علم الفلك

حياة النجوم

2013 أطلس الكون

مور ، السير باتريك مور

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

علم الفلك

حياة النجوم

عندما نسعى لفهم تاريخ نجم ما، تواجهنا صعوبة وهي أننا عادة لا نشاهد النجم أثناء حدوث التغيير في حالته، تماما كما لو رأينا صبيا في شارع من شوارع المدينة فإننا لن نستطيع أن نراه وهو يتحول من صبي إلى رجل. كل ما بوسعنا فعله هو تقدير أي النجوم يافعة وأيها مُسِنة ومن بعد ذلك يمكننا تتبع سلسلة الأحداث. ولكن الُمنظّرين القدماء أخطأوا في اختياراتهم، لا لذنب ارتكبوه ولكن السبب يعود إلى قراءة خاطئة لمخطط H-R.

قد أصبح اليوم فهمنا لسلسلة الأحداث أعمق، ووفقا للنظريات الحالية يبدأ النجم حياته بالتكاثف من المادة الرقيقة الموجودة في السديم، ويعتبر سديم الجبار حضانة نموذجية لتكوين النجوم. في المناطق فوق المتوسطة الكثافة تتسبب الجاذبية في تكوين كتل تبدأ في الانكماش مما يعني أن درجة الحرارة في مركز الكتلة سترتفع، وتستمر درجة الحرارة في التزايد حتى تتحول كتلة المادة إلى ما يسمى بالنجم البدئي. والخطوة التالية تعتمد على ما كانت عليه الكتلة المبدئية.

عليك أن تتذكر أن نجما مثل الشمس يشع نتيجة لتفاعلات نووية، وفي النجوم العادية يكون نتيجة لتحول الهيدروجين إلى هيليوم. ولإثارة هذه التفاعلات يجب أن تكون في درجة حرارة تقارب °10,000,000 مئوية. لا يمكن أن تصل درجة حرارة النجم البدئي قليل الكتلة إلى هذه القيمة، ولذلك لا تبدأ التفاعلات النووية فيه أبدا، فالنجم يشع بوهن لمدة طويلة جدا حتى تُستهلك طاقته. ويسمى النجم من هذا النوع القزم البني مع أن لونه الحقيقي هو البنفسجي. يستمر النجم في حالة تألق خافت حتى يصبح قزما أسودا باردا ميتا.

لو كانت الكتلة ما بين 0.1 و 8 أضعاف الشمس لتغير الوضع تماما. فالتفاعلات النووية تبدأ، ويستمر النجم في الانكماش والتذبذب بانتظام وهو يطلق في نفس الوقت رياحا نجمية قوية مكونة من سيول من الجسيمات، حتى تتمكن من إبعاد شرنقة الغبار التي كانت تحيط بها أولا. وتسمى هذه المرحلة T الثور والتي في حالة الشمس من المحتمل أن تكون مكثت لمدة 30,000,000 عام. وحينما تبدأ التفاعلات النووية، يستقر النجم ويدخل في حالة استقرار طويلة في التتابع الرئيسي حيث يقضي تقريبا 10,000 عام، وفي يومنا هذا تكون قد أمضت شمسنا نصف مدتها في مرحلة التتابع الرئيسي. وفي البداية كان تألقها فقط %70 مما هو عليه اليوم ولكن درجة حرارتها ظلت تتزايد حتى وصلت درجة حرارة لبها إلى °15,000,000 مئوية، هذه هي شمسنا التي نعرفها اليوم.

عندما يقل مخزون الهيدروجين المتاح يضطر النجم إلى تغيير بنيته، فيبدأ الهيليوم الموجود في اللب بالتفاعل وينتج بذلك الكربون، في حين أنه توجد حول لب النجم قشرة ما زال الهيدروجين فيها مستمرا في إصدار الطاقة. يصبح النجم غير مستقر وتبدأ الطبقات الخارجية في التمدد والتبريد في نفس الوقت، هكذا يصبح النجم عملاقا أحمرا.

ومن هذه النقطة فصاعدا يزداد الأمر تعقيدا، ولكن النتيجة النهائية محددة بلا شك، إذ تُدفع الطبقات الخارجية بعيدا كليا لتصدر ما يسمى بالسديم الكوكبي- الاسم غير الدقيق بالمرة لأن الجسم ليس سديما حقيقيا ولا علاقة له بالكواكب. وأخيرا وبعدما يفقد النجم طبقاته الخارجية، يترك نجما قزما أبيض، وهو ببساطة عبارة عن اللب الأصلي بعد تدهوره وفيه تكون الذرات قد تفككت ثم تجمعت ثانية بإحكام بدون أي إهدار للمكان. وتكون الكثافة عالية بشكل مدهش، فلو أنه تم إحضار مغرفة من مادة القزم الأحمر إلى الأرض لوزنت مثلها مثل مدحلة الأسفلت البخارية. أشهر قزم أبيض هو الرفيق الخافت للنجم الشعرى اليمانية، ومع أن حجمه لا يتعدى حجم الأرض فكتلته تساوي كتلة الشمس.

ومع أن النجم أصبح في حالة مفلسة، لا تزال درجة حرارة سطح القزم الأبيض مرتفعة عند أول تكوينه- حيث تصل إلى °100,000 مئوية في بعض الحالات وتستمر في الإشعاع. ثم يتلاشى النجم مع الوقت وينتهي به المطاف ليصبح قزما أسودا باردا ميتا، مع العلم أننا حتى الآن لم نجد قزما أبيض درجة حرارته أقل من °3000 مئوية وقد يعني هذا أن الكون لم يبلغ من العمر ما يكفي لتطور أي نجم بعد إلى مرحلة القزم الأسود.

أما بالنسبة للنجوم ذات الكتلة الأولية الأعلى- يعني أكثر من كتلة الشمس بثمانية أضعاف- فإن كل المراحل تحدث بمعدل أسرع. تزداد درجات الحرارة في اللب فتُمكن من حدوث تفاعلات جديدة وتصدر عناصر أثقل فأثقل. وأخيرا، فإن اللب يتكون أساسا من الحديد الذي لا ’يحترق’ بنفس الطريقة، ويحدث انهيار مفاجئ يليه انفجار يتم فيه طرد معظم المادة النجمية فيما يسمى بانفجار المستعر الأعظم ويخلف وراءه لبا صغيرا فائق الكثافة مكونا من النيوترونات، وهو كثيف لدرجة أن مقدار رأس إبرة من مادته يفوق وزن ناقلة سفن، وملعقة صغيرة منه ستزن ألف مليون طن. لو زادت كتلة النجم عن هذا، لانضغط لب النجم الأصلي بسبب انفجار المستعر الأعظم لدرجة تفوق نجم الهيليوم ولأصبح تأثير سحب الجاذبية له قويا جدا حتى لن يتمكن الضوء من الإفلات من حطام النجم: والنتيجة هي تكوين ثقب أسود.

سيكون عندي المزيد لأقوله عن هذه الأجسام الغريبة قريبا، ونحن نعلم الآن على الأقل أن شمسنا لا يمكنها أبدا أن تصبح مستعرا أعظما ولا ثقبا أسودا، ولكنها في النهاية ستقضي علينا جميعا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق