الفنون والآداب

تعريف “الأمثال” ومدى استخدامها وتداولها في حياة الناس

2000 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الثالث

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الأمثال الفنون والآداب المخطوطات والكتب النادرة

قد يقال كلام موجز بليغ في أحد المواقف، فيعجب به الناس ويتناقلونه. فإذا جاء موقف مماثل، ذكروا هذا القول الذي حفظوه. ونحن نقول إن هذا القول "سار مثلا".

ويذكر المتكلم المثل السائر، في الموقف المناسب، لتوضيح رأيه وتأييده بعبارة قصيرة يعرفها الناس ويسلمون بصدقها.

ونحن نسمع كثيرا من الأمثال الشعبية الدارجة في أحاديثنا اليومية مع آبائنا وأجدادنا، ولكن كتب الأدب العربي حفظت لنا كثيرا من الأمثال الممتعة.

ولكننا نستمد أبلغ أمثالنا العربية من القرآن الكريم وأحاديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الأجلاء، رضي الله عنهم.

 

ففي القرآن الكريم آيات، أو أجزاء من آيات، كثيرا ما نتمثل بها، أي نذكرها كأمثال.

كما أن الله، سبحانه و تعالى، يعلمنا ويرشدنا بضرب الأمثال لنا قال تعالى(وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ) الروم 58.

فنحن إذا رأينا إنسانا عنده كتب كثيرة، ويحفظ معلومات كثيرة، ولكنه لا يستفيد من كتبه، ومعلوماته، قلنا إنه "كالحمار يحمل أسفارا" (والسفر هو الكتاب الكبير).

 

وفي هذا تمثل بقوله تعال(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) الجمعة 5. ومعنى "لم يحملوها" أنهم لم يعملوا بها.

وإذا أردنا أن نضرب مثلا يبين الفرق بين الشيء التافه والشيء الثمين، تمثلنا بقوله تعالى(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) الرعد 17.

وإذا أردنا أن نعبر عن رأينا بأن شخضا تافها يجري وراء أمور تافهة قلنا: قال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) الحج 73.

 

ويمكننا أن نذكر أمثالا من قصة سيدنا يوسف عليه السلام. فنقول: "أفرغ من فؤاد أم موسى"، قال تعالى(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) القصص 10.

وكذلك: قال تعالى(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) يوسف 41.

وقال تعالى(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِير) يوسف65

و"حاجة في نفس يعقوب" لأمر يضمره إنسان في نفسه، إشارة إلى قوله تعالى(وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ۚ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف 68.

 

ونحن نتمثل كثيرا أيضا بجمل الحديث الشريف. فمما نردده، مما يروى عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، "الرائد لايكذب أهله"، و"الحلال بين والحرام بين"، و"لا ضرر ولا ضرار"، و"أنت مع من أحببت"، و"إنما الأعمال بالنيات"، و"من لا يرحم لا يرحم"، و " لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"، ومعنى ذلك أن المؤمن ذكي فطن، يستفيد من تجاربه، فلا يخدعه أحد مرتين، ولا يقع في خطأ واحد مرتين.

وإذا أردنا أن نؤكد أهمية الجار قلنا "الجار قبل الدار". وإذا أردنا أن نوصي بحسن اختيار الرفيق الطيب في السفر، قلنا: "الرفيق قبل الطريق".

أما إذا أردنا أن نبين فضل الاعتدال، تمثلنا بالحديث الشريف: "إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى".

 

وقد يشتهر إنسان بصفة معينة يمتاز بها، فيضرب به المثل. ومن ذلك قولنا: "أحلم من أحنف" (وهو: الأحنف بن قيس)، أو "أحلم من قيس" وهو (قيس بن عاصم المنقري)، و"أجود من حاتم" (وهو: حاتم الطائي)، و"أذكى – أو أزكن – من إياس" (وهو: ابن معاوية المزني، قاضي البصرة).

ونحن نقول: إن فلانا "صبر صبر أيوب – إشارة إلى سيدنا أيوب، عليه السلام. وإذا صادفنا رجلا عييا – أي  لا يحسن الكلام – قلنا: "إنه أعيا من باقل".

ولباقي هذا قصة طريفة: فيحكى إنه اشترى ظبيا بأحد عشر درهما، وأمسك به تحت إبطه. فلما عاد إلى قومه فرحا به، سألوه بكم اشترى الظبي؟ مد ذراعيه وبسط أصابع يديه العشر وأخرج لسانه، إشارة إلى "أحد عشرة"، فهرب الظبي!

 

كذلك قد يشتهر حيوان بصفة بارزة، فيضرب به المثل فيها أيضا، ومن ذلك: "أوهن – أو أضعف – من بيت العنكبوت" تمثلا بقوله تعالى(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت 41.

و"أقبح من صوت الحمار" تمثلا بقوله تعالى(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) لقمان 19.

وكذلك قولنا: "أمكر من ثعلب"، و"أقبح من خنزير"، و"أظلم من تمساح"، و"أحذر من غراب"، و"أدأب من نحلة"، و"أصبر من جمل"، و"أمنع من عقاب الجو"، (و"أمنع" أي من الصعب الوصول إليها)، و"أبصر من عقاب" أيضا.

 

والعقاب نوع من النسور القوية حادة البصر، التي تحلق عاليا في الجو. ونحن نقول أيضا: "أعقد من ذنب الضب"، إشارة إلى الحراشف القوية الكثيرة المتراكبة في ذيل حيوان الضب.

وكتب الأدب العربي حافلة بالأمثال البليغة وقصصها الطريفة. وسوف نعرض لك بعضها بإيجاز. ولعلك تسمع شيئا منها، وتود أن تعرف أصله. فمن ذلك البيت المشهور للحطيئة:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

                                                     لا يذهب العرف بين الله والناس

 

وكذلك قول بشار بن برد، في نصحه بمعاملة الأصدقاء بالتسامح معهم ومغفرة أخطائهم:

فعش، واحدا أو صل أخاك فإنه

                                                    مـــقـــارف ذنـب مرة ومجــــانبه

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى

                                                    ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه

و"القذى" هو القذر الذي يكون في الماء. و شرب الماء غير الصافي لم يكن من السهل تجنبه دائما في بيئة ذلك الزمان.

 

ومما يتمثل به أيضا هذا الشطر من شعر المتنبي: "أنا الغريق فما خوفي من البلل"، ومثله "ما لجرح بميت إيلام"، فهما يقالان إذا جاءت المضايقات الصغيرة نسبيا بعد المصائب الكبيرة.

ونحن نذكر كثيرا الأمثال التالية: "كل فتاة بأبيها معجبة" (قالته: العجماء بنت علقمة السعدية). ومثله تقريبا المثلان الشعبيان : "سعيد بعين أمه بدر"، و"القرد في عين أمه غزال"، "سبق السيف العذل" (قاله: ضبة المضري، وهو يفيد ألا فائدة من اللوم بعد وقوع الجرم).

"كل آت قريب"  (قاله: أكتم الصيفي)، و "إياك أعني واسمعي يا جارة" (قاله: سهل بن مالك الفزاري، ويضرب حين نوجه الكلام إلى شخص، ونقصد به شخصا آخر)، و "إن أخاك من آساك – أو واساك" (قاله: حزيم بن نوفل الهمداني.

 

والمؤاساة هي المساواة، فالشخص المخلص يساوي أخاه أو صديقه بنفسه، فلا يضن عليه بشيء)، و "أعط القوس باريها" (ومعناه أن ترد الأمر إلى الخبير به، فالباري هو صانع الأقواس.

ومثله ما تقوله العامة: "أعط الخبز للخباز")، و "أبي يغزو و أمي تحدث" (قاله: صبي من بني تميم و هو يشير إلى من يفتخر بأعمال غيره).

ولكثير من الأمثال قصص تروى، فمن ذلك: "جازاه جزاء سنمار" (إشارة إلى البناء الفنان "سنمار" الذي بنى قصرا جميلا للنعمان بن امرئ القيس، فأعجبه جدا، ولكنه خاف أن يبني سنمارا قصرا مثله لغيره، فألقى به من أعلى القصر فقتله)، و "ما وراءك يا عصام" (و"عصام" امرأة أرسلها الحارث بن عمر،  ملك كندة، كي تصف له امرأة كان يريد أن يتزوجها، فلما عادت بادرها بذلك السؤال).

 

و"عند جهينة الخبر اليقين" (قالها: الأخنس بن كعب، وهو من قبيلة جهينة. وكان قد قتل رفيقه في قطع الطريق، واسمه "حصين بن محمد الكلابي" فأخذ قومه يتساءلون أين اختفى حصين؟ فرد بما معناه

تسائل عن حصين كل ركب

                                                     وعند جهينة الخبر اليقين

وهناك قصة طويلة من أبطالها "قصير بن سعد اللخمي"، وهو رجل ماكر حكيم، و ملك قومه "عمرو بن عدي"، و عدوته "الملكة الزباء".

 

وفي القصة قيلت أمثال كثيرة منها: "لا يطاع لقصير أمر" (وذلك عندما قدم قصير النصيحة للملك، فلم يأخذ بها)، و "خطب يسير في خطب كبير" ( قالها قصير للتعبير عن شيء بسيط يخفي وراءه أمرا خطيرا)، "لأمر ما جدع قصير أنفه" (قيلت عندما قطع قصير أنفه وجرح ظهره، كأنه ضرب بالسوط، ثم ذهب إلى الزباء ليوهمها أن عمروا هو الذي فعل به ذلك، وأنه فر منه و لجأ إليها، وذلك حتى يتجسس عليها و يتمكن منها)

وانطلت الحيلة على الزباء، فلما تمكن منها عدوها عمرو و أيقنت أنه سوف يقتلها، قتلت نفسها بالسم، وقالت: "بيدي لا بيد عمرو"، فسارت مثلا.

 

ومن الأمثال الأخرى المشهورة: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، وهو يقال عندما تسمع عن شخص ما يعجب و يسر، ولكنه لا يكون جميل المنظر. ومنها: "أن ترد الماء بماء أكيس"، والأصل فيه أن المسافر في الصحراء إذا توقع أن يقابل بئر ماء بعد مسافة، فيحسن به ألا يسرف فيما عنده من الماء اعتمادا على ذلك، و إنما يجب عليه أن يحتفظ ببعضه تحسبا للظروف.

وهو يقال للحث على التدبير و الادخار. ومنها أيضا: "من استرعى الذئب فقد ظلم". قاله: أكتم بن صيفي.

وهو يعني أنه ليس من المعقول أن تكلف الذئب رعاية الغنم، فإنه يأكلها. ومثله المثلان الشعبيان: "حاميها حراميها"، "الذيب ما يسرح بالغنم". ومنها أيضا بيت الشعر الآتي:

ترى الفتيان كالنخل

                                                      وما يدريك ما الدخل

 

قالته: عثمة بنت مطرود البجلية، و هي تنصح أختها ألا تغتر بجمال قوام الشاب الذي يتقدم لخطبتها، وإنما عليها أن تتأكد من جوهره وعقله ودينه، ومثلڨن قول الشاعر: "أجسام البغال و أحلام العصافير" (والأحلام هي العقول).

وقد اهتم أدباء العرب الأوائل بتأليف الكتب التي تجمع الأمثال و تشرحها وتروي أصولها. وفي تراثنا العربي عدد من هذه الكتب، نذكر منها:

"الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة"، للأصفهاني (المتوفى عام 351 هـ).

 

"جمهرة الأمثال"، لابن هلال العسكري (المتوفى عام 395 هـ).

"الوسيط في الأمثال"، لأبي الحسن الواحدي (المتوفى عام 468 هـ).

"مجمع الأمثال" للميداني (المتوفى عام 510 هـ).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق