التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

دورة الثلاثين سنة من الفشل

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

علينا ألّا نفترض أن دورة الثلاثين سنة من الفشل قد انتهت مع مطلع القرن الجديد. فقد نتج من مشاكل جسور المشاة في لندن وباريس حساسية متجددة لاحتمال الفشل حتى بالنسبة لهياكل مصممة بموجب آخر المعارف الهندسية وآخر مبتكرات الأدوات الهندسية، وبالتحديد، ففي المعرفة والأدوات محددات، ولحين اكتشاف هذه المحددات – على الأكثر من خلال حالة سلوك غير متوقع أو من خلال فشل كلي – علينا توقّع أن نفاجأ. لذا [فالسؤال] ما هي أنواع الجسور الأكثر احتمالاً أن تُصمم أو تُطوّر في أجواء غير كاملة المعرفة، وهل نتوقع فشلاً درامياً لأحد هذه الجسور ليوفر حوالي عام 2030 نقطة دالة لاستمرار وتيرة سبلي ذات الثلاثين سنة؟ وتكهّني أنه سيكون إما جسراً مثبتاً بالحبال، حيث يستمرّ المهندسون بالتوسع في استعمال هذا النوع من الجسور إلى ما بعد الحدود المقبولة على الرغم من حيرتهم المستمرة من الاهتزازات غير المرغوبة للحبال، أو أحد الجسور المعتمدة على العوارض الصندوقية الكونكريتية المشدودة لاحقاً، وهي نوع من الجسور أصبحت مألوفة على نحو متزايد والتي تُدفع طرق بناء نتوءاتها إلى الحدود القصوى للتطبيق.

وبالرغم من أن الأطروحة الأصلية لسبلي كانت معتمدة على دراسة للجسور المعدنية وتنطبق، بالتحديد عليها فقط، لكن قابلية تطبيقها على أنواع كثيرة من الهياكل التصميمية أصبحت واضحة بعد فترة قصيرة. لذا جاء تعميم [سبلي] وواكر عن وتيرة الثلاثين سنة لحالات فشل الجسور:

أظهرت دراساتنا في كل حالة، أن عناية كبيرة وبحوثاً في التصميم والبناء قد بُذلت عند بناء أول نموذج لهيكل متقدّم تكنولوجياً، ولكن مع استمرار استخدام التصميم مرّات ومرّات، كانت تنمو الثقة إلى حدّ الرضا والاستخفاف في الصعوبات الفنية المحتملة. وكانت تعتبر الفحوصات مكلفة بشكل لا مبرر له واستغُني عنها. ولكن في كل حالة، كان قد تم تعديل التصميم بثبات ولم تُفهم التغييرات، لحين هيمنة تأثير من الدرجة الثانية سبق إهماله، وانهار الهيكل.

في هذه الحالة، كان واكر وسبلي يكتبان عام 1967 إثر اجتماع حول منصات النفط البحرية، حيث "اعترف المصمّمون الكبار في هذا الحقل أنهم لا يفهمون القوى الديناميكية المفروضة من قبل بحر الشمال على منصاتهم"، والتي قد تمّ التمديد في استخدام تكنولوجياتها "إلى أبعد بكثير من صلاحيات اختبارات التصميم المبسط". وكان يمكن أن تكون كتابتهما هذه قد حدثت عام 2010 حول تصميم واختبار حفّارات النفط ومانعات الانفجار التي استخدمت في خليج المكسيك.

تثبت مشاهدات من هذا النوع تجاه الحكمة التقليدية بأن المعرفة التكنولوجية في تقدّم دائم. ولكن إن كانت التكنولوجيا نفسها تراكمية، وهي تضيف لمخزون المعرفة الهندسية والانجازات مع كل تحسن جزئي، لماذا إذن لا تكون جميع الجسور وحفارات النفط الجديدة أفضل من سابقاتها؟ وبالتحديد، لماذا يفشل أي منها؟ ولماذا لا يكون الجيل الأصغر من المهندسين أكثر دراية وحكمة من الكبار منهم؟ وكيف يُفسّر السلوك المتكرّر – مع عقود من النجاحات تتخللها حالات فشل كبيرة؟ تقع التفسيرات في طبيعة التصميم الهندسي، الذي يبدأ بطريقة بدائية جداً وغير رصينة، والتي تبدأ بالنسبة للتصاميم غير المجربة سابقاً من نقطة الصفر تقريباً. المهندسون يحلمون فعلاً بالتصاميم، وفي أكثر الأحيان بشكل لا – كلامي صوري. وفقط عندما يُصبح لدى المهندس تخطيطاً أو رسماً تقريبياً يمكنه عندئذٍ أن يُجرى حوار غير غامض بين المهندسين والمصممين ويمكن لعلوم الهندسة والاقتصاد وخبرة الخبراء أن تُستحضر لتحليل وتقرير مدى واقعية المفهوم وقابلية بنائه، وعملية التصميم، بالطبع، عادة ما تكون متشابكة وتكرارية، ورسم المهندس الأولى يمكن أن يكون مليئاً، عن عمد أو دون عمد، بثروة من المعرفة الهندسية والعلم والخبرة من تصاميم سابقة، ناجحة وغير ناجحة على حد سواء. وتساعد معلومات كهذه والفطنة بصيرة العقل لاختيار أو رفض ميزات في التصميم التمهيدي. وإذا تم ذلك من دون دراية بحالات الفشل السابقة، فقد لا يوجد ما يطلق الإنذار بأن التاريخ قد يكون مقبلاً على إعادة نفسه.

في كتاب الهندسة وعين العقل (Engineering and the Mind’s Eye)، فصّل مؤرخ التكنولوجيا يوجين فرغسون (Eugene Ferguson) عن دور الفكر اللّا – كلامي في الهندسة ووضعه في سياق تاريخي. وبالرغم من أن عمله قد أثبت أن هناك نمطاً تطورياً واضحاً في النوعية والوضوح في التمثيل الرسمي للأشياء والأفكار، لكن الدرس الذي لا يخطىء هو أن عملية التصميم الهندسي لا تجري في الأوقات الحديثة بطريقة مختلفة جذرياً مما كانت قبل آلاف السنين. فأهرامات المصريين، والجسور المقوّسة للرومان، والمعابد الأغريقية، وكل مشروع هندسي في الحضارات القديمة بدأ في عين عقل أحد المهندسين سواء كان هذا الفرد قد تمّ تكليفه أو لم يتم، وسواء كان باستطاعته الرسم بنفس جودة أعقابه أو لم يستطع، وبغض النظر عن قدرات الرسم أو المهارة، فقط عندما كان المصمم المفاهيمي يوضّح فكرته من خلال رسمها على الرمل، أو على ورق الرسم (أو ورق البردى أو الخشب)، أو [عندما يصنع] نموذجاً من الطين كان يمكن عندها أن يُمدح أو يُنتقد من قبل زملائه، سواء قُبِل أو رُفض من قبل من كلفوه بذلك، وسواء تم بناؤه أو نُفِّذ بشكل غير مُتقن من قبل المقاولين.

في مجمل التقدّم الحقيقي في المعرفة الفنية ووسائل التحليل، حينئذٍ، فإن طبيعة التصميم الضمني هي بالأساس نفسها اليوم كما كانت دائماً، وهنا تكمن حقيقة إمكانات نقل معرفة الأجيال أو التاريخ الهندسي الذي يتم تصوّره بشكل مناسب، أو حتى مقتطفات فقط من حالات دراسية: مثل هذا المنحى لا يُجسِّر فقط الهوة بين النواحي غير الفنية والفنية من الممارسة الهندسية فحسب، لكنه يوفر إطاراً نظرياً يمكن من خلاله توضيح طبيعة الهندسة نفسها. إضافة لذلك، فثروة الحكمة حول ما يبدو طريقة هندسية تفوق الوصف – كانت في عقول المهندسين الأكبر عمراً، وفي عدد لا يحصى من الحالات الدراسية – يمكن لها أن تخرج من المكتبة، إلى قاعة الدرس، وبالنهاية إلى مكتب التصميم. وقصص الحروب الجيدة حول عملية التصميم الهندسي لا تكون قديمة أبداً، لأنها تكشف الطبيعة الهندسية غير المقيَّدة بزمن والبثور وجميع الامور.

يحتوى السجل المكتوب للهندسة للقرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على مناقشات صريحة إلى حدّ كبير وتفاصيل لمشاريع كبرى (مثل الجسور المبتكرة في برتانيا، وفورث، ونياغرا، وغورجز، وايدز، وبروكلين، وهل غايت وجورج واشنطن، على سبيل المثال وليس الحصر) اختبرت القدرات التحليلية والإنشائية لأزمانها. ربما، تحديداً، بسبب العادة في الكتابة عن ما حدث وتفسيره، فإن مهندسي هذه المشاريع كانوا ميّالين لكي يكونوا أكثر صراحة حول ما حفّزهم ودفعهم وراجع تصاميمهم من مهندسي اليوم، الذين يمكن أن يكون فقدوا هذه المسببات في خضم النماذج الرياضية والحاسوبية والشفرات البرمجية والرسوم الرقمية وتقارير الحاسوب المطبوعة. ومن خلال نقاش دار حول علاقة التاريخ بالهندسة الإنشائية، اعترف أحد المشاركين أنه وجد الدخول إلى عقول [رؤوس] المصممين في الأزمنة الماضية كان أسهل نوعاً ما من القيام بنفس الشيء مع فرق التصميم النموذجية في عصر الحاسوب، وبعض صفات التصميم الهندسي ستبقى غير متأثرة بحالة الفن [التكنولوجيا] وبذلك فهي مستقلة – سواء استخدمنا المعداد أو المسطرة الحاسبة [المنزلقة] أو الحواسيب الرقمية – لتحليل وبلورة التصاميم المفاهيمية التي يتم من خلالها جريان مجمل الهندسة. وحتى عندما تتعرض العملية التصميمية إلى تدقيق متزايد، خاصة في السياق الرقمي، تبقى كتابات الماضي البعيد حول الهندسة أحد أكثر المصادر إضاءة للتبصّر في ما يكون غالباً طريقة هندسية محتمة.

كتب مهندس الأساسات الأسطوري رالف بك (Ralph Peck) بشكل واسع ومعبر عن القرار الهندسي، الذي يصف الفكر الذي من الصعب جداً تعليمه وتعلمه. لاحظ بيك عند مناقشته موثوقية السدود في وقت متأخر عام 1981 أن "تسعة من عشر حالات فشل حديثة قد وقعت ليس بسبب عدم ملاءمة حالة الفن [التكنولوجيا]، ولكن بسبب حالات سهو كان في الإمكان تحاشيها". وأشار بيك أيضاً أنه عند النظر إلى الأخطاء التصميمية وحالات الفشل، "لا يمكن إعطاء المشاكل قيماً محددة". واعترف أن التحسينات في التحليل والفحص قد تكون ذات فائدة، ولكن هناك احتمالاً أيضاً بأن "تركيز الجهد على هذه المسارات قد يُميّع الجهود التي يمكن أن تبذل في التحقيق في العوامل الداخلة في أسباب الفشل". ومن ضمن وصفات بيك لاستعادة القرار الجيد للممارسة الهندسية كان منظوراً تاريخياً؛ فقد استنكر، مثلاً، حقيقة أن الأفراد الذين يأخذون الامتحان الذي يؤدي إلى التسجيل كمهندس إنشاءات في إلينوي لم يستطعوا تشخيص إنجازات مهنية هامة كإكمال جسر إيدس عبر نهر المسيسيبي في سانت لويس عام 1874.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق