التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

خلاصة الفشل . لنسامح التصميم تفهم الفشل

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

وتُنير قصص النجاح والفشل ودروسها، بالطبع، ما هو أكثر من الهندسة والتاريخ. والقصص هذه ذات صلة أيضاً بشؤون اليوم. إذ تُقدّم الأزمة المالية التي بدأت في 2008 مثالاً مقنعاً. فالتقدير الممتد (النجاح) في سوق الإسكان عزز الشعور المتهوّر بأن [أسعار] العقارات قد تستمرّ وستستمر بالتصاعد إلى أجل غير مسمّى، وفي نفس الوقت فممارسات الرهون العقارية الماضية (الناجحة) قد تمّ تمديدها لتشجع شراء البيوت لما هو فوق قدرات المشترين، والقواعد التجريبية الراسخة، التي تتضمّن ما يمكن للمهندسين تسميته عوامل الأمان ضدّ الفشل وبالنسبة للجزء من دخل الفرد الذي يمكن الالتزام به بحكمة لدفع الرهن العقاري، قد أهملت. فسوق الأدوات المالية ذات المخاطر اعتمدت على عقارات وظروف اقتصادية مفضلة ولا نهاية لها. ولكن، بالطبع، كل شيء له صعود ونزول، نجاح وفشل. لقد كان بالإمكان توقّع الأزمة المالية بشكل أوسع لو لم يكن هناك قصور في النظر في التركيز على الفقاعة دائمة التمدد للنجاح في المستقبل ونفور من التفكير عن احتمالات الفشل. لنتذكّر أن رئيس مجلس إدارة بنك الاحتياط الفدرالي [البنك المركزي] (Federal Reserve Bank) اعترف أخيراً، وبعد مرور سنتين على قمة الأزمة المالية، بأنه فشل في التعرف على "الأخطاء ونقاط الضعف" الراسخة بعمق في النظام المالي. فنجاحات الماضي قد تكون ملهمة ومشجعة، لكنها ليست بحالها مؤشّرات موثوقة أو إرشادات لنجاح في المستقبل. فأكثر التغيرات تأثيراً في أي نظام لا يُستدل عليها من خلال النجاحات ولكن من خلال حالات الفشل. والطريقة المؤكّدة لمصمّم أي نظام لتحقيق النجاح هي أن يعترف بأخطاء الأنظمة السابقة ويُصلحها، سواء كانت في شرائع المباني أو في سياسات البنوك أو في الجسور.

تاريخ الحضارة نفسه هو عبارة عن حالات صعود وهبوط لنجاحات وفشل، وبعضها كانت إمبراطوريات، وسلالات، وعوائل؛ وأخرى كانت أمماً، وولايات ومدناً. ومشترك بين كل هذا هو العنصر البشري، مُجسّداً بالحاكم والمحكوم على حد سواء، وعلى افتراص أن الوحدة الأساسية للحضارة هو الفرد، علينا ألا ننظر أبعد من دواخلنا لاكتساب البصيرة عن العالم وطرائقه، بضمن ذلك فشل مؤسساته وأنظمته. وكما أن هذه المؤسسات والأنظمة متكونة من أفراد وأشياء، لذا علينا في النهاية أن ننظر إلى أنفسنا وكيف نتفاعل مع العالم، القائم والمصنوع، كلما أخفق شيء ما.

لا يمكن لأي منّا أن يدعي أننا نجحنا في كل شيء حاولناه، ولا نستطيع القول أننا لم نعمل شيئاً عدا الفشل. حتى أكثرنا تفاؤلاً بالفوز عليه أن يعترف، حتى ولو في أفكاره الخاصة، بأن ليس لديه وصفة سرية للنجاح؛ والأكثر تشاؤماً وبؤساً عليهم ان يُقروا بأنهم قد تعلموا من أخطائهم أين هي الخطوات المؤكدة. نمتطي جميعنا مسار حياتنا وكأننا على زلاقة (Roller Coaster) بصعودها ونزولها وانحرافاتها ومنحنياتها والأنشوطة البهلوانية الملتفة (Loop – The – Loop) أحياناً، وبعضنا يفضل أن يكون قريباً من الطريق المستقيم والضيق [الطريق الآمن السليم]، قلما ينحرف في ركوبه الهزّاز الهادئ في حدائق الأطفال لأيام الطفولة؛ وآخرون منّا هم دائماً يبحثون عن الإثارة، يحجُّون، إن جاز التعبير، لآخر صرعات حديقة الألعاب التي تدفع إلى الحدود القصوى للهيكل والشجاعة على حد سواء، تسعى دائماً للوصول إلى السماء ثم تأخذ طريقها للتزحلق نزولاً في خطوة طويلة عجولة. ومعظمنا يقع ما بين المسلكين، بالطبع، نعمل طريقنا ببطء وبتعمد إلى الأعلى فوق قمم أعلى وأعلى – لحين أن نفقد غداءنا [ونتيه] في طريقنا إلى الأسفل من أعلى.

فهم الفشل سهل بسهولة فهم الحياة، حتى إن كنا نعيش حياة رتيبة. ونعلم، حتى إن كان فقط من مشاهدة الرياضة على التلفزيون، كلاً من فرحة النصر وألم الخسارة، ونعلم، فقط، إن سمحنا لأنفسنا معرفته، أننا عندما نكون على مدحرجة نحن ندفع دائماً لأن نتحرك بسرعة ليست بصالحنا. فالكبرياء تأتي يقنياً قبل السقوط، ونعلم جميعاً، في معظم الأحيان من مدارس الصدمات القاسية العملية، أنه عندما نقع على الأرض علينا أن نرفع أنفسنا، وننفض الغبار، ثم نبدأ مرة أخرى.

بالرغم من أن الحكمة التقليدية تقول إن المهندسين هم نسلٌ خاص من الناس، لكنهم في الداخل بشر حالهم حال الآخرين، والحقيقة فإن من المحتمل نجاح المهندسين وفشلهم في الحياة – وعلى الزلاقات الأفعوانيات – حالهم حال الشاب أو الشابة المجاورين لهم، ولكن إذا كانوا فعلاً أناساً عاديين، كيف لنا أن نتوقّع إبداعاتهم – وتصاميمهم – أن تكون بنوعية لا يملكها صانعوها؟ ولحسن الحظ، فالمهندسون يعملون عادة على شكل مجموعات، سواء كانت فعلية أو افتراضية، يدقّق ويلحق الواحد منهم بأفكار الآخر وحساباته لأحلام زائفة وأخطاء حقيقية، وصعود وهبوط مهندس من بينهم يوازنه عادة هبوط وصعود آخر، وهذا يولّد الأمان والموثوقية التي نعرف أنها سمة مميزة للتكنولوجيا، وبالطبع، فالفشل يقع بين الحين والآخر، غالباً بسبب أن الجميع ينظرون بنفس الاتجاه الخاطىء – إلى أعلى. واحتمال وقوع ذلك محتمل خصوصاً عندما تكون الأشياء سائرة بنجاح ولا يفكر أحد أن هناك أي شيء يدعو إلى القلق. فالمكائن المُضبّطة بدقة تعتني بحالها. ولكن عندما يحدث تحطم في عربات الزلاقة الأفعوانية، فذلك يوفر إنذار صحوة لتجميع القطع، وتدقيقها لاحتمال أخطاء تصميمة وشقوق تعب، ثم فحص السكك بحثاً عن أعطال، وللتساؤل عن أساليب الصيانة وإرشادات التشغيل، ولفهم المشكلة، ثم للعودة لإعادة تصميم مسار الجولة.

ليس في هذا الكتاب حالة للفشل تمّ شرحها وكان مقدراً أن تحدث بالضرورة. فلو كان القضيب ذو العين في جسر سانت ماريس، في الهيكل التوأم أعالي النهر لجسر سيلفر، قد تمّت معاملته حرارياً بطريقة أكثر أذىً أو تم تركيبه مع خطأ غير مكتشف أكثر خطورة، لكان يمكن أن يكون هو الجزء الذي يفشل أولاً. عند ذلك فالاحتمال كان يمكن أن يكون جسر سيلفر هو الجسر الذي تم تفكيكة كإجراء احترازي، ولو علم أحدهم أن تصدعاً خطيراً قد يتوسع دون أن يُكتشف في أحد قضبان جسر سيلفر، لكان يمكن أن تتخذ الخطوة القصوى لغلق المجاز عن حركة المرور لحين القيام بفحص مؤكد. وافتراضاً أن تصميم سلسلة التعليق لا تسمح بذلك حتى باستخدام أجهزة آخر مستجدات الفن [التكنولوجيا]، لربما تحديد المرور على الهيكل كان يمكن أن يكون البديل، كما حصل ذلك في جسر والدو– هانكوك حين اكتشف أن حبال التعليق قد تآكلت بتسارع متزايد. كان عندئذٍ بالإمكان شراء بعض الوقت، الذي يمكن أثناءه اتخاذ إجراء بديل. لا يوجد أي فشل فردي يجب حدوثه بشكل مطلق.

لم يكن لجسر I-35W في مينيابوليس أن ينهار حينئذٍ لو لم توضع عليه مواد الإنشاء والمعدات في المكان التي وضعت فيه، ولكن ربما كان قد حدث في جملون جسم جسر آخر ذو تصميم مماثل، فوق طريق سريع ما بين الولايات، وبجدول صيانة مختلف قد يكون قد تعرض إلى فشل غير ضار، الذي بدوره ربما كان السبب في إحداث فحوصات أشد صرامة وعناية لجميع الجسور ذات الجملونات الفولاذية، بضمن ذلك الجسر الذي في مينيابوليس، وكذلك كان تحاشي اللوحات المجمعة المنحنية لمجاز جسر I-35W لو تم تفحصها بدقة، وحتى انهيار جسر تاكوما ناروز كان يمكن ألّا يحدث لو لم يقم المهندس الاستشاري مويسيف بإطالة المجاز في تصميم مصمم سلطة الجسر، وجعله أكثر رشاقة، أو لو أن الإنذار الذي أطلقه كوندرون لشركة ريكونستركشن فاينانس (Reconstration Finance) لم يهمل، فعلياً بأمر. لكن لو لم ينهار جسر تاكوما ناروز، كان يمكن أن ينهار جسر آخر صُمّم حسب الطراز الجمالي لجسور أواخر ثلاثينات القرن الماضي – أو على الأقل لكان قد تصرّف بشكل سيىء خلال الريح لكي تًفرض إعادة تقييم للوضع.

تحدث حالات الفشل المحددة عندما تحدث بسبب تلاقي العديد من العوامل التي تتجمع في موقع محدد ووقت محدد، بنفس الطريقة التي جابهت التايتانيك به جبل الجليد في شمال الأطلسي. لكن الطبيعة البشرية والحالة التكنولوجية التي [تبقى سائدة] لحين وقوع حالات فشل لا جدال فيها، تجعل هناك ميلاً – حتى بين المصممين، الذي يعرفون أفضل من غيرهم – للتفكير بأن التكنولوجيا قد تمّ السيطرة عليها، وهذا ليس بالاستنتاج المنطقي، وليس مدعوماً بتاريخ الهندسة. لكن هذه، ببساطة، هي الأمور.

لكن ليس بالضرورة أن تكون الأمور بهذه الطريقة. فلدينا إثباتات عديدة لهذا الحسّ غير المنطقي للثقة المفرطة الذي تولّد من خلال النجاح الممتدّ، والذي لا نتحرّر من وهمه إلّا بحدوث فشل ضخم،  ونادراً ما تكون كافية التنبيهات الوديعة لما يقارب الفشل لتهزّنا خارج رضانا عن النفس، كما حصل بشكل درامي وحاسم في حوادث مركبة الفضاء التي حصلت ضمن إدارة ثقافة الإنكا،. وربما بالنهاية سيؤدي إدراكنا لهذه الأنماط، معززة بفشل إثر فشل، والتي ننقلها بضجيج للطلاب والمهندسين الممارسين (ويأمل المرء، للمدراء أيضاً) على حدّ سواء من خلال تحليل فشل بعد تحليل فشل، وحالة دراسية بعد حالة دراسية، إلى الانتقال بنا من نموذج مُحبّذ نوعي مسلّح بالنجاح إلى نموذج نوعي يتحاشى الفشل. عندئذٍ، ربما في نهاية المطاف نستطيع أن نُقدّر أن الطريقة الأفضل لتحقيق نجاح دائم هو من خلال فهم أوسع للفشل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق