التاريخ

المُناخ الذي كان سائداً في العصر الإسلامي وأثره على العلم والعلماء

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

العصر الإسلامي المناخ واثره على العلم والعلماء التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

ولنلقِ الآن نظرة على المُناخ الذي كان سائداً في العصر الإسلامي وأثره على العلم والعلماء …

قُبيل انتشار المدارس في العصر الإسلامي كانت حلقات العلم لا تُعقد في أمكنة من طرازٍ واحد، بل في أمكنة مختلفة، كالمساجد وقصور الخلفاء والأمراء ومنازل العلماء والمكتبات.

وكان الخلفاء يعدون أنفسهم حماة العلم، ويرون أن قصورهم يجب أن تكون مراكز يشع منها نور المعرفة. وقد بدأت تلك الحلقات في قصر معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي الأول، ثم قصر يزيد بن معاوية، وازدهرت في عصر عبدالملك بن مروان والوليد بن عبدالملك .

ونشطت حركة الترجمة نشاطاً واسعاً في عصر الرشيد والمأمون. وراسل المأمون ملك الروم، وبعث إليه بجماعة من العلماء للحصول على الكتب النادرة من علوم الأوائل، منهم الحجَّاج بن مطر وابن البطريق ويوحنا بن ماسويه، وحنين بن إسحاق .

واجتمعت في عاصمة الخلافة العباسية أهم كتب الفلاسفة والعلماء الإغريق في مختلف الفروع من طب لأبقراط وجالينوس ورياضيات وفلك لبطليموس وعلوم بالفارسية والهندية والسريانية، فتسنَى بذلك لطلاب العلم العربي أن يهضموا في سنوات قلائل ما أنفق فيه اليونانيون وسواهم القرون في إعداده!.

 

والحق أنه ما من أمة تستطيع استيعاب التراث العلمي لغيرها من أمم تفوقها حضارة إلاّ إذا كانت هي قد وصلت بالفعل إلى ما يؤهِّلها لذلك الإستيعاب. وقد كانت الأمة الإسلامية جديرة بذلك في وقتٍ قصيرٍ ، ذلك أن مظلة العلوم الفقهية وعلوم القرآن والسنة قد أمدّتها بإشعاعات مكنَّتها من استيعاب الفكر العلمي الجديد .

كانت الكتب في العصر الإسلامي تُهدى للخلفاء في البداية على سبيل الاسترضاء. ولكن هارون الرشيد لمَا فتح عمّورية وأنقرة حمل معه إلى بغداد كل ما وجد فيها من مخطوطات.

واقتدى به ابنه المأمون منذ أوائل عهده، بل إنه بعث إلى حاكم صقلية المسيحي يطلب منه إرسال مكتبة صقلية التي جمعت من نفائس العلوم، فتردَّد الحاكم وعندما خاف أرسلها إلى المأمون .

وفي غضون حكم المأمون، الذي دام عشرين عاماً، وصلت الجهود الثقافية الجديدة قمتها. فقد أنشأ الخليفة في بغداد عام 830 م معهداً رسمياً للترجمة مجهزاً بمكتبة أُسميت "بيت الحكمة"، وكان هذا المعهد أعظم المعاهد الثقافية التي أُنشئت بعد الفتح السكندري في القرن الثالث قبل الميلاد.

 

وقد انتقل إلى ذلك البيت الأطباء والصيادلة ، وجميع فيه المأمون كتب العلم من لغاتها المختلفة، منها اليونانية والسريانية والفارسية والهندية والقبطية .

ونبه في ذلك البيت مترجمون كثيرون من مثل: يوحنا بن ماسويه، وحنين بن إسحاق العبَّادي، وإسحاق بن حنين، وثابت بن قرة، والكندي، والحجَّاج بن مطر، ويحيى بن عدى وغيرهم .

والحق  أن مجموعة كتب التراجم لتمثل جانباً غنياً في الحياة العلمية الإسلامية، فللأطباء تراجمهم، وللأدباء والأعيان معاجمهم، وللشعراء والعلماء والفقهاء طبقاتهم وسيرهم.

وإلى جانب هذا التخصيص كان هناك توزيعاً زمنياً من مثل: "الدُّرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، والضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، والكواكب السائرة في تراجم المائة العاشرة.

إن مجموعة كتب التراجم هذه – على ما يقول المستشرق فون جرويناوم – لشيء يدعو للدهشة حقاً لكثرتها ودقتها وغزارة مادتها وحُسن تنظيمها، وإن علماء الغرب في العصور الوسطى يعوزهم ما يقارن بنتائج معاصريهم من العرب في هذا الميدان .

 

وأما عن عصر المأمون فهو – كما يقول هوجز – أزهى فترة في تاريخ النهضة الإسلامية، إذ كان الخليفة نفسه من أساطين العلم، واختار أصحابه ورجال دولته من الصفوة الأفذاذ في شرقٍ وغرب، فضلاً عن المشيرين والمفكرين والفقهاء والمترجمين الذي علا بهم بلاطه وازدان بهم ملكه. وكان المأمون يدفع للمترجمين ذهباً بثقل ما يترجمون ! .

ولم يقتصر العطاء للعلم من الخلفاء فقط بل امتد إلى الأسر الثرية والأعيان، وفي المقدمة يأتي البراكمة وبنو موسى بن شاكر المنجِّم .

وحوالي عام 856 جدَّد المتوكل مدرسة الترجمة ومكتبتها في بغداد، والقى عبء إدارتها على عاتق حنين بن إسحاق الذي سبق له أن أثرى في عهد المأمون. وقد استفادت مجالس العلم من التطور العلمي والترجمة اللذين كانا طابع ذلك العصر .

ولكن دوام الحال من المحال .. فقد ضعفت الخلافة العباسية في بغداد، ومن ثم انتقل مركز الثقل إلى الممالك والدويلات الشبيهة بالمستقلة : فالديلم كانت لهم مجالس علم، ثم السلاجقة، فالغزنويون والسَّاسانيون .

 

وقد بدأت هذه المجالس، أو الصالونات العلمية، في القصور المصرية منذ ظهور الدولة الطولونية. وفي بلاط الإخشيد كانت تلقى بحوث تاريخية كل مساء، كما كان كافور حامياً للعلم محباً للعلماء، ومع ذلك فإن مجالس الطولونيين والإخشيديين لتتضائل أمام صالونات الفاطميين بالقاهرة .

ولما أُنشئت دار الحكمة بالقاهرة في عهد الحاكم بأمر الله على غرار بيت الحكمة في بغداد، حُملت إليها الكتب من خزائن القصور ومن خزائن الحاكم وما لم يُر مثله مجتمعاً لملك قط، وأُجريت الأرزاق على من فيها من العلماء والفقهاء والأطباء .

ومن أشهر علماء العصر الفاطمي : الطبيب ابن بطلان، وعالم البصريات ابن الهيثم، استدعى الحاكم بأمر الله الأول من سوريا والآخر من العراق .

وكان للعلماء زي خاص بهم، كما كانت لهم وللمعلمين نقابة شأنهم في ذلك شأن بقية المهن .

 

وإن ستة في تاريخ العلم في العصر الإسلامي ليوضعون على القمة في قيادة الحركة العلمية وريادتها هم: المأمون، ونظام الملك، ونور الدين زنكي، والحاكم بأمر الله، وصلاح الدين الأيوبي، والسلطان أولغ بيك.

ارتبطت هذه الأسماء بالعلم ارتباطاً وثيقاً : فالأول أنشأ بيت الحكمة، والثاني أسَّس المدارس النظامية، والثالث كان راعياً للعلوم في سوريا، والرابع أنشأ دار الحكمة في القاهرة، كما أنشأ مرصد المقطم بإشراف ابن يونس الفلكي، والخامس حَمَى التراث العلمي من غوغاء التتار وهجمتهم الشرس ، والسادس مؤسِّس النهضة العلمية في الدولة التيمورية.

وفي الأندلس أصبحت قرطبة في ظل عبدالرحمن الثاني مركزاً هاماً للرخاء الاقتصادي والنشاط الفكري، وتبوَّأت مقاماً عالمياً في عهد الخليفة الأول عبدالرحمن الثالث حامي العلوم والآداب، وتزايدت هذه النهضة في عهد ابنه وخليفته الحكم الثاني الذي أبى إلاّ أن يكون هو نفسه من العلماء .

ولم ينضج العلم العربي في الأندلس إلاّ متأخراً عن نظيره في الشرق الإسلامي، لأن الحُكم فيها كان مضطرباً في البداية. وعندما سقطت خلافة قرطبة (1031 م) استمرت العلوم والآداب والفنون مزدهرة ، بل نشطت عن ذي قبل حيث وجدت البيئة المُمهِّدة والصالحة لهذا النشاط .

 

وتغيّرت الأحول بقيام سلطان المرابطين تحت قيادة يوسف بن تاشفين وانتصاره على الأسبان.ولكن هذه السيادة الجديدة لم تحُل دون تقدم العلم وازدهاره، بل غدت على مر الأيام اكثر مسالمة وتسامحاً مع مشاهير العلماء .

وانتهت دولة المرابطين عام 1143 م وأعقبتها دولة الموحَّدين التي بلغ فيها التزمت مبلغه، فكان هذا إيذاناً باضمحلال العلم العربي في أسبانيا، واكتفى الناس باجترار العلم الماضي دون ما إضافاتٍ إليه و زيادات . .

وتدريجياً انفضّ سوق العلم وصالونات العلماء تبعاً لذلك فيما تبقى من الدويلات الإسلامية في أسبانيا وشمالي أفريقيا .

 

… وهكذا نجد أن الإسلام الحنيف قد رفع من قدر العلم والعلماء، بل أفاض في تكريمهم، حيث جعلهم ورثة الأنبياء. كما كان المُناخ نفسه يشجع على نهضة علمية متألِّقة : فالمال وافر والاقتصاد منتعش لأن المسلمين كانوا يمتلكون مصادر الذهب والفضة في الأرجاء كافة كما كانوا يمتلكون طرق التجارة من شرق لغرب.

لذا كان عطاء الخلفاء سخياً وكذلك الأسر الثرية، فأنشئت المكتبات القيَّمة ونشطت حركة الترجمة، مما شجَّع على قيام الجماعات العلمية مثل جماعة إخوان الصفا، كما هيَّأ الفرصة لظهور نُخبة من العلماء الأفذاذ الذين تتيه بهم الحضارة الإسلامية على غيرها من الحضارات من مثل: ابن سينا، وابن الهيثم، وابن حيَّان، والرازي، وابن النفيس، وابن البيطار، والزهراوي، والخازن، والبيرون ، والقزويني، والبغدادي، والإدريسي، وغيرهم وغيرهم .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق