النباتات والزراعة

تغيرات جذرية في سياسة الدولة المكسيكية حول الزراعة وتربية النباتات

2014 البذور والعلم والصراع

أبي ج . كينشي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

النباتات والزراعة البيولوجيا وعلوم الحياة

الليبرالية الجديدة في السياسة الزراعية المكسيكية قد تم تحليلها ومناقشتها بشكل واسع (انظر على سبيل المثال(Bartra  2003;  Lind and Barham  2004; Preibisch, Herrejon, and Wiggins 2002; Henriques and Patel 2003; Ochoa 2000; Barkin 1987; Brown 2004; Fitting 2006a; Henriques and Patel 2004; Alcántara 1994)).

فالخطوة الأولى لهذا التحوّل قد وقعت في منتصف ثمانينات القرن الماضي، في عهد الرئيس ميغيل دي لا مدريد (Miguel de la Madrid) الذي فاوض عام 1986 في مسألة انضمام المكسيك لمجموعة الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (GATT)، التي أصبحت في ما بعد تُعرف بمنظمة التجارة العالمية. فإدارة دي لا مدريد (الرئيس المكسيكي) خفضت بشكل مهول الدعم [الحكومي] للمزارعين المنتجين.

فيما عزّزت الرئاسة التي خلفته للفترة 1988-1994، بقيادة كارلوس ساليناس دي غورتاري (Carlos Salinas de Cortari)، التزاماً أكبر بمبادئ الليبرالية الجديدة. فتفاوض دي غورتاري على السماح للمكسيك بالمشاركة في اتفاقية التجارة الحرة لشمال أميركا (NAFTA) مع كندا والولايات المتحدة الأميركية. وهو ما جعل تلك الإصلاحات الليبرالية الجديدة تؤثر في سهولة الحصول على الأراضي الزراعية والبذور، فضلاً عن الدعم والإعانات لإنتاج الذرة.

في عام 1992م، أنهت الحكومة المكسيكية التزامها بإعادة توزيع الأرضي المملوكة لها "المسماة بالأراضي المشاعة" (Ejidos) والمتروكة من قِبلها لغرض استخدامها في التجمعات الزراعية، من خلال إجراء تعديل كبير على المادة 27 من الدستور المكسيكي.

ومكّن [تعديل المادة] سكان الأراضي المشاعة (Ejiditarios (Residents of Ejidos)) بيعها كملك خاص (Harvey 1998; Cornelius and Myhre 1998). لقد شكل هذا التغيير للدولة المكسيكية انفصالاً جذرياً عن دورها التاريخي في دعم الزراعة والمزارعين.

كانت هناك أيضاً تغيّرات جذرية في المواقف المكسيكية من تربية النباتات والموارد الوراثية. فصدور قانون الاتحاد المكسيكي الخاص بالأصناف النباتية عام 1996م، يُعدّ تحوّلاً حاسماً للمصالح التجارية على حساب أُطر تربية النباتات الشعبية، لغرض جني الأرباح من تنمية البذور.

 

ففي السابق كان قانون البذور الوطني لعام 1961م يبيح للدولة حصرياً السيطرة على نشاطات تربية النباتات، ومعالجة تطوير البذور المحسنة باعتبارها منفعة عامة، ويحظر إجراء البحوث الخاصة لتحسين البذور من دون الحصول على موافقة مسبقة من وزير الزراعة (Martinez Gómez and Torres 2001). كما أن المكسيك كانت قد لعِبت ما بين ستينات وحتى سبعينات القرن الماضي دوراً بارزاً في المناقشات الدولية الخاصة بالموارد الوراثية النباتية، من خلال الضغط لإنشاء "نظام غير سلعي لاستخدام وصيانة الأصول الوراثية الزراعية" (المصدر أعلاه صفحة، 289).

لكن بعد ثمانينات القرن، تغيّر "الحرس" في وزارة الزراعة، وانخفض الإنفاق العام على تنمية البذور، بينما دخلت الشركات الخاصة بسرعة سوق [صناعة] البذور. ولاحقاً، اعتمدت المكسيك تشريعات وطنية لإنشاء حقوق فكرية لمطوّري البذور، كشرط أساسي للمشاركة في عضوية اتفاقيتي التعريفات الجمركية والتجارة (GATT) والتجارة الحرة لشمال أميركا (NAFTA).

خفّضت إدارة الرئيس المكسيكي ساليناس دي غورتاري دعم إنتاج الذرة أيضاً وتحويل الاستراتيجية من الاكتفاء الذاتي إلى الاعتماد على الاستيراد، نتيجة للضغوط التي مارسها البنك الدولي (Barry 1995).

فقد وصفت المكسيك الآثار المترتبة على التحولات الاقتصادية الزراعية بأنها تتماشى مع ما يطلق عليه بالمزايا النسبية. حيث يمكنها على مدار السنة إنتاج الفواكه والخضروات الطازجة بتكاليف منخفضة، في حين يمكن للولايات المتحدة الأميركية إنتاج الذرة بكميات كبيرة بأسعار متدنية.

فمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة لشمال أميركا فُهمَ منها أنه عند إلغاء الدعم لإنتاج الذرة [في المكسيك]، فإن نسبة كبيرة من منتجي الذرة المتشردين سيدخلون سوق العمل الوطني وسيعملون في قطاعات [صناعية أخرى] لزيادة الإنتاجية.

وستكون النتيجة النهائية إيجابية ومساهمة في الميزان التجاري والحسابات المالية المكسيكية السنوية (Nadal 2002, 1). فمنذُ بداية [المفاوضات] حول اتفاقية التجارة الحرة لشمال أميركا عام 1994 وحتى عام 2002 زادت صادرات المكسيك من الفواكه والخضروات بواقع 57% (Henriques and Patel 2003).

 

وفي نفس الوقت، وكما كان متوقعاً، زادت استيرادتها للذرة بواقع الضعف لتصل من ثلاثة إلى ستة ملاين طن متري (Nadal 2003). فالحكومة المكسيكية، واقعاً، ذهبت أبعد من الحدود المشروطة في اتفاقية التجارة الحرة لشمال أميركا، فانتقلت بعيداً عن إنتاج الذرة [المكسيكية] وألغت تدريجياً الرسوم الجمركية على استيراد الذرة في ثلاثين شهراً فحسب، بدلاً من خمسة عشر عاماً [كما هو منصوص عليه في الاتفاقية] (Nadal, 2003).

لقد أغرقت الولايات المتحدة الأميركية الأسواق بالذرة الرخيصة، وإضافة إلى ذلك، قدمت البذور المهندسة وراثياً، والتي كان لها تأثير كبير في الاعتماد على الذرة المستوردة بصورة متزايدة، مما أدّى إلى انخفاض سعر الذرة [المحلية] بصورة كبيرة.

فقد ساهم هذا كله في زيادة الفقر في المناطق الريفية بصورة حادة جداً، وإلى جانب ذلك نمت الهجرة من الريف إلى المدن والولايات المتحدة الأميركية(Fitting 2006a). فلذا بسبب هذه التغيّرات عانى المزارعون من خسائر مهولة، شملت الخسارة في المجتمع والثقافة نتيجة ترك الناس لأرضهم والتوجه للبحث عن معيشتهم في أماكن أخرى.

على أية حال، بعض الدراسات تُشير إلى الالتباس في كل تلك التوقعات، فتؤكد أن انتاج الذرة المكسيكية لم ينخفض. والواقع كما يبدو هو أن إنتاج الذرة قد ازداد فعلاً في مدن أواكساكا (Oaxaca) وتشياباس (Chiapas) وفيراكروز (Veracruz) وغيريرو (Guerrero) التي تعتبر من أفقر مناطق الدولة المكسيكية، وأن الأُسر الفقيرة في هذه المناطق آخذة في التوسّع في إنتاج الذرة الصفراء ردّاً على الهشاشة الاقتصادية (Nadal 2003).

وبعبارة أخرى، إن إنتاج الذرة على الرغم من كونها غير مربحة تجارياً، تعتبر لفقراء الريف غير المهاجرين، استراتيجة البقاء على قيد الحياة. وكما أكّد بعض الباحثين، [إن زراعتها] من قِبل بعض المزارعين من طريق التزامهم الطرق الزراعية التقليدية، تُشير أيضاً إلى مقاومتهم لـ [أفكار] الليبرالية الجديدة (Barkin 2002).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق