العلوم الإنسانية والإجتماعية

تقرير بعنوان “تحديات في تفسير البيانات” للأستاذة “آن هينر كوبليتز “

1998 تقرير1996 عن العلم في العالم

KFAS

تحديات في تفسير البيانات آن هينر كوبليتز العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

ما برحت البحوث في موضوع مشاركة المرأة في العلم والتقانة تجتاز أوليات مراحلها.

ومع ذلك، فمن الواضح أن ثمة أسبابًا وجيهة تدعو إلى تجنب التعميمات الجارفة والاستنتاجات التي تتسم بالتبسيط المخل. وعلى سبيل المثال:

– بينما يتوافر قدر كبير من العوامل المشتركة بين تجارب النساء في مجالات العلم (ولا سيما في الأقطار المتجاورة التي تتماثل من حيث الثقافة والنظام الاقتصادي والتاريخ) إلا أن بينها أيضًا فروقًا كثيرة.

فأي ميدان علمي أو تقني قد يعتبر "غير نسائي" في بلد ما وفي فترة زمنية بعينها، قد يتسع لمشاركة الكثيرات من النساء في حقبة تاريخية مختلفة أو في بلد آخر.

والهندسة نموذج لما نقول؛ فهي تعد في أقطار كثيرة مجالاً مقصورًا على الرجال ولا سيما في التخصصات ذات المكانة المتميزة مثل الهندسة الكهربائية أو الهندسة الميكانيكية.

على أن هناك استثناءات من هذه القاعدة، ففي الاتحاد السوڤييتي السابق، كانت المرأة تشكل نسبة مئوية مرتفعة في جميع التخصصات الهندسة، كما أن النساء شكلن ما يصل إلى 70 في المئة من طلبة الهندسة في عام 1990 في الجامعة القومية للهندسة في نيكاراكوا (ملاحظة شخصية).

 

– إن مركز المرأة في مجالات العلم والتقانة والطب – وفي المجتمع ككل – لا يتحسن بصورة ثابتة أو وفق علاقة خطية.

فعلى سبيل المثال، شهد القرن العشرون أمثلة تراجعت فيها المكاسب التي سبق وحققتها المرأة في المهن العلمية خلال القرن التاسع عشر. وكثير من كليات الطب التي اقتصرت على النساء (والنساء الآفروأمريكيات) وازدهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر، ما لبثت أن أغلقتها نقابة الأطباء الأمريكيين في بداية القرن العشرين.

ومن الأمثلة الأخرى في هذا الصدد، معاملة نساء أمريكا الشمالية (وأوروبا) من الكيميائيات والمهندسات اللائي كن يضطلعن بأعمال تقنية رفيعة طوال سنوات الحرب العالمية الأولى، ثم أجبرن على التخلي عن مراكزهن لصالح الرجال بعد أن وضعت الحرب أوزارها (Rossiter, 1982)، فضلاً عن كون "النسبة المئوية للنساء العاملات اللائي يشغلن موقع الأستاذية بجمهورية ألمانيا الاتحادية أقل من نسبة الطالبات في عام 1910" (Osborn, 1994).

وبوسع المرء أن يلمس هذا التراجع في مركز المشتغلات بالعلم في مجالات أخرى أيضًا. فالنسب المئوية للنساء في برامج علم الحاسوب بالولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، آخذة في الانخفاض، كما أن الحالة الراهنة للنساء المشتغلات بالعلوم في الدول الاشتراكية السابقة في شرق أوروبا وصلت، أو كادت تصل، إلى حافلة المأساة (Science, 263, 1994: 1477; Koblitz, 1993).

 

فضلا عن ذلك، يمكن أن يطالع المرء أحيانًا زيادة في النسب المئوية للنساء في مجالات العلوم في بعض التخصصات أو بعض مجالات العمل أو بعض البلدان، ولكن هذا يرجع في الأساس إلى أسباب سلبية.

فعلى سبيل المثال، في أحداث جولة من برامج التكيف الهيكلي والإصلاحات الاقتصادية، ما برحت الجامعات الوطنية في أمريكا اللاتينية بالذات تتلقى ضربات موجعة. وإذا كانت النساء يشهدن زيادة في نسبتهن في هيئات التدريس بالجامعات الوطنية في مجالات العلوم، فذلك لا يرجع إلا إلى كون الرجال هجروا الجامعات بحثًا عن وظائف أعلى مرتبًا في القطاع الخاص.

على أن مركز المرأة في العلم والتقانة والطب لا يرتبط إيجابيًا بالضرورة بالمؤشرات المقبولة عمومًا في مجال التنمية الاقتصادية. فمعدلات مشاركة النساء في المجالات العلمية تقل عن نظيراتها في كثير من البلدان المتقدمة، ومنها عدد كبير في شمال وغرب أوروبا وفي أمريكا الشمالية.

 

ففي البلدان الاسكندنافية، وفي ألمانيا (الغربية)، وهولندا والمملكة المتحدة توجد نسب منخفضة بصفة خاصة من النساء المشتغلات بالعلم في معظم الميادينِ، في حين يبدو الأمر أفضل بكثير في بلدان بمنطقة البحر المتوسط كإيطاليا وتركيا.

وكثيرًا ما يتسنى استبعاد أو تهميش المرأة على نحو فعال من الميادين العلمية والتقنية حتى ولو بدت النسب المئوية الكلية المتعلقة بهن معقولة. فولى سبيل المثال يغلب على التعليم الجامعي أن يكون قطاعًا أكثر اصطباعًا بطابع التأنيث ولا سيما عند الرتب الدنيا للمعيدين والمحاضرين.

كما يرى المرء، بين حين وآخر، أن النساء حصرن أنفسهن – عن وعي أو غير وعي – ضمن ميادين بعينها، ربما في إطار جهد ينشدن به أن يضمن لأنفسهن مكانة في مجالات العلوم الطبيعية. فعلى سبيل المثال، جهدت النساء في الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في فتح مجال يشغلنه وذلك من خلال استحداث تخصصات الاقتصاد المنزلي وعلم التغذية.

 

وسرعان ما وجدت النساء المشتغلات بهذه العلوم أنفسهن محصورات إلى حد كبير في تلك الميادين ومن ثم أصبح من الصعب عليهن تأمين فرص العمل خارج نطاقها (Rossiter, 1982).

على أن إسهامات النساء في كثير من مجالات العلم والتقانة والطب جاءت أكبر بكثير مما يتصور معظم الناس. والأمر بحاجة إلى مزيد من البحوث، بل إن ثمة حاجة أوسع بكثير إلى نشر المعلومات عن هذا الموضوع، حيث يفتقر الأمر كذلك إلى إحصاءات مقارنة وشاملة لتخصصات ثقافية شتى.

وكمثال على ذلك، فإن إجراء مسح ثقافي حقيقي حول توقيت وظروف دخول المرأة إلى الجامعة وأي ميادين للدراسة رحبت بها في بادئ الأمر، سيكون مفيدًا جدًا لأن يمثل عامل استنارة كثير الفائدة.

 

وفي بعض بلدان القارة الأوروبية على سبيل المثال، عملت الرائدات من النساء اللاتي كن أول الحاصلات على شهادة الدكتوراه ومن ثم التدريس على المستوى الجامعي، في مجالات الفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) والتشريح والرياضيات والفيزياء والكيمياء، بيد أن الأساتذة العاملين فيما يسمى بمجال الإنسانيات كانوا أكثر ترددًا في السماح بانخراط النساء في صفوفهم.

من ناحية أخرى، كانت تجارب النساء في مجالات العلوم والتقانة والطب متنوعة عبر التخصصات والثقافات والفترات التاريخية وكثيرًا ما تشير إلى اتجاهات متناقضة. وعلينا من ثم أن نكون حذرين جدًا إزاء إطلاق تعميمات جارفة عن طبيعة الأنثى وأدوار المرأة في ظل الوصاية الأبوية وما إلى ذلك.

إن التفاعلات بين عناصر نوع الجنس والثقافة والعلم تفاعلات معقدة، وليس من الحكمة في شيء الخروج باستنتاجات تتسم بالتبسيط المخل وتؤدي إلى الترويج لصورة نمطية جامدة لمشاركة المرأة ومركزها في مجالات العلوم.

 

ملاحظة

هذا التقرير كتبته الأستاذة كوبليتز خلال عملها خبيرًا استشاريًا للشعبة الإحصائية بالأمم المتحدة في إطار برنامج البحوث للإعداد لتقرير الأمم المتحدة: المرأة في العالم، 1995: الاتجاهات والإحصاءات. ويستخدم هنا بإذن من الأمم المتحدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق