداث تاريخية

ذكرى وفاة العالم “دالتون”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الأول

صبري الدمرداش

KFAS

العالم دالتون أحداث تاريخية المخطوطات والكتب النادرة

(المساءُ).. الأخير!

ما أسرع الحياة! فما حياتنا إلا بضع مواقف تتخللها فتراتٍ قصيرة من السرور. ثم عبور عاجل بأرض الأحزان، وبعد ذلك تأتي النهاية.

وقد أخذ هذا الكويكري، ذو الجوارب القاتمة اللون والحذاء ذي المشبك ورباط الرقبة الأبيض الرقيق، يدق بعصاه فوق الطريق إلى نهايته.. إلى آخر منعطف مظلم يعرج به الخطو إلى عالم الفناء.

وحاول أن يستعين بالطب ليؤخر خُطاه إلى العالم الآخر مؤمِّلاً أن يمكث وقتاً أطول بين من أحبهم وأحبوه… ولكن كان الطب عديم الجدوى كما كان الأطباء!.

لقد حظي دالتون بتكريم العالم له وتبجيله. فقد سجَّل اسمه بحروفٍ من نور في المجامع العلمية في برلين وميونيخ وموسكو.

وتوسَّط بعضهم لدى الملك البريطاني ليمنحه معاشاً، وتم اكتتاب لإقامة تمثال رخامي يخلد ذكراه. وهنا شعر عالمنا أنه على وشك أن ينضم إلى صفوف أولئك (المحنَّطين المبجَّلين).

وانتهى صنع التمثال، فازداد دالتون أساً على أساه، وأشار إليه والحزن يعتصره قائلاً: (ذلك هو الكيميائي العظيم دالتون، أما أنا فإلى فناء).

وفي الطريق إلى الفناء أصابته نوبة شلل، ولكنه سرعان ما شفي منها جزئياً وعاد إلى نيران معمله، ولكن شعلة حياته المتأجِّجة كانت إلى انطفاء.

 

وذات ليلة أخذ يترنح في طريقه إلى معمله. ويتحسَّس ملتمسا دفاتره التي كان يسجل فيها تقاريرة عن الجو. وقد ظل طوال خمسين سنة كاملة يوجه نفس الاهتمام الدقيق ليلة بعد أخرى إلى نفس ذلك العمل المتواضع، حتى صار لديه الآن نحو مائتي ألف تسجيل!

ونظر إلى ساعته وسجل الوقت، لقد كانت التاسعة إلا ربعاً، وكان دائما يسجل قراءاته الليلية في ذلك الوقت تماما. والتقط قلمه، ويده ترتعش، وسجل قراءة البارومتر كما سجل درجة الحرارة، ثم كتب في العمود الأخير (سقط قليل من المطر في هذا..) وكان خادمه واقفاً إلى جواره.

وأطرق دالتون برأسه وبدأ يترك قلمه، ولكنه انتفض مستيقظاً فجأة لأنه تحقَّق من أنه لم يتم عبارته بعد. وعندئذ قبض على القلم بأصابعه الضعيفة وكتب الكلمة الأخيرة… (المساء).

وذهب المساء، وأقبل الصباح، ولكن عيني دالتون كانتا قد أغلقتا إلى الأبد. ولما توفي دالتون في عام 1844 مر من أمام تابوته أربعون ألف شخص، فقد كان الناس حتى في ذلك الوقت يعرفون أنهم يزفون للقبر عملاقاً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق