التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

حادث الرحلة 3407 أمثلة لنسامح التصميم تفهم الفشل

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

عندما أقلعت الرحلة 3407 التابعة لكونتيننتال كونكشن (Continental Connection) من مطار نوارك لبيرتي (Newark Liberty) باتجاه مطار بافالو- نياغرا (Buffalo Niagra) في 12 شباط/ فبراير2008 كان من المفروض أن تكون رحلة قصيرة في طائرة بومبارديير داش(Bombardier Dash 8). ولكن في ذلك المساء القارص البرد في الجزء الشمالي لولاية نيويورك كان المطر المتجمّد يهطل، مما غطّى سطح الطائرة وجناحها بالجليد. تراكم الجليد على جناح الطائرة، لم يزد من وزن الطائرة فحسب بل أدّى إلى تغيير الشكل الأيروديناميكي للجناح، وبالتالي أثّر في أداء الطائرة في الهواء، ولأن تراكم الجليد على جناح الطائرة يشكّل خطورة على حالة الطيران، صُمّمت أجنحة الطائرات بشكل يمكّنها التخلّص من تراكم الجليد عليها، وإحدى هذه الطرق هي تسخين سطح الجناح، والطريقة الأخرى هي إزالة جليد الحافات من خلال تصميم الجناح لكي يتوسّع آلياً من حافاته، وبذلك يكسر الجليد ويزيله، وللأسف، وكما هي العادة في الكثير من التصاميم، فإن هذا التصميم كانت له محدّدات ما جعل من الصعوبة إزالة الجليد المتراكم البعيد عن الحافة الأمامية للجناج.

لم تستطع الطائرة ذات المحركين، نوع توربوبروب (Turboprop)، أن تصل إلى مطار بافالو تلك الأمسية، إذ ارتطمت ببيت على بعد 5 أميال من مدرج المطار، وقد قضى جميع ركاب الطائرة البالغ عددهم 49، بالإضافة إلى الشخص الذي كان في البيت. التخمين المبكر للحادث أشار إلى حالة الجليد التي لم تتمّ معالجتها بشكل مناسب من قِبل طاقم الطائرة، وتبيّن بعد الحادث، وعند فحص المسجّل الصوتي في المقصورة ومسجّل بيانات الرحلة، أن الطيار والضابط الأول ناقشا وضع الجليد على الزجاج الأمامي والأجنحة، وقاما بتشغيل أجهزة إزالة الجليد، وما حصل بعد ذلك بقليل أنه بدأت علامات تدلّ أن محرّك الطائرة قد يتوقّف، وحالات كهذه تؤدّي إلى اهتزاز عصا السيطرة الخاصة بالقيادة لإنذار الطيار، وبما أن الطائرة كانت في حالة الطيار الآلي (Auto-Pilot) كان من المفروض أن تقوم الطائرة بتصحيح الحال لضمان الارتفاع، وفي حالة عدم استطاعة الطيار الآلي تعديل الأمر، كان المفروض أن يتوقّف الطيار الآلي وأن تعاد السيطرة إلى الطيار الإنسان للقيام بالسيطرة على الطيارة يدوياً. علماً أن هذه التفاصيل موجودة جميعها ضمن التصميم.

وتقول إحدى النظريات حول أسباب عدم قيام الطيار بالإجراء التصحيحي، أن عصا السيطرة لم تهتزّ بسبب عطل الجهاز، أو بسبب عطل في التصميم، ونظرية أخرى تقول إن الطيار ربما قد أسرع في التصرّف بدفع عصا السيطرة أبعد مما يجب، مما أدّى إلى ارتفاع مقدّمة الطائرة أكثر من الحدّ المناسب، مما يؤشر تهاوناً في تدريب الطيار، بالإضافة إلى خطأ التصميم.

لقد ذُكرت هذه التكهّنات خلال الأسبوع الأول من الحادث. أما المجلس القومي لسلامة النقل (NTSB) المسؤول عن التحقيقات التفصيلية للحوادث، فيستغرق وقتاً أطول للوصول إلى نتائج نهائية رصينة. ففي تقريره عن هذه الحادثة الذي أصدره بعد سنة تقريباً من الحادث، لم يتطرّق تقرير المجلس إلى أية أخطاء في الأجهزة أو البرمجيات، بل اتهم طاقم الطائرة بالإهمال الذي أدّى إلى وقوع الكارثة. فقائد الطائرة البالغ من العمر47 عاماً، وقد نعتته إحدى الصحف بعدم الكفاءة، له تاريخ طويل من الفشل في اختبارات الطيران، ويميل إلى التسرّع في ردود الفعل عند استخدام أجهزة السيطرة في الطائرة. لقد بدأ هذا الطيار بقيادة نوع داش 8 من الطائرات قبل شهرين فقط من الحادث، والضابط الأول المصاحب له على الرحلة، والذي لا يتجاوز عمره 24 سنة، لم يستطع أن يناقش بثقة قرارات قائد الطائرة، ولم يستطع مراقبة السرعة عند الاقتراب من مطار بافالو، وسمحا للطائرة بالانخفاض، مما أدّى إلى تشغيل أحد المنبهات، الذي أدّى إلى اهتزاز عصا التحكّم، كما هو مصمّم لها، ولكن قائد الطيارة سحب العصا بدلاً من دفعها إلى الأمام، وتكراره ردود الفعل الخاطئة جعل الأمور أكثر سوءاً. كما لم تجد لجنة التحقيق للمجلس أية مشاكل بالنسبة لمحركي الطائرة أو منظومتها، واستنتجت أن الطقس كان اعتيادياً بالنسبة لمنطقة بافالو لذلك الوقت من السنة وأن نسبة الجليد الذي كان على الطائرة لم تكن أكثر من النسبة الاعتيادية مما قد يؤدّي إلى إسقاط الطائرة.

اعتقد أحد أعضاء لجنة التحقيق أن الإرهاق الذي كان يعاني منه قائد الطائرة قد ساهم في وقوع الحادث. فقد قضى قائد الطائرة الليلة التي سبقت يوم الحادث في استراحة الطيارين، وقائد الطائرة المساعد كان يشكو من نزلة برد سيئة قضاها في رحلة ليلية من سياتل إلى نيووارك، وسواء كان طاقم الطائرة تعباً أم لا، فإن سلوكه ضمن مقصورة الطائرة خالف سياسات إدارة الطيران الاتحادي (FAA). لقد قام مساعد قائد الطائرة أيضاً بإرسال رسائل قصيرة (SMS)، وهي مخالفة لسياسات FAA وشركة الطيران، وقام قائد الطائرة أيضاً بالدخول في حوار طويل، لاعلاقة له بالعمل، عند إقلاع الطائرة، وكذلك عند اقترابها من مطار بافالو، وهو أيضاً مخالف لتعليمات  FAA وقد لخّص أحد أعضاء لجنة التحقيق الحالة في مقصورة الطائرة بأن قائد الطائرة ومساعده "أضاعا الوقت" بدلا من إدارة عملية الطيران إدارة حسنة، وما كان للحادث أن يحصل ولم يشر التحقيق إلى وجود أي خلل في تصميم الطائرة.

تدعونا الحوادث والفشل الكارثي مجدداً إلى التحقّق من طبيعة وكفاءة الهياكل الهندسية والمنظومات التكنولوجية من جميع الأنواع، وهذا ما كان عليه الحال في العقود القليلة الماضية. لقد انفجرت مركبة فضائية عند محاولة الإطلاق، وأخرى تفتتت عند عودتها ودخولها الغلاف الجوي للأرض؛ وما حصل لأعلى المباني في العالم حيث انهار فجأة بعد ارتطام طائرة أشعلت حريقاً لا يمكن السيطرة عليه، وقد أدّى إعصار إلى إنهيار مدينة بكاملها وموت 1300 شخص وتدمير المباني وتشريد عشرات الآلاف من الناس من دون مأوى أو طعام. وأدّى زلزال هائل إلى مقتل ربع مليون شخص في واحدة من أفقر دول العالم، وقامت إحدى أكبر شركات السيارات في العالم إلى استرجاع ملايين من سياراتها بسبب خطأ في تصميم داعسة البنزين التي تتوقّف عند التعجيل، وفي نفس الوقت، يتعطّل عمل الكابح. انفجار في منصة الحفر في خليج المكسيك تبعه تسرّب النفط تحت البحر استمر لأشهر ونتج منه كارثة بيئية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق