إسلاميات

دور الإسلام في حماية التراث المشترك للإنسانية في الموارد البيئية الشائعة

2007 في الثقافة والتنوير البيئي

الدكتور ضياءالدين محمد مطاوع

KFAS

دور الإسلام في حماية التراث المشترك للإنسانية في الموارد البيئية الشائعة إسلاميات علوم الأرض والجيولوجيا

أسلفنا القول إن الإنسان مستخلف في "إدارة" واستثمار موارد البيئة وأمين على خيراتها. 

وبخصوص موارد البيئة التي لا يمكن حيازتها أو إحرازها – والأمر يمكن أن يسري كذلك على سائر موارد البيئة – يمكن أن نقرر أن تلك "الإدارة" و "الأمانة" ترد على محل له طبيعة خاصة، فهو "تراث مشترك للإنسانية" Common heritage of mankind أو ملكية شائعة للجميع. 

فحق الانتفاع بموارد البيئة مكفول لكل بني البشر، لا يسوغ أن تنفرد فئة معينة من الناس بهذه الموارد والتراث واحتكارها، أو جزء منها ومنع غيرهم من ذلك.

 

ويقرر المهتمون بشؤون البيئة أن فكرة التراث المشتركة للإنسانية، التي يراد من ورائها الحث على صيانة الموارد الطبيعية وعدم التعسف في استعمالها أو الجور عليها، هي فكرة حديثة نسبيا، حيث لم تأخذ مكانها إلا في بعض الاتفاقيات الدولية المعاصرة. 

من ذلك اتفاقية الفضاء الخارجي، التي تنظم استخدام الفضاء الخارجي وما فيه من قمر وأجرام سماوية، والتي تم التوقيع عليها في 27 يناير 1967. 

فقد تضمنت المادة الأولى منها (فقرة 1) فكرة التراث المشترك للإنسانية، بقولها "لكافة الدول حرية استكشاف واستعمال الفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى، دون تمييز، وعلى قدم المساواة وفقا للقانون الدولي، كما أن حرية الوصول إلى جميع مناطق الأجرام السماوية مكفولة". 

 

وأضافت "يباشر استكشاف واستعمال الفضاء الخارجي، بما في ذلك القمر والأجرام السماوية الأخرى، لتحقيق فائدة ومصالح جميع البلدان، أيا كانت درجة نمائها الاقتصادي أو العلمي، لأنهما مجالا نشاط للبشرية جميعا". 

وقد كرست اتفاقية الأمم المتحدة الجديدة حول قانون البحار لعام 1982م فكرة التراث المشترك بخصوص الموارد والثروات الموجودة بقاع البحار والمحيطات وباطن أرضها خارج حدود الولاية الوطنية لكل دولة، فإذا كان للمالك استعمال واستغلال الموارد البيئية التي تدخل في ملكه، فقد نصت المادة 136 منها على أن "المنطقة ومواردها تراث مشترك للإنسانية. 

وأوضحت المادة 137/2 من الاتفاقية أن جميع الحقوق في موارد المنطقة ثابتة للبشرية جمعاء… وهذه الموارد لا يمكن النزول عنها.

 

على أن الادعاء السابق يبدو واهيا في منظور الإسلام.  ذلك أن فكرة التراث المشترك للإنسانية للموارد الطبيعية للبيئة، قد عرفها الإسلام منذ 1400. 

فقد ورد بالقرآن الكريم قوله عز وجل ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ (القمر/ 28)، وقال ﴿هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ (الشعراء/155). 

وجاء بالسنة المطهرة قول النبي صلى الله عليه وسلم "الناس شركاء في ثلاث: في الماء، وفي الكلأ، وفي النار (رواه أبو داوود).

 

وبالنظر في النصوص القرآنية والنبوية السابقة، يلاحظ بأنها تركز على أمرين:

– الأول: فكرة "القسمة"، والقسمة من الناحية اللغوية والفنية لا تكون إلا في الأشياء الشائعة أو المشتركة، التي لا يعرف النصيب المفرز لصاحبه فيها.  ولقد تكلم الحديث الشريف صراحة عن الشراكة والمشاركة، فالناس شركاء.

– الثاني: هو المحل أو الموضع، الذي ترد عليه القسمة، أي الشيء المشترك أو الشائع بين الناس، وهو ما حددته الآيات والحديث في: الماء والكلأ والنار.  ولفظ الكلأ ذو معنى واسع يشمل كل المزروعات التي تعيش عليها الكائنات الحية.  وهي من الموارد الرئيسية للبيئة البرية.  والاشتراك في الماء وفي النار أيا كان مصدرها.

 

وهكذا عرف الإسلام فكرة الحق المشترك أو التراث المشترك للإنسانية في الموارد البيئية الشائعة، والتي لا يمكن حيازتها، وأهمها الماء والهواء وثروات أعالي البحار والمناطق القطبية.  وتقرر التعاليم الإسلامية، أنه لا يجوز لأحد أن يمنع غيره من الانتفاع بتلك الموارد المشتركة.

قال عز وجل: (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)(الإسراء/20)، بل حث على العمل على إنمائها لينتفع بها الناس جميعا، كل حسب حاجته، وتقدر الحاجة بقدرها كما وكيفا.

ومما يدعم اعتبار موارد البيئة الطبيعية تراثا مشتركا للإنسانية، يجب الالتزام بالآداب الإسلامية في تنميتها ودفع الضرر والفساد عنها، أن وظائف تلك الموارد "مشتركة" فيما بين بني البشر.  وتلك الوظائف ثلاث وهي:

 

– الوظيفة الأولى تعبدية، وهي ذات شقين: الأول، ويخص موارد البيئة ذاتها.  فهي مخلوقات تسبح بحمد خالقها، وتسجد له، ودليل على قدرة الخالق سبحانه وتعالى.  وقد ورد بالقرآن الكريم قوله عز وجل ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ  ﴾ (الحج/ 18)، فيخص الإنسان الذي سخرت لخدمته تلك الموارد.  فهذه الأخيرة هي مجال لتأمل الإنسان وإعمال فكره حول مبدعها وخالقها.

 

– الوظيفة الثانية جمالية ترفيهية، ذلك أن الله عز وجل خلق موارد الطبيعة مختلفة الألون والأشكال، وذلك لإدخال البهجة والسرور على نفس من استخلفه في عمارة الأرض، قال عز وجل(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها) (فاطر/27-28). ولا يجوز شرعا الاعتداء على تلك الموارد، وإفسادها، لما في ذلك من تعطيل لها عن أداء وظيفتها الترويحية الجمالية.

 

– الوظيفة الثالثة حياتية معيشية، قوامها الانتفاع بالموارد الطبيعية في المأكل والمشرب والملبس، وكل ما هو ضروري لاستمرار الحياة على كوكب الأرض.  وقد سبق أن أوردنا الآيات الكريمة العديدة التي تتكلم عن مظاهر تلك الوظيفة.

 

وخلاصة القول إن الله عز وجل قد عرض للإنسان عناصر وموارد الطبيعة، وجعلها تراثا ولمكا مشتركا للإنسانية جميعا، الأرض والسماء، الماء والهواء، النبات والحيوان والطيور، وحثه على النظر والتفكير فيما خلق، وتعرف أسراره فيه، فيتخذ منها ما يقوي إيمانه، ويسعد حياته. 

لذا ينبغي على كل فرد أن يستعمل موارد الطبيعة لتحقيق مأربه منها في تدبير طعامه وطعام أنعامه، ويتخذ منها ملبسه ومسكنه، ووسيلة انتقاله، دون جور على حقوق الغير، ما دام ذلك في حدود الشرع.

إن طابع "التراث المشترك" لموارد البيئة يوجب على كل بني البشر، أيا كانت مواقعهم الجغرافية، أو مشاربهم السياسية، أن يحافظ على تلك الموارد، لأن في إهدارها واستنزافها على غير مقتضى الشرع، تعطيلا للمهمة التي أناطها الله عز وجل بها، وبالتالي تعطيل للحياة ذاتها على الأرض، وهذا منهي عنه شرعا، لأن استمرار الحياة والحفاظ عليها مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية. 

 

ولما كانت القاعدة الفقهية أن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فإن الالتزام بالحفاظ على البيئة ومواردها هو التزام أو واجب ديني، والواجب، كأحد أقسام الحكم الشرعي التكليفي، وكما عرفه الأصوليون هو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.

بل يمكن القول إن الطغيان على موارد البيئة المشتكرة وإفسادها وتخريهبا هو من الأعمال المحرمة شرعا. ومعروف في أصول الفقه الإسلامي أن "المحرم" هو ما طلب الشارع الكف عنه طلبا جازما، وفرض على فاعله العقاب حتما، سواء أكان ذلك الفعل المحرم محرما لذاته، أي كان مفوتا لمصلحة، أو مسببا لمفسدة في ذاته. 

إن ثمة تساؤلا يطرح نفسه وهو: هل أدى الإنسان حق الله عز وجل وشكره على عظيم نعمه، فأخلص له أم تكاسل وأهمل، وأهدر هذه الخيرات وأفسدها؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق