التاريخ

دراسات وتجارب أجريت على الحيوانات والإنسان لوقايتهما من داء السعار

1995 أمراض لها تاريخ

حسن فريد أبو غزالة

KFAS

داء السعار الحيوانات الإنسان التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

وهكذا بقى الأمر ظلاماً، يحارب الإنسان في دياجيره عدواً لا يستبين له ملامح، إلا أن كان عام 1804م حين حاول طبيب ألماني يدعونه "جورج زنك" دراسة الكلب فحقن كلباً سليماً بلعاب كلب مريض فأصابه بالمرض وصدق حدسه بأن المرض يعدي عبر اللعاب الملوث.

ولكنه لم يدرك بماذا يتلوث اللعاب، إلى أن جاء "لويس باستور" عام 1884م ليكتشف إن في دم الكلاب المريضة دقائق صغيرة هي فيروسات المرض الشرير القاتل.

وقد قام "باستير" بفصل الفيروس من مخ بقرة مصابة بالمرض، وقام بتمريره 90 مرة بحقنه في مخ الأرانب التي تصاب بالشلل بعد 6 – 7 أيام من الحقن.

وعندما عرض النخاع الشوكي للأرانب المصابة والتي بها كمية كبيرة من الفيروس الحي لتيار هواء ساخن لمدة يوم، وجد أن كمية من الفيروس 2 – 5% قد ماتت، وهكذا حتى وجد أنه بتعريض الفيروس لمدة 15 يوماً قد فقد ضراوته تماماً.

وقد قام باستير بحقن الكلاب من أول حقنة بالفيروس الذي تعرض للهواء الساخن لمدة 15 يوماً (الفيروس الميت)، وبالحقنة الثانية بالفيروس الذي تعرض للهواء الساخن لمدة 14 يوماً، وهكذا إلى أن أعطى الكلاب الفيروس المعرض للهواء الساخن لمدة يوم واحد فقط.

وبالتجربة على الحيوانات ثبت له أن الحيوان الذي تم حقنه بالتتابع الذي سبق قد اكتسب مناعة ضد العدوى وضد الإصابة بداء السعار، حتى بعد حقنها بكمية من الفيروس الحي التي تسبب وفاة الكلاب غير محصنة باللقاح.

 

ولكن كيف له أن يبدأ تجربته على الإنسان؟

إنها مخاطرة بل قد تكون كارثة فالمرض قتَّال لا رجعة فيه، وقد كانت الفرصة أن حمل والدان من منطقة "الألزاس" الفرنسية إلى باستور ابنهما المعقور، الذي لم يتجاوز 9 سنوات، وكان اسمه "جوزيف مايستر" وطلبا منه تطعيمه، فهي له فرصة في الحياة لأنه لا محالة ميت.

فأعطاه باستير 13 حقنة من هذا اللقاح في كل يوم حقنة بعد العضة بحوالي 60 ساعة.

كان هذا في صيف عام 1885م إذ أثبتت التجربة نجاحاً باهراً، لا لأن الطفل لم يمت فحسب، بل لأن أعراض داء الكلب لم تظهر عليه أصلاً، ولم يصب بالمرض، وبعدها انهالت على "باستور" كل أسباب التكريم من ملوك أوروبا وأباطرتها كافة، بل أصبح تطعيم باستور دستوراً معتمداً لعلاج المعقورين ولوقاية الناس ممن يحتمل عقرهم منذ ذلك الزمان، حتى يومنا هذا. 

وقد حق أن يسمى إنجازه العظيم هذا "بَسْتَرَة الكلاب" بمثل ما اشتهرت بَسْتَرَة الحليب وتعقيمه من الميكروبات المرضية في كل زمان ومكان، على أن من حق جيش العلماء الذين بذلوا عرقاً وجهداً متواصلاً لاستجلاء حقيقة هذا الداء الفتاك أن تقدر لهم جهدهم، وأن نرصد أعمالهم العظيمة الرائدة، وأن نسجلها ببعض كلمات لا تعني أكثر من الوفاء والعرفان بالجميل لهم.

 

فهذا طبيب فرنسي هو الدكتور "بيير راين" نذكر له فضل تسمية المرض باسم "رهاب الماء" عام 1839م فالمعهود من المريض أن يخاف النظر إلى الماء بل ربما وصل الحال به أن يخاف من ذكر اسم الماء أمامه.

والواقع أن تشجنجات تصيب عضلات الحلق والبلعوم عند المريض فيصعب عليه شرب الماء بالرغم من جفاف حلقه وعطشه الشديد، فيغص إذا ما شرب الماء ويكاد يختنق، لهذا سموه مرض "رهاب الماء" أو الخوف من الماء.

وهذا طبيب إيطالي آخر يدعونه "اديلشي نيجري" 12-1913م لاحظ بقعاً صغيرة في أنسجة المخ عند المريض سوا كان كلباً أم بشراً فتوهم أنها تجمع لطفيليات المرض من أنواع وحيدة الخلية أمثال الأمبيا، وما هي إلا مستعمرات للفيروس، لهذا عرفت هذه الأجسام الصغيرة باسم أجسام نيجري" وجرى الإسم في الوسط الطبي على هذا منذ ذلك الزمان وحتى وقتنا هذا.

لقد انقشعت ظلمة الماضي، واتضحت لنا الحقيقة، وعرفنا أن داء السعار سببه فيروس يصيب أول ما يصيب مختلف الحيوانات آكلة اللحوم، ومع هذا لا زالت تتملكنا قناعات خاطئة منها قناعتنا بأنه مرض الكلاب لا غير، لدرجة أننا نلفظه داء الكَلْب (بفتح الكاف وسكون اللام) في حين كان العرب فيما مضى من زمان يعرفونه (ولا زال هذا اسمه) بداء الكَلَب (بفتح الكاف وفتح اللام)، بل إن عشرتنا للكلاب وألفتنا بها هي التي أوحت بهذا.  ولكن هناك ضحايا كثيرون آخرون منهم الذئاب والثعالب وابن أوى والوطاويط بل والقطط أيضاً تمرض بالداء وتنقل لنا الداء!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق