التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

حوادث الرافعات

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

عندما كان الاقتصاد [الأميركي] متيناً، كان هناك، في وقت ما، ما يقارب 3000 رافعة برجية تعمل في الولايات المتحدة، تقوم بأكثر من 105.000 عملية رفع يومياً، وكما هي الحال في جوانب متعددة من التكنولوجيا السائدة في كل مكان، تكون الرافعات الإنشائية أجزاء يمكن إهمالها في بيئة البناء والإنشاءات – لحين وقوع حادث، حيث يمكن أن يحصل خطأ سيىء للغاية، وليس من المستغرب ربما أن أغلب حوادث الرافعات هي ليست نتيجة التصاميم الميكانيكية ولكن بسبب أخطاء أو حماقات بشرية. ففي حالة معينة، حدثت في صيف 2005، استخدمت رافعة زاحفة في مشروع ملكية عقارية مشتركة (Condonimium) في جاكسونفيل بيتش (Jacksouville Beach) في فلوريدا. لقد كان للرافعة ذراع رئيسية يتعدى طولها 100 قدماً تم تركيبها بسارية متحركة إلى أعلى وأسفل أطالت الذراع لتصل 140 قدماً، وفي يوم الحادث، تولّى الرافعة مشغّل جديد حلّ محل المشغل الاعتيادي الذي أصيب بحادث خارج العمل.

كما هي العادة، فالذراع والسارية تعودان إلى مواقع خارج تشكيلة الانتهاء عند التوقّف ليلاً، ولذا فعندما قام المشغّل الجديد بتشغيل الرافعة في اليوم التالي، كانت مهمته الأولى هي إعادة تشكيل حالة الرافعة لتكون عاملة في حالة الرفع، وبحسب كرّاس التشغيل للمستخدمين، فالذراع والسارية لا يمكن تشغيلهما في نفس الوقت، وللتأكد من الالتزام بهذه القاعدة، تمّت برمجة حاسوب النظام لإيقاف جميع الحركات في حالة تجاوز السارية أو الذراع حدود الزاوية الآمنة، ولكن، للسماح لأجزاء الرافعة أن تركّب وتفكّك ولتحريكها من وإلى موقع استقرارها، تم تركيب فاصل –  تجاوز – الحد – (Limit – Bypass – Switch) على لوحة السيطرة، حيث يتمّ إمساك الفاصل بيدٍ بينما يتم تشغيل الذراع أو السارية باليد الأخرى – وليس كليهما معاً. مع ذلك، وفي حالة جاكسونفيل بيتش، قام مشغل الرافعة الاعتيادي بوضع قطعة نقود في فاصل – تجاوز  – الحد، لكي يجعله شغّالاً يسمح لحالة تشغيل الذراع والسارية باليدين الاثنيتن في نفس الوقت. (من الواضح أن ممارسات خطرة كهذه ليست غير معروفة ولا غير متداولة في الصناعة الإنشائية، وفي بعض الحالات يتم لصق فاصل –  تجاوز – الحد بشريط لاصق لتحقيق نفس الغرض).

عند بدأ تشغيل الرافعة في الصباح، لاحظ المشغل البديل قطعة النقود المحشورة في الفاصل، لكنه أبقاها على حالها. وبموجب تقرير لاحق للحادث من قبل إدارة السلامة والصحة المهنية (Occupational Safety and Health Admin) (OSHA)، عندما لاحظ بعد ذلك أن حاسوب النظام قد تعطل، قام مشغل الرافعة [الجديد] بسحب قطعة النقود، عندئذٍ توقّف كل شيء عن العمل، وقد تم إخبار ممثل مبيعات شركة الرافعات بمشاكسة النظام، وتمّ توجيه المشغل بإزالة قطعة النقود من الفاصل وإعادة تدوير الحاسوب، وعندما تمّ ذلك، قام المشغل ببدء العمل على الرافعة، ولكن بعد فترة قصيرة عاد الحاسوب ليتصرف بشكل خاطىء، وبدلاً من قيام المشغل بطلب مساعدة إضافية، أعاد حشر قطعة النقود في الفاصل ثانية، عند ذلك استطاع الاستمرار في تشغيل الرافعة لنهاية اليوم. ثم وضع الرافعة في حالة التوقف في المساء، وعند عودته إلى العمل في اليوم التالي، كما صرّح بذلك لاحقاً، ألحّ عليه المشرف القيام ببعض عمليات الرفع باستخدام الرافعة العنيدة، وكانت قد أعدت لذلك عندما وقعت الحادثة.

بسبب الجهل الواضح، أو إهمال دور قطعة النقود في حجب إحدى مزايا السلامة للرافعة، وضع المشغل يديه الاثنتين على جهاز سيطرة الذراع والسارية وقام بتشغيلهما معاً، معتقداً، ربما، أن مفاصل الحدّ الأخرى ستمنعه من الوصول إلى التشكيلة الخطرة، وبالرغم من أنه قد كان على أحد فواصل الحدّ أن يقفل القوة الكهربائية إذا ما تعدّت الذراع الرئيسية زاوية قدرها 88 درجة، ولكن بسبب أن فاصل – تجاوز الحد كان قد في وُضع شغّال [بسبب قطعة النقود] فقد تعدّت الذراع الزاوية ووصلت إلى الوضع العمودي، عندئذٍ انقطعت الحبال المشدودة أكثر من اللازم، واعوجّ الذراع، وسقطت السارية على البناية قيد الإنشاء محدثة إصابات متعدّدة لبعض العمال، وتقدر شركات التأمين أن أخطاء مشغلين من هذا النوع مسؤولة عن ما يقارب 80% من حوادث الرافعات.

تكرر هذه الحادثة سيناريواً مألوفاً: استمرار العمل بنظام تكنولوجي على الرغم من خطأ سلوكه، وقد تردّت الحالة بسبب ضغط الإدارة للاستمرار في العمل، بالرغم من علامات التحذير الواضحة بأن القيام بذلك هو إغراء للقدر. وكما رأينا، فقد استمر الإطلاق المميت لمركبة الفضاء تشالنجر على الرغم من العديد من الإشارات بأن سدادات حلقات – O كانت غير موثوق بها في ظروف كهذه. فالرحلات المتعددة الناجحة التي بلغت 24 رحلة سبقت رحلة تشالنجر المميتة في كانون ثاني/ يناير 1986 أعطت ناسا، كمؤسسة، جرعة فائضة من الثقة بأن في إمكان المركبات الفضائية الإقلاع بأمان رغم السلوك المرتبك لبلاطات الدرع الحرارية، أو مضخة الوقود، وحلقات – O، وعندما أُعيد الاستمرار في رحلات المركبة التي أعيد تصميمها بعد حادث تشالنجر، بقيت المشكلة المزعجة للعازل الذي يفصل المستودع الخارجي عند الإقلاع، وقد تم التعايش مع هذه المشكلة المتكررة – لحين أن ضربت إحدى قطع الرغوة واحداً من أجنحة كولومبيا، التي تفتت نتيجة لهذا الضرر عند إعادة دخولها [الغلاف الجوي]، ويبدو أن الطبيعة البشرية تجعلنا متفائلين حول الأنظمة التي تحذرنا وتتوسّل بنا بأن نكون متشائمين.

في بداية العام 2008، حصلت حادثتان انتشرتا بشكل واسع عن رافعتين برجيتين خلال العملية الحرجة البارزة للقفز، مما تطلّب تدقيقاً متزايداً للطريقة التي يتم فيها الإشراف على الرافعات الكبيرة وتنظيمها. ففي يوم السبت 15 آذار/ مارس، كانت رافعة برجية نوع لوفر (Luffer) تعمل في موقع للبناء على الجانب الشرقي من مانهاتن، وكانت في خضم عملية قفز كي تستطيع رفع مواد أعلى من ارتفاع 22 طابق حيث كانت تعمل، وخلال العملية، تم تثبيت سارية الرافعة جانبياً من خلال ربطها بهيكل البناية الصاعدة، وكان المفروض القيام بذلك بمساعدة أطواق فولاذية ضخمة، وفي خلال عملية القفز الحرجة، كانت الأطواق الحاضنة في مواقعها في الطابق الثالث والطابق التاسع، وكان العمال يقومون بوضع طوق ثالث في الطابق الثامن عشر، وبموجب تقارير الحادث، وفي خلال عملية رفع الطوق الثالث إلى موقعه انكسر الطوق وانفلت فجأة. وانزلق الطوق الذي يزن ستة أطنان إلى أسفل فوق سارية الرافعة وضرب بطوق الطابق التاسع وأسقطه أيضاً، وارتطم الطوقان الهابطان بطوق الطابق الثالث ليُزاح من موقعه أيضاً، ثم هبطت الأطواق الثلاثة لتستقرّ في مستوى الشارع، وبإزالة الأطواق أصبحت سارية الرافعة غير مستقرة وسقطت عبر الشارع، لتحطم مبنى من الشقق على الجانب الآخر، وقد قتل ما مجموعه سبعة أشخاص وجرح 24 شخصاً.

في خلال أيام، تمّ تحديد السبب الرئيسي للحادث وهو حزام عاطل أصفر من النايلون المستخدم لربط الطوق إلى أعلى بينما يتم تثبيته على إطار البناية. فوسائل الرفع من هذا النوع يجب أن تفحص للتأكد من خلوّها من الشروخ، والتمزّقات والاستهلاك العام قبل كل استخدام، ولكن مثل هذه التحفّظات لا تؤخذ بالاعتبار دائماً عندما يكون هناك عجالة بالالتزام بالجدول الزمني. كذلك فإن مواقع البناء تكون مليئة بالأوساخ والطين، التي يمكن أن تكسو حزام الرفع، ليس فقط لتغطية لونه الحقيقي ولكن لتغطّي عيوباً متعددة، ومهما قد يكون قد حدث في نيويورك. فصور الحادث أظهرت بوضوح "تمزق حبل أصفر من النايلون في نهايته كشريط حذاء طفل" والذي من المتوقع أنه استخدم ما بعد عمره المفيد.

بالكاد بعد أسبوعين من حادث الرافعة في نيويورك، وقع حادث آخر في ميامي، وتضمّن أيضاً رافعة برجية كانت تستخدم لبناء مبنىً عالٍ، وعند محاولة زيادة ارتفاع الرافعة عندما كانت تحمل قطعة طولها 20 قدماً تزن 7 أطنان لاستخدامها في عملية التسلق سقطت من ارتفاع 30 طابقاً مهشمة سقف بيت مجاور كان مستخدماً كمكتب للمقاول، وقُتل عاملي بناء وأصيب خمسة آخرون في هذه الحادثة المؤسفة، وحتى قبل إكمال مكتب الصحة والسلامة OSHA تحقيقه عن الحادث، عزي السبب إلى فشل في جهاز الرفع الذي استخدم لرفع قطعة السارية.

هاتان الحادثتان، كانتا متقاربتين من بعضهما وليستا بعيديتن عن حوادث أخرى في سنين سابقة، وقد جلبتا اهتماماً ملحوظاً لأخطار استخدام الرافعات البرجية، وخاصة خلال عملية التسلق الحساسة، وقد ميّز المحققون بين "حادث الرافعة" و"حادث رفع القطع"، حيث كانت حادثتا ميامي ونيويورك ضمن النوع الأخير. ومع ذلك، فمن وجهة نظر العموم ووجهة نظر السلامة، عندما يقع حادث بسبب فشل السلاسل، أو حبال الرفع، أو الأحزمة، وأية أشياء متنوعة أخرى – الحبال والصواري – التي تربط الحمل إلى كلّاب الرافعة، فمن المفهوم أن الحادث له علاقة بتشغيل الرافعة.

بعد حوالي عشرة أسابيع فقط من الحادث الأول، كان هناك حادث آخر في نيويورك لرافعة برجية. ولم يكن هناك عملية قفز هذه المرة – فقد سقط فجأة مجمع الرافعة ومقطورة المشغّل الواقعة فوق السطح الدوّار في قمة السارية واصطدم بالشارع تحت البناء، محطّماً مبانٍ شققية مجاورة في الطريق، وقُتل مشغّل الرافعة وعامل بناء آخر، وعُزي الحادث إلى رابط مقطوع على مستوى السطح الدوّار، ولحام رديء عند تصليح جزء فولاذي اشتبه به مباشرة، وقد ولّد الحادث قلقاً متنامياً في نيويورك وأماكن أخرى بأن الرافعات البرجية تشكّل مخاطر غير مقبولة في المدن الكبيرة حيث يرتفع البناء عالياً فوق المماشي والشوارع المزدحمة ومشاة غير واعين للخطر ومركبات غير مصفحة.

إثر هذه الحوادث وحوادث أخرى تضمنت رافعات بناء، كانت هناك نداءات لإعادة النظر في أساليب تدقيق إجراءات التشغيل والفحص – ولقوانين جديدة ومراسيم تحكمها، وفي مقال افتتاحي في مجلة إنجنيرنغ نيوز– ريكورد (Engineering News-Record)، بينما تمّ الاعتراف [المقال] بـ "صعوبة الوصول إلى استنتاجات من حالات فشل عشوائية ناتجة من أسباب منفصلة"، لاحظ أن عمل الرافعة ليس بعلم صواريخ، ورحب بالتعليمات الجديدة التي اقتُرحت في المدن التي وقعت فيها حالات الفشل، كونها أفضل من "الإغفال المتسيب السائد في باقي البلاد". ففي تكساس، على سبيل المثال، حيث لا يحتاج عمال الرافعات إلى ترخيص، وقعت بين عامي 2005 و2006 فقط 26 حادثة وفاة بسبب حوادث رافعات، مقارنة بما مجموعه 157 في باقي البلد.

في أماكن أخرى، على الأقل، بدا أن مشكلة الفساد هي عامل مساهم. ففي خلال أيام من حادث آذار/ مارس في نيويورك، تم إلقاء القبض على أحد عمال المدينة لتزويره تقريراً للفحص صرّح فيه أنه قد زار موقع البناء استجابة لشكوى أن الرافعة لم تكن مدعومة بشكل مناسب، وفي الأسبوع التالي، اقترحت المدينة وجوب حضور مفتش المدينة في المستقبل "في كل مرة يتم فيها نصب رافعة، أو قفزها أو تفكيكها"، وفي الشهر التالي، استقال رئيس إدارة مباني المدينة، وهو معماري بالتدريب، بعد أن اعترف أنه لم يكن محقّاً عند إصداره رخصةً للبناية التي حصل فيها انهيار الرافعة الثاني، ومن خلال التفتيش عن ملء الوظيفة الشاغرة لمفوّض المباني، اقترح مكتب حاكم الولاية خفض المتطلبات بخصوص كون المتقدّم معمارياً مسجلاً أو مهندساً مرخصاً، لكي يتم ملء الوظيفة من قبل "أفضل شخص للوظيفة، ليس فقط المعماري أو المهندس الأفضل". ولم يكن مستغرباً، فقد اعترضت المجتمعات المهنية، وكما هو مؤكّد فإن معدّي القانون حاولوا السيطرة بشكل أقرب على استخدام وتنظيم الرافعات، وبالتالي من المتوقّع من ممثلي صناعة الإنشاءات معارضة التقييدات. وقد أصدرت ميامي– ديد كاونتي (Miami–Dade County) في فلوريدا، حيث الأعاصير ليست غير متوقعة، مرسوماً جيداً للسلامة يتطلّب تحمّل الرافعة هبوب رياح سرعتها 146 ميل في الساعة. وبحسب مالكي الرافعات، الذين يؤجّرون معداتهم لمشاريع البناء، فالمعيار الجديد يتطلب "قفزات للرافعات وربطات للبناية أكثر مخاطرة"، مما يتطلّب، ليس فقط وقتاً أطول ومالاً أكثر، لكنه يعرض العمال للخطر أيضاً.

بديهي أن يكون تحليل القوى والعزوم للرافعات المرتفعة أساسياً، فالاستخدام الآمن لها يعتمد إلى حد كبير على استعداد المشغلين اتباع الممارسة الجيدة وعدم محاولة تخطّي شروط السلامة، مثل فواصل الحد. لكن المشغلين هم أيضاً تحت رحمة الحفّارين، الذين يمكن أن يثبتوا أنهم الحلقة الضعيفة في النظام إذا ما استخدموا أدوات ربط مستهلَكة أو متضرِّرِة، وعدا ذلك متهالكة بسبب تكرار الاستخدام وسوء الاستخدام. والحبل المغطى بالطين أو الزيت، الذي لا يمكن فحصه بشكل مناسب لوساخته، لا يمكن أن يكون صالحاً للاستخدام، على الأقل، حتى يتم تنظيفه وفحصه، وعلى الحفّار أن يكون على دراية بعدم استعمال حبال نظيفة لكنها مُصنَّعة وباهتة قد تعرّضت للشمس لسنوات، لأن الأشعة فوق البنفسجية تُضعف مادة البوليمر. وكلفة الحبل الأصفر الجديد المصنوع من النايلون زهيدة مقارنة بالملايين من الدولارات جرّاء المسؤولية التي قد يتم تحملها في حالة كسر المرفاع وهو يحمل طوق التسلق أو يرفع حملاً ثقيلاً.

أمرت إدارة نيويورك للمباني بإجراء تحقيق لمدة سنة في حادث المرفاع، ووجدت أن أحد حبال البوليستر الذي استخدم في عملية القفز كان متضرراً بالفعل – فقد كان بالياً. ومن الجلي أنه لم تكن هناك ضرورة حتى لاستخدام ذلك الحزام، ذلك لأنه، بحسب الشهادة، وُجدت حبال وأحزمة جديدة [غير مستعملة] في مخزن للعدة في اليوم التالي. إضافة لذلك، فقد استخدم فريق المرفاع أربعة نقاط تثبيت لرفع الطوق بدلاً من الثماني نقاط الموصى بها من قِبل المصنّع، وبما أن مواصفات المصنّع هي في الواقع جزء من تصميم عملية القفز، كان من المفروض أن تكون قد أخذت بالاعتبار القوى ذات العلاقة بالطريقة وما يمكن أن يحصل من خطأ، فعدم اتباع المواصفات يعتبر عملاً فيه مخاطر. فالفشل في اتباع القواعد في هذه الحالة بيّن "تبعات اتخاذ الخطوات المختصرة في موقع العمل". فلو تمّ تثبيت ثمانية حبال بشكل مناسب (حتى لو تضمّنت الحبل البالي) وتمّ استخدامها كما هو موصى به، فمعامل الأمان المتضمّن في العملية كان بإمكانه تحاشي الحادث، وقد كان الحادث مأساوياً بشكل خاص، ذلك لأن ما حصل قبل أقل من سنتين في نيويورك أن قسماً من رافعة برجية سقط في الشارع خلال عملية تفكيك، وأدّى الحادث إلى إصابة ثلاثة عمال بناء وعابري سبيل اثنين، وأُرجع سببه إلى عملية رفع غير مناسبة. فلو تمّ الاستفادة من دروس ذلك الفشل لما وقع الحادث المميت عام 2008، ولم تكن لترفع اتهامات القتل غير المتعمّد ضد رئيس الرافعتين ومالك شركة المرفاع، وخلال المحكمة ، أصر محامي الدفاع على أن موكله قد اتبع "معايير الصناعة" (Industry norms)، "لكن الرافعة كانت غير محصنة بسبب قرارات هندسية وتصميمية" كانت خارج نطاق مسؤولية شركة المرفاع.

قدّم المهندس المسؤول شهادته في المرافعة حول خطة نصب الرافعة، وبالرغم من أنه عزى الانهيار إلى فشل الحبال المستخدمة، فقد تكلّم أيضاً لصالح شركة المرفاع، بوصفها "إحدى أكثر شركات الرافعين العاملة أماناً". وفي النهاية، قرّر القاضي – الذي بطلب من الدفاع أجرى المحاكمة من دون هيئة محلفين –  تبرئة الشركة الرافعة من جميع التهم، وجادل محامو الشركة بنجاح بأن موكّلهم قد جُعل كبش فداء لمجموعة من الأخطاء التي ساهمت في الحادث: بضمن ذلك قاعدة الرافعة التي لم تكن مبرشمة بشكل صحيح إلى أساساتها، وأن عوارض فولاذية "رديئة الصنع" قد استخدمت لتُشبك برج الرافعة للبناية التي تخدمها، وأن هناك تجاهلاً وتراخياً غير مقبول من مفتّشي المدينة، وكما هو الحال غالباً بعد أيّ حادث، يمكن تشخيص العديد من العوامل التي ساهمت في اعتبارها السبب، وفي الواقع كان بالإمكان تحاشي الحادث لو كان هناك عامل أو عاملان فقط من العوامل التي كانت قائمة. ولكن تزامن مساهمة جميع العوامل في هذه الحالة بالذات ولّد عاصفة تامة لحالات فشل فردية أدت إلى كارثة حصدت سبعة أرواح.

الحادث الآخر في نيويورك عام 2008 – حيث سقط الذراع من السارية على الشارع في الأسفل –  قد تمّ تقفّي أثره إلى عملية لحام خاطئة لجزء من السطح الدوّار، وبما أن هذا النوع من الرافعات لم يعد يُصنّع، لذا لم يكن بالمستطاع الحصول على قطعة جديدة، وقد قدرت كلفة تصنيع قطعة جديدة بديلة من قبل إحدى الشركات بـ 34.000 دولار و120.000 دولار من قبل أخرى، لكن مدة التسليم تراوحت من سبعة أشهر إلى سنتين. وقد وجد مالك الرافعة شركة صينية يمكنها القيام بالعمل مقابل 20.000 دولار وتسليم القطعة خلال ثلاثة أشهر، لذا ذهب نحو العرض الأرخص والتسليم الأسرع، على الرغم من أن الشركة الصينية اعترفت بنفسها بأن ليس لديها "ثقة في هذا اللحام". وقد اتهم مالك الشركة النيويوركية، "مجهزاً بارزاً للرافعات" يُكنّى بـ "ملك الرافعات"، بالقتل غير المتعمد. وفي إثر حوادث الرافعات المتعددة – نفس شركة الرافعة، التي أطلق عليها أحد المراقبين أنها "تقوم ببساطة بتدوير زوايا متعددة"، كانت تملك أيضاً [الرافعة] التي فشل فيها المرفاع – قيل إن النيابة العامة كانت تدفع باتجاه أن يكون مالك الأعمال هو المسؤول بشكل شخصي عما حدث، وبعد مدة قصيرة، اتُهم مفتش المدينة، الذي صادق على الرافعة باللحام الخاطىء للاستخدام في نيويورك، بالأهمال في الواجب واستقال [من وظيفته].

في فضيحة لا علاقة لها بشكل مباشر بحوادث الرافعات، ولكن تم نشرها بعد ذلك مباشرة، اعترف رئيس مفتشي الرافعات لمدينة نيويورك استلامه رشاوٍ. إذ قبل مبالغ مقابل إكمال وملء تقارير فحوص مزيفة لرافعات – على الرغم من أنها لم تكن لرافعات برجية – فقد عاينها بشكل سطحي، أو أنه لم يقم بفحصها على الإطلاق. كذلك فقد أصدر شهادات لمتقدمين لرخص مشغّلي رافعات على أنهم اجتازوا الامتحانات بينما هم في الحقيقة لم يفعلوا ذلك (وقد تم اتهام بعض مشغّلي الرافعات لامتلاكهم رخصاً من دون اجتيازهم أي اختبار على الإطلاق)، وقد قادت هذه الاكتشافات، بشكل واضح لإصدار تعليمات جديدة عن استخدام الرافعات في مواقع البناء، وأعلن قسم الرافعات والأبراج التابع لإدارة نيويورك للمباني أنه من ذلك الوقت فصاعداً يجب أن تعدّ خطط تفصيلية للرفع من قِبل مهندسين أو مصنّعي الرافعات قبل أن يتمّ تقفيز الرافعات، وأعلنت إدارة OSHA أيضاً أنها ستحقّق في موضوع سلامة الرافعات وتقترح فرض شهادة مشغلين. مرة أخرى، حدوث حالات الفشل والضحايا أدّى إلى اتخاذ إجراءات لخفض المخاطر في المستقبل.

وقد تم إصدار التعليمات الجديدة لإدارة OSHA حول سلامة الرافعات، لتحلّ محل التعليمات القديمة التي لم تُحدّث لأربعين سنة تقريباً، وذلك في صيف عام 2010. ومن بين أهم التغييرات البعيدة الأثر التي احتوتها الوثيقة المكونة من 1000 صفحة هي متطلبات مشغلي رافعات البناء الذين أصبح من الضروري أن يُرخّصوا على المعدات التي يقومون بتشغيلها، وبما أن هذه القاعدة قد أثّرت في ما يقارب 200.000 عامل، فقد أعطيت الشركات لغاية 2014 لتطبيق التعليمات، ويعني ذلك توفير الترخيص [للعمال] على حساب [الشركات] الخاص، وأُخذت القواعد الجديدة بنظر الاعتبار أيضاً التكنولوجيا والمنتجات الجديدة ، مثل الحبال الاصطناعية، التي كانت قد دخلت في الاستعمال في ذلك الوقت، وتقضي التعليمات الجديدة بالنسبة للحبال الرافعة الالتزام بتعليمات المصنعين في ما يخصّ ربطها بالأحمال الواجب رفعها، إضافة لذلك، التزام القيام بفحص أجزاء الرافعة البرجية قبل تركيبها، والالتزام بالأساليب الإجبارية الواجب اتباعها في تشغيل الرافعات قرب خطوط الطاقة الكهربائية، حيث العدد الأكبر من الأرواح التي فقدت في حوادث رافعات البناء.

بالطبع، يمكن تقليص المخاطر في حالة الحدّ من [تقليص] النشاط. فالانحسار الاقتصادي الذي حصل في الجزء الأخير من عام 2008 أثّر بشكل كبير في البناء، وألغيت العديد من المشاريع، أو جُمّدت، أو اختُصر حجمها. وبما أن الرافعة المثالية تؤجّر لمشروع بناء محدّد، والمعتاد عندما ينتهي المشروع – بسبب اكتماله أو إهماله – تفكيك الرافعة ونقلها إلى المهمة التالية، وعندما لا يكون هناك مهمة تالية، فمن الواضح أنه لن يكون هناك مكان للرافعة تذهب إليه. ونجد حول العالم، رافعات برجية متوقفة من دون عمل فوق هياكل غير كاملة، هي تذكيرات صامتة لما قد حصل. فهذه المواقع، التي كانت تفاخر بعدد الرافعات التي تظلّل الشمس الصاعدة والآفلة، تبدو الآن وكأنها مواقف للرافعات، وقد توقّفت رافعات من دون حراك فوق مدن مزدهرة سابقة، مثل دبي ولاس فيغاس. لقد كان العدد الكبير من الرافعات التي كانت تدور كراقصات الباليه في سماء [تلك المدن] وأعطى جانباً مظهراً من التغيير المستمر كان المنشط للمواطن، وللمستثمر وللمبتكر على حد سواء. لكن في 2009 عرضت المواقع غير المتغيرة للجمالونات المغلقة لوحة للمتحركات التي أصبحت ثوابت.

لذلك، في صناعة البناء بصورة عامة، أصبح معدل البطالة خلال أوائل العام 2009 يربو على 20% ومتوقّع له الازدياد، وضمن الحديث عن الصرف المحفِّز والاستثمار في البنية التحتية، كانت شركات البناء وموظفوها يفتشون عن عمل. وعندما أُعلن عن مشاريع الأشغال العامة، كان المقاولون المتلهفون للعمل يتنافسون في عطاءاتهم لدرجة أن بعضهم غالباً ما جاء أدنى من تقديرات الحكومة، وبعد سنة من ذلك، وصلت البطالة في صناعة البناء إلى حوالي 25%، وكان الخوف أن تستمرّ بالارتفاع. فحالات الفشل المالية وعمليات الإنقاذ ذات العلاقة في وول ستريت (Wall Street) والشعور بالحذر المنتشر في مجتمعات الأعمال الكبيرة قد تعاضدت لتصنع مثبطاً للتنمية وبالتالي [أدت إلى] إيقاف بناء القطاع الخاص.

كما أدّى اللحام الخاطىء غير المكتشف في السطح الدوّار إلى تحطم الرافعة البرجية وسقوطها على الشارع، كذلك أدّت الأخطاء غير المتعرّف عليها في النظام المالي إلى الأزمة المالية. نُقل عن رئيس مجلس إدارة فيدرال ريزرف بنك (Federad Reserve Bank) [البنك المركزي] بن برنانكي (Ben Bernanke) عام 2010، أنه اعترف بـ "فشله في عدم التعرّف على أخطاء في النظام المالي التي ضخّمت من انكماش قطاع الإسكان وأدّت إلى كارثة اقتصادية"، وقال برنانكي إنه لم يدرك "مدى الأخطاء ونقاط الضعف الموجودة في النظام التي أدّت إلى تضخيم الصدمة الأولية" لانهيار الرهونات العقارية، والدروس التي يجب تعلمها من الحماقات المالية هي في نفس درجة قوة الدروس التي يجب تعلّمها من حوادث الرافعات، ولكن ننتظر لنرى إن كانت ستلقى عند كليهما آذاناً صاغية عندما تعود الأعمال والبناء لسرعة ما قبل الركود، ولا يمكننا إلّا أن نأمل بأن الدروس الواجب تعلمها من فترة الجمود بالنسبة لحوادث الرافعات، ومن حالات الفشل الهيكلي والميكانيكي عموماً، وكذلك من الخلل الوظيفي المؤسسي والإداري والمالي، هي دروس لن تُنسى. لكن الخبرة تقول لنا إنه، حتى إن كان بطء الاقتصاد قد أتاح لنا الوقت الكافي للتفكير والتأمّل حول أسباب حالات الفشل الكارثية، فالطبيعة البشرية ستتدخل، من دون شك، وتبرز الكثير من الإنكار، إن لم يكن فقدان صريح للذاكرة، حول ما رشح [من دروس].

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق