علوم الأرض والجيولوجيا

النظريات والأفكار التي قدموها مجموعة من العلماء العرب في مجال الجيولوجيا

1998 الموسوعة الجيولوجية الجزء الرابع

KFAS

العلماء العرب الجيولوجيا علوم الأرض والجيولوجيا

(1) الأفكار والنظريات:- 

تضمنت الكتابات العربية القديمة العديد من الأفكار المتعلقة بأشكال سطح الأرض، وتبادل اليابس والماء، وأسباب حدوث الزلازل والبراكين والعيون وتكوين الجبال. 

وغير ذلك من ظاهرات السطح، ويبدو من تلك الكتابات أن العرب قد استوعبوا كل ما جاء في التراث اليوناني والهندي وأضافوا عليه، وقدموا بعض التطبيقات والأمثلة العملية على ذلك.

 

ومعارف العلماء العرب كانت موسوعية. فتجد أفكارهم في مجال الجيولوجيا مفرقة في الموسوعات، مثل «رسائل إخوان الصفا» وكتاب «الشفاء» لابن سينا، أو تكون في ثنايا الكتب التاريخية مثل كتاب «مروج الذهب» للمسعودي، أو في صورة رسائل مستقلة مثل رسائل الكندي والسيوطي.

ويستثنى من ذلك ما يتعلق بعلم المعادن والصخور عند العرب الذي وضعت فيه مؤلفات مستقلة، مثل كتاب «الجماهر في معرفة الجواهر» للبيروني وكتاب «الجواهر وصفاتها» لابن ماسويه.

 

وفيما يلي بيان ببعض العلماء العرب الذين قدموا بعض النظريات والأفكار في مجال الجيولوجيا:

* المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين

اشتهر المسعودي بكتابه المعروف بـ «مروج الذهب ومعادن الجوهر» وهو كتاب في التاريخ، لكنه يحتوي على كثير من المعارف الجغرافية، وله في هذا الكتاب آراء وملاحظات مهمة لدارسي الجيولوجيا.

فقد أكد المسعودي دورة التعرية النهرية وذلك في قوله «فإن لمواضع الأنهار شباباً وهرماً وحياةً وموتاً» وتكلم عن تغير مواضع المجاري النهرية. 

فأشار إلى تراجع الساحل الشمالي للخليج العربي إلى الجنوب، كما أشار إلى انتقال مجرى نهر دجلة نحو الشرق من بغداد، وقدر حركته خلال مائتي سنة (1/ 97، 103، 104).

 

* إخوان الصفا

كتب إخوان الصفا رسائلهم المشهورة في القرن الرابع الهجري، ورغم ذيوع رسائلهم وانتشارها فما زالت المعلومات عن أشخاص كتابها مجهولة.

وقد حملت تلك الرسائل في طياتها الكثير من آراء الإغريق والرومان، وبخاصة فكرة تبادل اليابس والماء، وما يترتب على ذلك من صيرورة مواضع البراري «بحاراً وغدراناً وأنهاراً، ومواضع البحار جبالاً وسباخاً وآجاماً ورمالاً، ومواضع العمران خراباً ومواضع الخراب عمراناً وأرجعوا ذلك إلى سببين:

 

أ‌- فلكي:

وينشأ عن تغيرات في مواقع الكواكب، تؤدي إلى اختلاف في مناخ بعض المناطق على الكرة الأرضية، تكون نتيجته تغير مواضع اليابس والماء.

ب‌- جيمورفولوجي:

ويكون نتيجة عمليات التعرية المختلفة التي تؤدي إلى اكتمال الدورة الصخرية.

ومن الملاحظ أن إخوان الصفا لم يحاولوا ضرب أمثلة تطبيقية أو ميدانية، ويرجع ذلك إلى نهجهم المكتبي في الدراسة.

 

* الكرخي، محمد بن الحسن الحاسب

عاش الكرخي –أو الكرجي كما يذكر في بعض المصادر– في القرن الخامس الهجري. 

ومن أهم كتبه التي وصلتنا كتاب «إنباط المياه الخفية» الذي طبع في الهند عام 1358هـ. وتكلم فيه عن كيفية استخراج المياه الجوفية، والعلامات الدالة على وجود الماء.

 

غير أن ما يهمنا من ذلك الكتاب تلك المقدمة القيمة في صفة الأرض، والتي بين فيها بوضوح تام فكرة التوازن الأرضي (Isostasy).

فقد أشار الكرخي إلى الدورة التضاريسية التي تنتهي عند اكتمالها بما يعرف بشبه السهل Peneplane ثم تتلوها عملية إعادة التوازن الأرضي (Isosatic readjustment) فتبعث التضاريس من جديد لتبدأ دورة تضاريسية جديدة.

 

* البيروني، محمد بن أحمد (362– 440هـ)

تضمنت كتب البيروني الكثير من الأفكار والنظريات في مجال علم الجيولوجيا. 

فقد جاء في كتابه «في تحقيق ما للهند من مقولة» المطبوع في الهند عام 1958 أول نظرية عن تكوين سهول الهند، متخذاً أدلته من الإرسابات النهرية من حيث سمكها وشكلها وتدرج أحجامها بين أعالي الأودية ومصباتها.

 

كما أشار في كتابه «تحديد نهايات الأماكن وتصحيح مسافات المساكن» المطبوع في القاهرة 1962 إلى أن بادية العرب أو الجزء الشمالي من شبه الجزيرة العربية «كانت بحراً فانكبس» أي تحول إلى يابسة.

واستدل على ذلك بالمستحجرات البحرية أو نماذجها الداخلية التي توجد عند حفر الآبار في البادية المذكورة، ومعلوم في الوقت الحاضر أن شمال الجزيرة العربية كانت مغمورة بمياه بحر قديم، أطلق عليه الجيولوجيون اسم «بحر تثس» ونص البيروني هذا يعتبر من النصوص الفريدة في هذا الموضوع.

 

* ابن سينا (أبو علي الحسين)

اشتهر ابن سينا بأبحاثه الفلسفية والطبية، غير أن شهرته في الأبحاث الطبيعية لا تقل شأناً عن حذقه بالفلسفة والطب. 

ويدل على ذلك إشارات الجيمورفولوجيين المحدثين إليه في معظم كتاباتهم عن تاريخ ذلك العلم، ويعود ذلك إلى آرائه المتقدمة في مجالات العلم الطبيعي، والتي لم يقتصر فيها على ما استفاده من اليونان، بل أضاف إليه إضافات جديرة بالتوقف والتعليق.

ولعل من أهم آرائه ما يتعلق بفكرة تبادل اليابس والماء، التي تعتبر النواة الأولى لنظرية زحزحة القارات (Continental drift)…

 

يقول ابن سينا: «ونحن نعلم بأقوى حدس أن ناحية الشمال كانت مغمورة بالماء حتى تولدت الجبال، والآن فإن البحار جنوبية».

ويمكن مقارنة هذا الرأي مع الفرضية الأولى التي طرحها فجنر (Wegner) في نظريته الخاصة بزحزحة القارات.

والتي أشار فيها إلى أن الكتلة القارية القديمة (بنجايا Pengae) كانت موجودة في نصف الكرة الجنوبي، وأن النصف الشمالي كان مغموراً بالماء. واختلف الاثنان في طبيعة الحركة التي أدت بتلك الكتلة إلى ما هي عليه الآن.

 

وفصل ابن سينا بوضوح كيف تكونت الجبال الرسوبية، واستعداداتها لعمليات التعرية، وعزز فكرته ببعض التجارب المعملية، مستشهداً بالآجر (الطوب) والطين والتراب إذا ما نقع بالماء ثم عرض بعد ذلك للحرارة، حيث يعرض للآجرة الاستعداد للتفتت، بينما يتماسك الطين والتراب ويزداد قوة، وقد أثبت ابن سينا فكرته هنا إثباتاً علمياً جيداً.

كما أدرك ابن سينا فكرة تغيرات ما بعد الترسيب (Post depositional changes) وهي الفترة اللازمة لتحويل الراسب إلى صخر، وأعطاه الزمن الذي يستحقه.

ووصف قانون تعاقب الطبقات (Law of super position of starta) بمنتهى الوضوح، ويتمثل في قوله «بأن يكون ساف ارتكم أولاً، ثم حدث بعده في مدة أخرى ساف آخر فارتكم…) والساف هو الطبقة.

 

(2) المعادن والأحجار:- 

وضع العرب مجموعة من الكتب المستقلة عن المعادن والأحجار الكريمة، تعرضوا فيها لأصول المعادن، وكيفية تكونها، مع وصف خواصها من حيث الصلادة والتشقق ومعامل الانكسار، والقيمة الاقتصادية لكل نوع منها. 

وقد قاموا بتصنيف المعادن المتقاربة في باب واحد، واستخدموا المصطلحات المناسبة في هذا الموضوع.

 

وفيما يلي ثبت بأهم الكتب التي وصلتنا في هذا الموضوع:

1- كتاب «الجواهر وصفاتها» ليحيى بن ماسويه، المتوفي عام 243هـ/ 857م، تحقيق عماد عبد السلام رؤوف– القاهرة 1977.

 

2- كتاب «الجماهر في معرفة الجواهر» للبيروني– حيدر أباد 1355هـ.

 

3- كتاب «أزهار الأفكار في جواهر الأحجار» لأحمد بن يوسف التيفاشي، المتوفي عام 651هـ، تحقيق الدكتور محمد يوسف حسن والدكتور محمود خفاجي– القاهرة 1977.

 

4– كتاب «نخب الذخائر في أحوال الجواهر» لمحمد بن إبراهيم المعروف بابن الأكفاني، المتوفي عام 749هـ/ 1348م، تحرير الأب انستاس الكرملي– القاهرة 1939.

 

5- كتاب «معدن النوادر في معرفة الجواهر» لعلاء بن الحسين البيهقي، توفي بعد 915هـ/ 1509م، تحقيق الدكتور محمد عيسى صالحية– الكويت 1985، وقد أورد المحقق في مقدمته للكتاب كل ما وصل إليه علمه من مخطوطات كتب الأحجار العربية وأماكن حفظها.

 

(3) العرب وظاهرة الزلازل:- 

يكاد يتفق علماء الطبيعة والجغرافيون العرب في تعليلهم للزلازل. فهي «حركة تعرض لجزء من أجزاء الأرض بسبب ما تحته» وذكروا أن هذه الحركة تكون نتيجة «الأدخنة والأبخرة الكثيرة حينما تجتمع تحت الأرض.

وتكون مادتها كثيرة لا تقبل التحليل، ويكون وجه الأرض صلباً لا تجد فيه البخارات إذا قصدت الصعود المنافذ والمسام، فتهتز لذلك بقاع الأرض وتضطرب».

ونجد في آراء العرب في هذا الموضوع قبولاً واسعاً لآراء أرسطو في كتابه «الآثار العلوية» الذي عرف منذ وقت مبكر في صورتين، الأولى هي ترجمة يحيى بن البطريق لنص الكتاب، والثانية هي ترجمة حنين بن إسحق لتفسير المفيدروس (Olympiadoras) لكتاب أرسطو في الآثار العلوية.

 

وقد حظيت أحداث الزلازل باهتمام خاص في الكتابات العربية، وهو أمر له أهميته البالغة في الدراسات العلمية المعاصرة، حيث أن الزلازل علم يقوم على التنبؤ، وهو بدوره يحتاج إلى سلسلة من المعلومات التاريخية التي تعطي المؤشرات المناسبة عن مناطق الضعف القشري في الكرة الأرضية.

ويمكن اعتبار المصادر التاريخية والحوليات من المصادر المهمة في رصد أحداث الزلازل، بالإضافة إلى الكتب والرسائل المختصة بهذا الموضوع.

ومن أبرزها كتاب «كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة» لجلال الدين السيوطي، المتوفي عام 911هـ، وقد طبع بعناية عبد اللطيف السعداني (الرباط 1971).

 

ويكشف هذا الكتاب عن مدى اهتمام العرب بدراسة الظاهرات الطبيعية وتدوين تاريخ حدوثها، ويحتوي على سجل بالزلازل الحادثة قبل الإسلام وبعده، إلى عام خمس وتسعمائة هجرية، مبيناً تاريخ وقوعها والمدن التي تأثرت بها والظاهرات المصاحبة لتلك الأحداث.

وتعتمد المعلومات الخاصة بهذا المدخل على بحثين أساسيين هما: «أسس البحث الجيومورفولوجي» وأسباب الزلازل وأحداثها في التراث العربي». للأستاذ الدكتور عبد الله الغنيم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق