التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

تاريخ الفشل في التصاميم

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

يريد كل فرد، كما يبدو، استقاء دروس من الماضي لكي يحظى بمستقبل أكثر نجاحاً، لكننا لا نُقدّر دائماً أين نجد الدروس الأكبر قيمة. قبل أن يؤدّي الرئيس – المنتخب أوباما قَسَم الرئاسة، اجتمع خمسة من رؤساء الولايات المتحدة الأحياء – السابقين، والحالي، والذي سيكون – لالتقاط بعض الصور التذكارية. ووقوفهم أمام الصحافة في المكتب البيضوي كان بمثابة التوكيد المفهوم للنجاح، وتكلم الرئيس السابق بوش بالنيابة عن الآخرين، فقال إنهم سيشاركون في خبرتهم مع السيد أوباما، وأنهم جميعاً يريدونه أن ينجح. أما أوباما، الذي من دون شك يريد أن ينجح، فقال بأنه يأمل أن يتعلّم من نجاحاتهم.

هناك محدّدات واضحة أخطار محتملة، للأسف، عند مواجهة المستقبل بتجارب الماضي الناجحة فقط – ما لم تكن الرغبة استنساخها ببساطة. ربما كان تعليق الرئيس– المنتخب [مجاملة] سياسية، لكنه أدار حملته واعداً بالتغيير وبيّن أنه راغب في اتخاذ مسار مختلف في توجيه سفينة الدولة التي سيستلم عجلة [قيادتها] قريباً. لكن توجيه أية سفينة خلال مياه مضطربة قد تكون مسألة فيها مخاطرة، ويمكن للمرء أن ينجح إذا اتبع مسارات معتمدة، لكن، حتى النجاحات السابقة، قد تكون اعتمدت على الحظ بالإضافة إلى المهارة. ما هو مسار آمن في الماضي قد لا يستمرّ كي يكون كذلك في المستقبل، علينا، دائماً، أن نتطلع بعين واعية إلى المشاكل القادمة – مثل ذلك الجبل الجليدي الذي يلوح في الافق.

في عام 1912، بُشِّر بعابرة المحيطات تايتانيك (Titanic)، ذات التصميم المبتكر، حتى قبل أن تبحر، بأنها نجاح "لا يمكن غرقها". وكما نعلم جميعاً، فقد غرقت في عبورها البِكر. والآن، وبعد قرن، دعونا نتشارك في تجربة فكرية. دعونا نفترض بأن التايتانيك لم يصادفها الحظ السيئ كونها كانت في نفس المكان وفي نفس الوقت الذي كان فيه جبل الجليد العملاق من شمال الأطلسي. فلو لم تتعرّض السفينة للمواجهة المشؤومة هذه، فلربما كانت قد وصلت نيويورك بأمان ولكان "أُثبت" نجاح تصميمها، وكلما ازدادت مرات عبور وإعادة عبور التايتانيك المحيط، كلما ازدادت ثقة قبطان السفينة، والمالك، والمسافرين المحتملين في الأهلية غير الاعتيادية للسفينة للإبحار. وقد ترغب الشركات البحرية المنافسة باستنساخ نجاح التايتانيك، ولكن سترغب في القيام ببعض التغييرات المميزة التي يُعتقد أنها تحسينات، سواء لفائدة فنية، أو اقتصادية، أو تجارية، وربما كان في الإمكان تصميم وبناء عابرات محيط موسرة أكبر وأسرع، ولجعل هذه العابرات أكثر تنافسية مالياً، ستصنع هذه السفن من قشرة أرق وتحمل عدداً أقل من قوارب النجاة. فتصميم السفينة الجديدة، بعد كل شيء، اعتمد على التايتانيك، التي لا يمكن أن تغرق، ولم تغرق، وبالتالي فهي بارزة النجاح.

لكننا نعلم من خلال فشلها الكبير في الوصول إلى نيويورك، بأن حتى التايتانيك لم تستطع تحمل اصطدام فعلي بجبل جليد – خطأ قاتل في تصميم السفينة. وجميع عابرات المحيط التي من المفروض أنه قد تمّ تصميمها اعتماداًعلى التايتانيك الناجحة، عن قرب، كذلك كان من المحتمل أن تكون فيها نفس الأخطاء الكامنة كما في نموذجها المثالي، وفي الحقيقة، فبسبب الثقة الزائدة في نجاح السفن، كان استخدام الفولاذ الأرق في قشرتها سيؤدي بالسفن بأن تكون أكثر ضعفاً، وقوارب النجاة الأقل عدداً كان سيجعل أي حادث محتمل في البحر أكثر مأساوية، والاحتمالات هي، أن إحدى هذه السفن "المحسنة" قد يقودها سوء طالعها لتكون في نفس المكان وفي نفس الوقت مع جبل الجليد. عند ذلك فقط تكون حماقة القشرة الأرق، وقوارب النجاة الأقل، من دون أن نذكر الخطأ القاتل في تصميم الحاجز (Bulkhead)، قد ثَبُتت من دون جدال. التصميم الناجح لا يتأتّى من استنساخ النجاح ومحاولة تحسينه، ولكن من التعلّم من الفشل وتوقعه، سواء حصل ذلك فعلاً أو تم تخيّله افتراضياً.

يقيناً، أنه لم يكن هناك شيء بعيد عن التخيل والتوقع حول حادث وفشل وغرق التايتانيك. فقد كان معروفاً بشكل مؤكد احتمال مصادفة كتل الجليد في مسارات بحر شمال الأطلسي، خاصة في شهر نيسان/ أبريل، عندما أبحرت التايتانيك. لذا فاصطدام [السفينة] بكتلة الجليد يعتبر سيناريو لحادث معقول. وأحد الأشكال التي يمكن للاصطدام أن يحدث هو القشط (Grazing)، عند ذلك يمكن أن يؤدّي [الاصطدام] إلى شجّ قشرة السفينة، أو قصّ براشمها، وفي كلتي الحالتين، سيتسرّب الماء إلى داخل مقدمة السفينة، ما يقلل قدرتها على العوم، ومع استمرار انسياب الماء إلى الداخل وانخفاض رأس السفينة أكثر إلى الأسفل، فالحواجز– التي كانت قد وصلت ارتفاعها الأقصى، وهو خطأ تصميمي قاتل – كان لا بدّ أن يصل الماء فوقها. لذا استمرّت مقدمة السفينة في النزول إلى أسفل، مما رفع مؤخرة السفينة إلى خارج الماء، وهي حالة لم يُصمم الهيكل لها، ثم انقسمت السفينة إلى نصفين ثم تبع ذلك غرقها بعد ذلك بقليل، وكانت حسابات سهلة، من دون شك، لتحديد عدد الأشخاص المكروبين الذين يزيد عددهم على سعة قوارب النجاة.

سيناريو الفشل – الذي أصبح الآن ما هو معتقد أنه حصل فعلاً – كان المفروض أن يكون الأساس لتحاشي قرارات تصميمية خاطئة، ولكن، سواء بسبب الجهل، أو الزيادة في الثقة، أو في الترشيد، لم يتم تحوير تصميم السفينة ولا طريقة عملها أو تعديلهما للتأكد من أن السيناريو الذي هو ليس – غير محتمل [أي محتمل] لن يتكرّر في الواقع. ويبدو أن كل من له علاقة – من المصممين والمالكين والطاقم والمسافرين – قد توقّع النجاح أكثر مما توقع الفشل، ربما بسبب الحالات القليلة للسفن التي تصطدم بالكتل الجليدية بشكل عام عند عبور الأطلسي. لكن النجاح هو مرشد متقلب، وعلينا دائماً موازنة تطلعاتنا للنجاح بالاعتراف المناسب بأن حالات الفشل يمكن أن تحصل، وهي تحصل فعلاً. ومع كل ذلك، فحالات الفشل توفر الدروس والحكمة لتوقّع حتى إلى أبعد ما هو المفترض، حيث من المحتمل انحراف تصميم جديد مقترح، أو خطة، أو سياسة. إن الاعتماد المفرط على نجاحات الماضي هو مخطط ابتدائي مؤكد للفشل.

من المؤكد أن الهندسة مهنة تركز على المستقبل، وفي حالات كثيرة ينظر إلى الخلف لقياس التقدم بشكل رئيسي؛ فالمهندسون عموماً يعدون الخطط للجيل القادم من الأشياء، ويحاولون تصميم وتحقيق ما لم يتمّ القيام به من قبل، والمهندسون يقومون بتصوّر هياكل ونظم أكبر وأسرع وأكثر قدرة، وهم كذلك يبتكرون مكائن وآلات أصغر، وأخف، وأكثر كفاءة. فكلّ شيء جديد له معنى بالمقارنة بذلك الذي سبقه – تحسين الماضي، إن جاز التعبير، والذي هو بالعادة ماضٍ حديثٍ جداً.

إن كانت للإنجازات الهندسية السابقة أي علاقة بجو كهذا، فستبدو بشكل رئيسي وكأنها معايير حيث يتم الحكم على آخر التصميمات نسبة لها، ومن وجهة النظر هذه، فإن تاريخ التكنولوجيا الأحدث هو الأقرب علاقةً بالهندسة الحديثة، وذلك فقط بما يقدّم من بيانات يمكن استقراؤها، أو من تحدٍّ يمكن التغلب عليه. أي امتداد زماني لتاريخ الهندسة لن يكون ذا أهمية في مجمله من الناحية الفنية. فتاريخ الهندسة كتتابع إنجازات، وتقدّم صغير تدريجي، قد يحفّز المهندسين الشباب ويجعلهم والمهندسين المحنّكين كذلك فخورين في مهنتهم، لكن ليس من المتوقّع عموماً أن تضيف بشكل مباشر لبطولاتهم الفنية.

التركيز على أحدث ما مضى قصر نظر. فعندما يُدمج التاريخ الطويل للهندسة في السياق الاجتماعي والثقافي، عندئذ يكون له في الحقيقة إمكانات معتبرة لتفسير الطبيعة الصادقة للهندسة كما تمارس في العالم الحقيقي هذا اليوم، ولكن فقط إذا ما تمّ عرضها بطريقة تجعل منها هندسة وتاريخ في نفس الوقت. فهما كانت معرفة المهندسين عميقة فإن لمشاكلهم بعداً أبعد من فني، فحلولهم قد تعاني في النهاية إن لم يعتمد المهندسون فيها على أرض فنية صلبة. لذا فمن أهم الاستخدامات الواعدة لتاريخ الهندسة في التعليم والممارسة هو أن تضيف إلى الفهم الأساسي ليس كيف تعمل الأشياء الباطلة، بل النواحي الهندسية للعملية نفسها التي لا تتأثّر بالزمن، وفي نفس الوقت توفّر تقديراً للماضي ولعملية الحضارة نفسها ولدور الهندسة فيها، ولكن كما يعلم كل شخص، فإن ماضي الهندسة لا يتميّز فقط بالنجاحات ولكن بحالات الفشل أيضاً.

في حوار مفتوح عن علاقة التاريخ عُقد في معهد مهندسي الإنشاءات البريطانيين(British Institution of Structural Engineers) عبّر ر. ج. م. سذيرلاند (R.J.M.Sutherland) عن رأيه، وردّده المناقشون بشكل متكرّر، بأن هناك "احتمالاً أكبر لتحاشي" الكوارث الهندسية الكبرى "بشكل أفضل إذا ما قام مصممو المستقبل، كل على انفراد، بتنمية عادة النظر إلى الخلف والتساؤل عن كيفية نمو كل مفهوم". وللأسف، قلما يتمّ ذلك. ولكن من السخرية، إن إشارات النجاح في الهندسة تميل إلى الظهور ليس من خلال التراكم الثابت والتدريجي للخبرة الناجحة، ولكن بالأحرى، كردّ فعل، لحالات فشل في الماضي – من المنغّصات الصغيرة التي تصاحب الأشياء المصنعة الحالية إلى صدمة إدراك أن حالة التكنولوجيا [الفن] الحالية ناقصة بشكل خطير. لذا كان انهيار جسر تاي، المصمّم من قِبل توماس باوتش المفرط الثقة، والذي تسبب أيضاً بإلغاء تصميم جسر آخر له على نفس طريق سكّة الحديد. فبدلاً من المضيّ في [تنفيذ تصميم] جسر باوتش المعلق الطموح عبر لسان المصب (Firth) لنهر فورث (Forth)، قامت مؤسسة السكك بتكليف مهندس جديد، جون فاولر (John Fowler)، الذي قام بمعية الشاب بنجامين بيكر (Benjamin Baker) بتصميم النتوء الهيكلي البارز والذي ما زال في الخدمة عند ذلك المعبر. وانهيار جسر كيبك الأول، الذي صمم ليتجاوز في طوله وكلفته جسر فورث، أدى إلى الجسر الثاني المعاد التصميم، هو الآن رمز لرد الفعل الهندسي للفشل والإصرار الكندي – علاوة على دوره الإلهامي لتقليد الخاتم الحديد. لقّن الانهيار الكبير لجسر تاكوما ناروز مهندسو الجسور بين عشية وضحاها إدراكاً لأهمية الديناميكيا الهوائية ما أدّى بمرور الزمن إلى تصاميم جديدة وناجحة لجسور معلقة مثل تلك التي شُيّدت عبر نهري سيفرن (Severn) وهمبر (Humber) في بريطانيا، والتاريخ المتنوّر والمؤثر للهندسة يجب أن يتضمّن معالجة لهذه الحالات وحالات أخرى من الفشل والنجاحات المتأتية عنها، ليس فقط لقيمتها في إضافة مقدار من التواضع إلى الغطرسة الغريزية للمهندسين، ولكن للسمات الأساسية لطريقة التصحيح الذاتي الهندسية التي تكشفها بكفاءة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق