العلوم الإنسانية والإجتماعية

النشاط والحركات الاجتماعية والتغيير الاقتصادي في مجتمع السوق النابض بالحياة

2014 مجتمع السوق

سبايز بوتشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

المجتمع المدني هو جزئياً ثمرة النشاط الاجتماعي. وسهّلت ثورات مشابهة لتلك التي اندلعت في فرنسا وبريطانيا الاعتراف بحقوق الإنسان وفصل السلطات في الدولة. وعلى مرّ الأزمان، دعت الحركات الاجتماعية من الميثاقية إلى الحركات المطالبة بالحقوق المدنية والاستقلال، إلى أن تتّسع الحقوق كافة حتى تشمل مجموعات أخرى تم إقصاؤها في البداية. وكان هذا الأمر حاسماً في بناء ما عرّفه "هابرماس" بالمجال العام. ورأينا في الفصول الأولى أن صراعات الحركات الاجتماعيّة طالبت أيضاً بإعادة توزيع اقتصاديّة وإعادة تنظيم الاقتصاد، فأعادت بالتالي بلورة حياتنا الاقتصاديّة عن حق.

وغالباً ما ضمّت الحركات أشخاصاً من غير النخبويين كالعمّال اليدويين أو الفلاّحين أو العاطلين عن العمل الذين اجتمعوا سويّاً للمطالبة بالتغيير. ولجأت هذه الحركات إلى أساليب "جدليّة" كالامتناع عن العمل أو تدمير آليّة العمل أو العصيان المدني عوضاً عن الاستعانة بأساليب تقليديّة تندرج ضمن السياسات المقبولة (كالتصويت في أيّامنا هذه). وبالتالي، في البداية تمّ اعتبار الحركات الاجتماعية ضمن علم الاجتماع، حركات فوضويّة وغير عقلانيّة إلى حدّ ما. وفسّر علماء الاجتماع مشاركة النّاس في الحركات الاجتماعيّة على أنّها تعبير عن التوترات الاجتماعيّة التي تسبّب بها التصنيع والتمدّن السريعين (Jenkins 1983, p. 528)

وفي علم الاقتصاد، ترك عمل مانكور أولسون (Mancur Olson) على النشاط الاجتماعي أثراً مهماً ، فقد قال إنّ المجموعات الكبيرة لم تحفّز الأفراد كثيراً حتّى يكرّسوا لها وقتهم ومواردهم. لذا لم تغيّر أعمال الأفراد النتيجة العامّة إلا بشكل طفيف. واعتبر أنّ الفوائد كانت ستعود على غير المنتمين إلى تلك الحركات في حال عرفت النجاح. ولقد تمّت مقارنة حجّته بـ "معضلة السجناء" (راجع المربّع 6.10). من هنا، اعتبر أنّ الحركات كحركة العمّال ستستخدم فوائد انتقائيّة كالحصول على نظام المعاشات أو القيود مثل النقابات أو المحلّات المغلقة من أجل ضمان مشاركة "الفرد".

وعلى العكس، لم تركّز التقاليد الماركسيّة كثيراً على سبب مشاركة الشعب بقدر ما سلّطت الضوء على دور الحركات الاجتماعيّة في تشكيل المجتمع. بالنسبة إلى "ماركس"، لم يكن تطوّر مقاومة الكتل الشعبية للتغيّرات غير عقلانيّ وإنّما كانت نتائجه متوقّعة نظراً لطبيعة الرأسماليّة التي تستغلّ الفرد وتقيّده. واعتبر ماركس أنّ النقابات العمّاليّة والأحزاب السياسيّة المتطرّفة هي تطوّرات طبيعيّة في النظام الرأسمالي. ومع ذلك، اكتسبت النقابات العمّاليّة مع مرور الوقت الطابع المؤسسي عوضاً عن التطرفّي. وفي الواقع هو فريق صغير، بل نخبويّ من الثوّار المحترفين (البلشفية اللينينية) الذي قاد في نهاية المطاف الثورة الروسيّة العام 1917.

نظريّة الحركة الاجتماعيّة

ازدهر النشاط الحركي ابتداءً من العام 1960 وأسهم التطرّف المتنامي في ارتفاع عدد الناس المندفعين نحو الحركات الاجتماعيّة، فتعددت أنواع المتظاهرين من المطالبين بالحقوق المدنيّة وحقوق السكّان الأصلييّن إلى مناصري البيئة والنساء (راجع المربّع 4.10). وشرح عالم الإجتماع السياسي سيدني تارو (Sidney Tarrow) (1998) أنّ قدرة الحركات الاجتماعيّة على التغلّب على معضلة أولسون للعمل الجماعي لم تكن مفاجئة كما ظهر في البداية، لأنّ الحركات كانت اجتماعيّة أيّ إنّها اعتمدت على الموارد الاجتماعيّة كالهوّية والمفاهيم الثقافيّة المشتركة والشبكات الاجتماعيّة. وكذلك اعتبر تشارلز تيلي (Charles Tilly) (2004) أنّ الحركات قد ظهرت لأنّ أشكالاً جديدة من التنظيم الاجتماعي أفضت إلى هوّيات ومصالح جديدة.

وحدّد واضعو النظريات في الحركات الاجتماعية (Social Movement Theory) ثلاثة عوامل مهمّة أثّرت في تطوّر الحركات (ماك آدم، وماك كارثي وزالد McAdam, McCarthy & Zald 1996)، أوّلها المحتوى السياسي الأوسع المعروف بهيكلية الفرصة السياسيّة. عندما توحّدت مجموعات النخبة، لم يكن مرجحاً أن تنجح الحركات في التشكلّ أو في العمل في ظلّ الأنظمة الدكتاتوريّة، غير أنّ الضغوطات داخل المجموعة الحاكمة، فتحت المجال لذلك، وتقدّمت فرص أخرى مع نموّ الحركات تلك.  وسمح مثلاً تحقيق إصلاحات ديمقراطيّة بشقّ طرق عملٍ جديدة، إلاّ أنّ نجاح الحركة اعتمد أيضاً على الموارد الداخليّة المتاحة.

وكان لا بدّ من تنظيم الحركات في الداخل وعبر شبكات تصلها بجهات فاعلة أخرى، لأنّ ذلك سمح بحشد الموارد كالناس والمعرفة المتخصصة والمال. ويتأثّر نجاح الحركة أيضاً بطريقة "بالأطر الممنوحة لها" أي طريقة عرض هدفها وتفهمه، فمن خلال الأطر، يكتشف الناس لما هذا الوضع غير عادل ناهيك عن الحلّ لمعالجة المشكلة. تشدّد وجهة النظر هذه على أنّ الحركات الاجتماعيّة ليست نتيجة هيكليّات فحسب وإنّما وليدة صدام الأفكار. وطوّر جورج لاكوف (George Lakoff) (2004) هذه الفكرة في سياق معاصر شارحاً محاولة الأحزاب السياسيّة الحصول على الدعم وذلك عبر التأثير في طرق فهمنا للمشاكل (أو للأطر التي منحت لها).

المربع 4.10 العمل المباشر الخالي من العنف 

لطالما اتّسمت الحركات الاجتماعية والفكر السياسيّ بالمقاومة السلمية، فهي غالباً ما تترافق مع النشاط الحركي ضدّ الحكم البريطاني في الهند، بزعامة موهانداس غاندي بين العشرينيات والأربعينات من القرن المنصرم.

أيّد غاندي اللجوء إلى العصيان المدني وعدم التعامل مع البريطانيين بغية مواجهة السلطة البريطانيّة.

وفي العام 1930 قاد "مسيرة الملح" (Salt march) الشعبية التي استمرّت شهراً، وفيها توجه من الريف إلى الشاطئ لاستخراج الملح من البحر، فأنهى احتكار البريطانيين لإنتاج الملح الذي كان يعود عليهم أيضاً بالإيرادات الضريبيّة. وفي الواقع، إزاء هذه الحركة، لجأت الدولة إلى العنف (Martin 2005)، فكان من شأن استخدام العنف ضد متظاهرين سلميين أن قوّض الشرعيّة الأخلاقيّة للاحتلال البريطاني، ناهيك عن أنّ الاحتجاجات ساعدت أيضاً على تقويض قدرة بريطانيا على حكم الهند من خلال السيطرة على مصادر الإيرادات.

أوضح ذلك مبدأين أساسيين من المقاومة السلمية. يمكن أولاً لحركة اجتماعية أن تفضح الرغبة في اللجوء إلى العنف الذي يعزّز القمع وتضرّ بصورة صاحبه فتحرم النظام من التأييد الشعبي الذي لا يزال يحظى به (Ackerman & DuVall" 2000, p. 500). وما دام ممكناً إيصال هذا العنف إلى أكبر عدد من السكّان، يصبح وارداً تقويض الدعم للأنظمة القمعيّة. وثانياً، يعطّل العصيان المدني وسياسة عدم التعاون إن اعتمدتا بطريقة استراتيجيّة، قدرة الأنظمة القمعيّة على العمل.

ويقر العمل المباشر من دون مقاومة بأنّ سلطة الدولة ترتكز جزئيّاً على الاحتكار كوسيلة عنف ما يعني أنّ مواجهة قمع الدولة بالعنف نادراً ما تنجح على الأرجح. لكنّ الدول تعوّل على دعم مواطنيها، ما يمدّ المقموعين بالقوّة. فعندما يرفضون التعاون معها  تصبح قدرة الدول على الحكم مهدّدة.

وتبرز أمثلة أخرى عن المقاومة السلمية في الصراعات مثل حركة الحقوق المدنيّة الأميركيّة  في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم، وحركة التضامن البولنديّة في الثمانينات، والحركة ضدّ الشيوعيّة في أوروبا الشرقيّة في 1989-1990 ومؤخّراً، بعض أحداث ما يسمى بـ"الربيع العربي" ولا سيّما في مصر وتونس من العام 2011.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق