أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

تصميم جسر جديد . لنسامح التصميم تفهم الفشل

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

من بين أهم القرارات التي تُتّخذ عند تصميم جسر جديد تحديد موقعه وتحديد نوع الجسر المنوي بناؤه. من الواضح أن جسر والدو– هانكوك الأصلي كان في موقعه، لذا فموقعه الفعلي (ربما المثالي بالنسبة لجسر، على الأقل تلك المرّة) لم يكن متوفراً لهيكل جديد، ووضع الجسر الجديد بجوار الجسر القديم تماماً يعتبر منطقياً، لأن عملية إعادة تراصف طرق المقتربات الضرورية ستكون بالحد الأدنى. ولكن المقترب الحالي المتّجه شمالاً إلى جسر والدو– هانكوك احتضن حافة النهر العليا وأجبر السائقين على الاستدارة زواية قائمة إلى اليمين عند دخول الجسر أو الخروج منه، وتحديد موقع الجسر الجديد باتجاه انحدار النهر أبعد قليلاً من الجسر القديم، وفتح مسافة قصيرة لطريق من خلال تفجير بعض الصخور القريبة أتاح الفرصة لبناء مقترب متدرج الانحناء. وبالنسبة لنوع الجسر المنوي بناؤه، فإن تضاريس الأرض ومتطلبات الملاحة استدعت للذهن ثلاثة اختيارات واضحة: جسر معلق آخر، أو جسر مقوّس، أو جسر بحبال تثبيت (Cable-Stayed Bridge).

من الطبيعي أن يكون لمواطني المحافظات المجاورة شعور قوي، إن لم يكن عاطفياً، حول جسر والدو– هانكوك المألوف، وكانوا قلقين حول تأثير المجاز الجديد في أنماط السير والنواحي الجمالية للمنطقة. أما مصمم جسر والدو– هانكوك، ديفيد شتينمان، الذي بالإضافة لتصميم الجسور كان قد نشر عدداً من الكتب في الشعر خلال فترة حياته، كان ينظر بفخر لجمالية الجسور وجعلها مُسرة من الناحية الجمالية ومتناغمة مع بيئتها. لذا، فكما رأينا، في تصميم أبراج جسر والدو– هانكوك كجملونات فييرنديل، كان قد تحاشى المنحنيات اللينة واختار عوضاً عنها خطوطاً عمودية وأفقية صلبة لتكون بمثابة صدى للحافات الحادة لمنحدرات الغرانيت المجاورة التي وسمت معالمها سواحل ماين في المنطقة. وكانت لمسته النهائية للجسر طلاءه باللون الأخضر، الذي انسجم بشكل لطيف مع أشجار الصنوبر والنباتات الدائمة الخضرة الأخرى في المنطقة، ورأى شتينمان جسوره في هذا السياق (اليوم، معظم الجسور الفولاذية في ماين مطلية باللون الأخضر الباهي).

مع القرار الذي اتُّخذ لاستبدال الهيكل القديم المألوف بهيكل جديد، طالب موظفو الولاية وناشطو البيئة، والمحافظون ومواطنون آخرون مهتمون بأن يكونوا على اطلاع، وأن يكونوا مراقبين ومساهمين في الخيارات التي ستؤثّر في الحس بالمكان ونوعية الحياة في هذه البيئات. رغب العديد من ذوي العلاقة في رؤية الجسر التاريخي المميز باقٍ في مكانه، على الأرجح كجزء من ممرّ للمشاة والدراجات، وأظهروا قلقهم بأن الهيكل الجديد قد يُفسد الصورة التذكارية الشهيرة عند إزالة الجسر القديم. كذلك طلبوا أن يكون تصميم الجسر الجديد متوافقاً مع الجسر القائم، وكذلك، بالطبع، كانت قضية كلفة بناء الجسر الجديد وتأهيل القديم. وإذا ما آلت مثل هذه المخاوف إلى قضايا قانونية، فإن ذلك سيؤدّي ليس فقط إلى تأخير بناء الجسر الجديد، بل سيُحدّد السير على الجسر القديم أكثر من السابق، ولكي يحتاطوا لتطور مثل هذه الحالات قام المخططون بتشكيل لجنة استشارية لمشروع الجسر لتسهيل الاتصال بين المواطنين وإدارة الولاية، ويشكل خاص مع إدارة المواصلات.

عندما بدا ظاهراً أن تسارع التآكل في حبال الجسر الحالي قد يفرض إغلاقه لأسباب الأمان قبل استكمال الجسر الجديد بوقت طويل، قامت إدارة المواصلات بتقديم خطة لمنع حدوث ذلك. فلكي تتحاشى الإعلاق منعت مرور الشاحنات كلياً خلال فترة بناء الجسر الجديد، وتم اقتراح إضافة حبال فولاذية لتقوية جسر والدو– هانكوك من خلال وضعها كداعمة للحبال الحالية، وبالتالي رفع جزء من ثقل الهيكل القائم والسير الذي عليه من الحبال الأصلية القديمة الضعيفة. بالطبع أُضيف هذا الإجراء غير الاعتيادي – وهو أسلوب فريد في الولايات المتحدة – إلى كلفة المشروع الكلية، ولكنه خفّف من قلق مشغّلي الشاحنات المحليين وضمنت لهم كسب الوقت لتحاشي أية تأخيرات غير مرئية في تصميم وبناء الجسر الجديد، وكان من المتوقّع أن تتحمل الحبال الإضافية 50% من الحمل الساكن للهيكل ورفع عامل الأمان من المستوى المتدنّي 1.8 إلى 3.2، على افتراض أن الجسر سيتحمّل شاحنات أوزانها لا تزيد على 40 طناً. وفي أواخر عام 2005، بعد أن أثبتت الحبال الإضافية قدرتها عبر شتائين بدأت علامات استكمال الجسر الجديد تظهر للعيان، عند ذلك بُدأ بالسماح لشاحنات وزنها 50 طناً بعبور الجسر الحالي.

في هذه الأثناء، عندما بدأت الجرائد المحلية والإقليمية تحمل قصص تقدّم العمل عن الجسر الجديد، بدأت القصص عن جسر شتينمان والدو– هانكوك التي كانت خطوطه نظيفة يومياً تنتشر وعن منظومات حماية حياته، وبدأت تعليقات حول حالة المَعْلَم تحوّل إلى التذييلات في أخبار الإشهار الاحتفالي عن [الجسر] الجديد. كان من المتوقّع أن يمثّل الجسر الصاعد هيكلاً رمزاً للمنطقة، وبينما كان الحديث في وقت ما حول الكلفة العالية لإعادة تأهيل الجسر القديم لجعله مخصّصاً للمشاة، بدأ السكّان المحليّون يتقبّلون المصير الأكثر احتمالاً – الهدم – بكلفة قدرت بمبلغ يضاهي 15 مليون دولار. هذا مصير حزين لمَعْلَم تاريخي وطني في الهندسة المدنية التي لم يتسنّ تعليق لوحته بسبب الاضطرابات التي تسبّب بها تآكل حباله الفولاذية.

عندما اتخذ القرار أن الجسر الجديد المثبت بالحبال الفولاذية سيكون البديل للجسر المعلق القديم، كان الوقت قد حان لاتخاذ بعض القرارات الجمالية بشأن شكل أبراجه وكيفية تنظيم حباله، والقرار الفني البحت حول كيفية نصبها، وتثبيتها وحمايتها ضد تقلّبات الجو. يمكن اعتبار حبال التثبيت الحلقات الضعيفة في جسر من هذا النوع. فهي ليست معرّضة فقط للاهتزازات التي قد تؤدّي إلى تعب إجهادي ولكنها معرّضة أيضاً إلى التآكل جرّاء البيئة الصعبة والقاسية، التي هي كذلك في ساحل ماين والتي كانت عاملاً لتدهور جسر والدو– هانكوك، والطريقة التي استخدمت في نصب حبال الجسر الجديد وحمايتها فوق نهر بينوبسكوت كان ابتكاراً مهما مرتبطاً بالمشروع. فقد قرّر فريق التصميم –  بدلاً من أن يثبت الحبل ابتداءً في مكان معيّن من البرج بحيث تنتهي في الجانب الثاني من الحبل على سطح الجسر، كما الحال في معظم الجسور المثبتة بالحبال –  تثبيت جانب من الحبل في مكان ما على سطح الجسر في أحد جوانب البرج، ماراً خلال قناة أنبوبية خاصة (Conduit) منتهياً بسطح الجسر في الجانب المقابل من البرج.

تعكس تفاصيل منظومة حبال الجسر الطريقة التي يتمّ فيها اتخاذ كل قرار ضمن القرارات التي اتخذت، كرد فعل على فشل [حصل] وتوقعاً لفشل [في المستقبل]. في أي جسر مثبت بالحبال، يضغط كل زوج من الحبال المتقابلة على البرج إلى أسفل، ولكنهما لا يولّدان قوى عرضية أو انحنائية مؤثرة، قد تفتح شقوقاً في الهيكل الكونكريتي. استخدم المهندسون في الجسر الجديد طريقة فنية مسجلة كبراءة اختراع حيث يتم تثبيت كل سلك من أسلاك الحبل (عادة بطول الحبل) على حدة على سطح الجسر ويمر من خلال أنبوب من الفولاذ المقاوم للصدأ ينتظم في مهد مطمور في برج الأسلاك (Pylon) (وهو المصطلح المستخدم عادة لأبراج الجسور المثبتة بالحبال). بهذه الطريقة يمكن إزالة وتبديل أي سلك من الأسلاك إذا ما حصل فيه تآكل أو انقطع أو حصل له أي شيء آخر، من دون التأثير في باقي حزمة الأسلاك المكوّنة للحبل – ولا يؤثر بشكل ملموس في السير فوق الجسر، وتتيح هذه الطريقة كذلك تجربة أنواع من الأسلاك المصنوعة من مواد تحتاج إلى اختبارات قبل استخدامها بنطاق محدود لغرض الفحص – ربما حتى الفشل – على جسر حقيقي بظروف تحميلات فعلية، ولكون أن هناك عشرات [دزينات] من الأسلاك في الحبل الواحد، فإن هذه الأسلاك القليلة غير المفحوصة مسبقاً لا تشكّل خطورة على سلامة الهيكل. جسر بينوبسكوت المثبت بالحبال كان ثاني جسر في العالم يستخدم نظام الحبال هذا، أما الأول فهو جسر فيتيرانس غلاس سيتي سكاي-واي(Veterans’ Glass City Skyway Bridge) في توليدو، أوهايو (Toledo, Ohio).

لحماية الحبال المثبتة من التآكل في بيئة صعبة من المياه المالحة التي ساعدت في تآكل حبال الجسر المعلّق والدو– هانكوك، تم إكساء كل سلك من أسلاك حبال الجسر الجديد بمادة الإيبوكسي التي تملأ الفراغات وتمنع الماء والمواد الضارة من التأثير في الأسلاك الفولاذية، وتم كذلك إكساء الحبال المتكونة من مجموعة الأسلاك بمادة بلاستيكية بيضاء قوية (بولي إثيلين عالي الكثافة، High-Density Polyethylene, or HDPE)) مصمّم لمنع المياه والثلوج والجليد وأية عوامل بيئية غير مرغوب فيها، ولضمان عمل هذه المنظومة بشكل صحيح، تم ملء كل أنبوب من أنابيب البلاستيك المذكور بغاز النيتروجين تحت ضغط مراقب بشكل مستمر بواسطة حاسوب. فهذا الغاز لا يطرد الأوكسجين الذي يساعد على التآكل فقط ، لكنه يخدم أيضاً كمكتشف للتسرّبات. فإذا ما حصل هبوط في الضغط يتم اكتشافه فوراً ويمكن تتبعه للوصول لأي شقّ أو ثقب، أو أي خلل آخر أدّى إلى فتح التغليف.

أطلق بدء العمل بالجسر الجديد في كانون الأول/ ديسمبر 2003. في ذلك الوقت كان متوقّعاً أن يتم الانتهاء منه في سنتين بكلفة تقديرية 50 مليون دولار، وبحلول خريف 2005 وجد أن تاريخ إنهاء العمل قد زحف سنة كاملة والكلفة ارتفعت إلى 84 مليون دولار، وهي 100 ضعف كلفة الجسر الأصلي بدولار تلك الأيام. من بين الأسباب التي أعطيت هي زيادة أسعار المواد الإنشائية. في أوائل عام 2006، صرّح مسؤولون أن الهيكل الجديد سيطلق عليه جسر داون-إيست غايت-واي (Downeast Gateway Bridge)، لكن السياسة المحلية أدّت إلى إعادة النظر والاسم الذي اعتمد في التسجيل أخيراً واتفق عليه هو جسر ومرصد بينوبسكوت ناروز  (Penobscot Narrows Bridge and Observatory)– الجزء الأخير من الاسم [المقصود المرصد] يشير إلى سطح المشاهدة الذي ارتفاعه 420 قدماً والذي يقع في أعلى البرج الغربي، ورأت إحدى عضوات مجلس الشيوخ الممثلة للولاية أن الجلبة حول التسمية لم تكن ذات قيمة. فقد اعتقدت أن السكان المحليين سيشيرون إلى الهيكل بـ "الجسر الجديد" أو جسر بكسبورت (Bucksport Bridge)، كما كانوا يسمون جسر والدو– هانكوك.

ربما انعكس أهم ابتكار مرئي ذي علاقة بجسر ومرصد بينوبسكوت ناروز في الكلمة الأخيرة للاسم الطويل [المرصد]. رؤية الصورة الأكبر هي رغبة عامة؛ الوقوف كي ترى منظراً جامعاً للأماكن المحيطة هي تجربة ممتعة للجميع فيما عدا الخائف من الأماكن المرتفعة – الأكروفوبيك (Acrophobic). من تسلق، أو ساق سيارة، أو ركب عربة حبال هوائية، أو قطاراً منحدراً أو عربة حبال صعوداً على جبل ولم يقف ليتأمّل المنظر من أعلى؟ لقد أتاح البالون المزوّد بالهواء الحار فرصة لمغامري القرن الثامن عشر مشهداً من أماكن أكثر ارتفاعاً، ويسعى السوّاح منذ زمن لاكتشاف نقاط عالية مفضّلة للرؤية، واستغلّت مغريات السياحة هذه الرغبة. نصب واشنطن(Washington Monument)، الذي اقتبست منه فكرة أبراج جسر بينوبسكوت الجديد، أصبح مشهوراً بسبب سطح المشاهدة كما حصل بالنسبة لتمثال الحرية. برج إيفل، هو الهيكل الأول الذي وصل ارتفاعة إلى 300 متر، يعود جزء من شهرته لمنصّات الرؤية الشهيرة. من بين المغريات لعجلة فيريس (Ferris Wheel) التي نصبت في المعرض الكولومبي (Columbian Exposition) في شيكاغو عام 1893 والتي كان قطرها 250 قدماً، كان المنظر الواسع الذي يحصل عليه الركاب لما يمكن التفكير به كسطح متحرك للمراقبة.

[KSAGRelatedArticles] [ASPDRelatedArticles]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى