التاريخ

بدء مرحلة جديدة ومهمة في حياة العالم “نوبل”

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

حياة نوبل التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

غرام نوبل !

قضى نوبل أيام شبابه في العمل المتواصل، لا يكل ولا يمل، وجاب معظم مدن أوروبا وأهم مدن أمريكا، ولكنه خلال هذه الأسفار لم يكن يستمتع بما يستمتع به المسافر العادي، لأن كل همه كان منصباً على شيءٍ واحدٍ هو الأسلحة النارية : كيفية صُنعها وتطويرها .

ونتيجة العمل والجهد المتواصل ضعفت صحة نوبل كما تضخَّمت أعماله الإدارية وحساباته المالية، وكان لا بد من مُعين، وتمثَّل المعين هذا في  الآنسة كاترين : فتاة في السادسة والعشرين من عمرها ، جميلة ومثقفة وذكية وذات خبرة إدارية ومالية سابقة في بعض الشركات في مدينتها فيينا بالنمسا .

وجاورت النار البنزين! لا أقصد هنا متفجر جديد اخترعه نوبل، وإنما أقصد أن كاترين اتخذت لنفسها حجرة إلى جوار حجرة مكتب نوبل في مصنعه. وبدأت تُنظِّم دفاتر حساباته ، وتُرَتِّب مواعيد مقابلاته، وتقوم بكافة أعماله الإدارية في كفاءة نادرة ، مما أراح نوبل راحةً عظيمة .

 

وفي يوم دخلت كاترين حجرة مكتب نوبل وجاذبته حديثاً إضافيا نبَّهته فيه بضرورة الاعتناء بصحته وتمتعه بالحياة . وعندما ذكرت التمتع بالحياة ، أجابها نوبل مستغرباً :  إن متعتي الوحيدة هي في إجراء تجاربي وفي الإشراف على المصنع.

ولكنها راحت توَضِّح له خطأ اعتقاده وتُلفت نظره إلى ما في الحياة من مباهج وما في ستوكهلم من مناظر طبيعية تُشعر من يتأملها بأنه يستمع إلى موسيقى السَّماء .

وهنا نظر إليها نوبل في دهشة وسألها : ستوكهلم!، هل فيها كل ذلك؟ إني لم أشاهده أبداً ! وهنا قالت كاترين: حسناً ، سأعد لك برنامجاً للراحة والتنزه، أرجو أن تنفِذَّه، وسوف ترى أنك ابتدأت تستمع بالحياة .

 

وهنا قال نوبل في شيء من الحزن : الحياة! لقد أصبحت كهلاً جاوز الستين من عمره . قالت كاترين : إن مسألة العمر مسألة اعتبارية، والعمر لا يُقاس بالسنين، فقد تبدأ الحياة بعد الستين ، وقد يشيخ المرء وهو دون العشرين! .

كان هذا الحوار الذي دار بين نوبل والآنسة كاترين، بداية مرحلة مهمة وخطيرة في حياة مُخترع الديناميت .

لقد أحسَّ نوبل بلونٍ غريبٍ ومستحب من الدفء العاطفي يُطَوِّق وجدانه ويهدهده، وكانت أول مرة يحس فيها بمثل هذا الدفء ، فحياته – قبل كاترين – كانت خالية تماماً من النساء .

 

ونفَّذ نوبل برنامج كاترين …

كان يتنزه برفقتها، وقد أدرك جمالاً مزدوجاً: جمال ستوكهلم وقبله جمال كاترين. وزاد من جمالها في عينيه الفيض الدَّافق من عطف لها وحنان، فلقد كانت تدس الطعام في فمه دسّاً لتجبره على الأكل مثلما تفعل الأم مع صغيرها . وقضى معها أياماً سعيدة لم يذُق مثلها قط من قبل .

إذن، والحال كذلك، لا بد  من التفكير في مصير الثروة الهائلة التي يمتلكها، والتي كانت تزداد يوماً بعد يوم.

هذه الثروة لا بد أن تكون لأبنائي من بعدي، ويا حبَّذا لو كان هؤلاء الأنباء من زوجة شريفة عطوفة ذكية مثل كاترين – هكذا حدَّثت نوبل نفسه .

كان يُخيَّل إليه أنه لو تقدَّم لخطبتها فإنها سترحب به رغم فارق العمر الكبير بينهما. ألم تقل له إن مسألة العمر مسألة اعتبارية، وأن الحياة قد تبدأ بعد الستين؟! . ولكنه كان يجهل أن القدر يُخبِّئ له مفاجأة بالغة القسوة …

 

المفاجأة القاسية …

عاش نوبل أياما يستمتع بأحلامه الجميلة الجديدة عليه، وكان يحسب أن كاترين أصبحت ملك يديه ولن تتردد في قبوله زوجاً لها.

ولكنه كان يجهل أن كاترين لم ترحل عن فيينا إلى ستوكهلم إلا لكي تجد عملاً تدَّخر منه بعض النقود التي تمكنها الزواج من خطيبها النمساوي الذي كانت تُحبه حُبّا عميقاً.

كان رودولف،  خطيب كاترين، شاباً في مثل سنها أو أكبر قليلاً، وكان ينتمي إلى إحدى الجمعيات التي تدعو إلى السلام. لذا عندما أرسلت إليه خطيبته رسالة تخبره فيها أنها أصبحت سكرتيرة خاصة لنوبل، مُخترع الديناميت، غضب رودولف غضباً شديداً وأرسل لها رسالة يُطالبها فيها بترك العمل فوراً معه، مهما كان المرتب الذي تتقاضاه، ويأمرها بالعودة إلى فيينا. " …. وإني أُفضِّل أن نأكل خبزاً جافاً، وأن نتسوَّل في الطرقات على أن نربح الملايين من وراء هذا الغول البشري" .

 

ولمّا تلقت كاترين رسالة خطيبها وقعت في حيرة شديدة . ولكنها – بعد طول تفكير – قرَّرت أن تترك نوبل وتعود إلى خطيبها، ولم تدر كيف تُفاتح نوبل في هذا الأمر . لقد رأت أنه من القسوة أن تتركه فجأة، لذا قرَّرت أن تكتب له رسالة صغيرة تخبره فيها أنها مضطرة إلى العودة إلى فيينا بعد أسبوع.

وكتبت الرسالة وقرأ نوبل ما فيها. قرأه في الوقت الذي كان يفكر فيه في كيفية مُفاتحتها في الخطبة!. وخُيِّل إليه أن الوسيلة الوحيدة لكي يستبقيها هي خطبتها. وكتب لها على نفس رسالتها عرضاً بخطبتها ومنْحِها نصف ثروته في حال قبولها الخطبة .

أعطاها الورقة وطلب منها ألاّ تقرأها إلاّ بعد أن يغادر حجرتها. وقرأت كاترين ما في الورقة، وكانت مفاجأة لها، ولكنها اتخذت قرارها النهائي بسرعة، وكتبت له رسالة أخرى تقول : "سيدي : كانت مفاجأة أسعدتني كثيراً ، ولا شك في أنه شرفٌ عظيمٌ لي أن يتقدَّم رجلٌ عبقري مثلك لخطبتي، ولولا أنني أسلمت قلبي من قبل إلى خطيبي رودولف لما تردَّدت في قبول خطبتك.

 

لقد جزع خطيبي جزعاً شديداً حين علم أنني أعمل معك، وهو من دُعاة السَّلام، ويعتبر اختراع الديناميت جريمة نكراء في حق البشرية.

لا تغضب مني يا سيدي إذا قلت لك إنني من رأيه، وإذا أردت أن تُسعدني حقاً فكرِّس نصف ثروتك، التي تعرضها علي، لكي تخفِّف من ويلات الإنسانية التي تفاقمت بعد اختراعك للديناميت" .

المخلصة : كاترين

وأثَّرت الرسالة في نوبل تأثيراً عظيماً …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق