علم الفلك

المناظير والنجوم

2013 أطلس الكون

مور ، السير باتريك مور

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

علم الفلك

المناظير والنجوم

من المفارقات أن أول عالم فلك عظيم من بعد كوبيرنيكوس- وهو الدنماركي غريب الأطوار تايكو براه (Tycho Brahe) – لم يتقبل أبدا الفكرة الهرطقية التي تفيد بأن الأرض تدور حول الشمس. وقام بدلا من ذلك بتطوير نظرية لنظام هجين لم يرض سوى القليل عدا تايكو نفسه. ومع هذا فإنه كان مراقبا عبقريا ووضع فهرسا للنجوم فائق الدقة وقام بقياسات دقيقة لحركة الكواكب، وبالأخص كوكب المريخ. توفي تايكو عام 1601 وانتقلت ملاحظاته إلى مساعده الأخير وهو شاب ألماني يدعى جوهانز كبلر (Johannes Kepler) الذي استغلها جيدا وتَمكَّن من إظهار أن الكواكب تدور فعليا من حول الشمس ليس في مسار دوائر تامة ولكنها إهليلجية الشكل. وقد شكلت قوانين كبلر الثلاثة لحركة الكواكب الأساس لكل العمل اللاحق.

بعد وفاة تايكو ببضع سنوات حدث ما يمكن تسميته بأعظم تطور على الإطلاق- ألا وهو اختراع المقراب. وفقا لما نعلمه، صنعت أول مقاريب في هولندا عام 1608، وتَمَكَّن غاليليو غاليلي (Galileo Galilei) من الحصول على واحد في إيطاليا وقام بصنع مقراب بنفسه، وكما قال فهو ’لم يقتصد في بنائه لا في المصروفات ولا في العناء’، وقام باستخدامه في أول أسابيع من شهر يناير 1610 للقيام بعدة اكتشافات مذهلة، إذ رأى فوهات القمر وأطوار كوكب الزهرة والتوابع الأربعة الكبار لكوكب المشتري ونجوم درب التبانة التي لا تعد ولا تحصى وغير ذلك الكثير. كان مقرابه كاسرا، مستخدما عدسة زجاجية )’جسيمية زجاجية’( تقوم بتجميع وتبئير الضوء، ثم يتم تكبير الصورة من خلال عدسة ثانية )’العينية’( التي كانت في الواقع عدسة مكبرة. لم يقترب أحسن مقراب لغاليليو بجودته من منظار حديث رديء، ولكنه أحدث ثورة في علم الفلك ككل- ومعه بالطبع التفكير البشري كلية لأنه بيَّن أنه يستحيل على الأرض أن تمكث ساكنة في مركز الكون، لأنها لو كانت كذلك لما رأينا أطوار كوكب الزهرة من الجديد إلى المكتمل.

كان غاليليو يفتقر إلى اللباقة، إذ أنه كان مناصرا صريحا للنظرية الكوبيرنكية مما ووضعه في خلاف مع الكنيسة، فتم إحضاره إلى روما وتمت محاكمته وإدانته بأنه مهرطق خطر، وتم إجباره على ’شتم وإنكار وكره’ النظرية الخاطئة للأرض السيارة. وقد عفا عنه الفاتيكان فقط عام 1991، وأقر بأنه كان على حق.

توفي غاليليو عام 1642، وفي نفس العام وُلد إسحق نيوتن 

(Isaac Newton) في البلدة الهادئة وولسثورب في لنكولنشاير. درس في جامعة كامبريدج ولم يَشُك ولو للحظة في المنظومة الكوبيرنكية، ووبما أنه كان بعيدا عن روما فإنه لم يكن معرضا للاضطهاد الديني وكان حرا ليقول ويفعل ما يحلو له، ومرت حياته هادئة نسبيا. وأبرز ما نتذكره له هو وصفه لقوانين الجاذبية، مع أنه فقط أحد إنجازاته، إذ يعتبره الكثير أعظم عالم في التاريخ.

في عام 1665 تم إغلاق جامعة كامبريدج التي كان يدرس فيها خوفا من خطر وباء الطاعون، وعندها انعزل نيوتن إلى منزله في وولسثورب حيث قام بالعديد من اكتشافاته العظيمة وإحداها متعلقة بطبيعة الضوء. والضوء هو حركة موجية يعتمد لونه على طول الموجة- بما معناه المسافة ما بين قمتين متتاليتين للموجة، فأطول موجة في الضوء المرئي هي للون الأحمر في حين أن أقصرها للون البنفسجي وبينهما البرتقالي والأصفر والأزرق والأخضر. أدرك نيوتن أن ضوء الشمس عبارة عن خليط من كل أطوال الموجات وعزم على إثبات ذلك، فمرر شعاعا من ضوء الشمس عبر موشور زجاجي مع العلم أن الألوان المختلفة ستنحني أو ’تنكسر’ بأقدار غير متساوية- فكلما كانت الموجة أقصر كلما زاد قدر الانحناء. وكانت النتيجة شريطا من الألوان، بدءا من الأحمر وانتهاءا بالبنفسجي. أصدرت هذه التجربة البسيطة أول طيف، وأصبح اليوم للتحليل الطيفي الفلكي أهمية بالغة.

تُسبِّب العدسة الزجاجية أيضا انحناء الألوان بغير تساوي واتضح هذا باستخدام المقاريب من النوع الذي صنعه غاليليو. فيمكن لجسم ساطع في السماء أن تحيط به ألوان مبهرجة تبدو جميلة ولكنها مزعجة جدا بالنسبة للفلكيين. ولتفادي رؤية هذه الألوان الزائفة صنع نيوتن مقرابا من نوع مختلف تماما، إذ قام بتجميع الضوء بواسطة مرآة بدلا من عدسة وذلك لأن المرآة تعكس كل الألوان بتساو. والمبدأ الأساسي لمقراب نيوتن مُبين في الرسم الموجود في الصفحة 295. وأول مقراب عاكس لنيوتن، والذي تم تقديمه للجمعية الملكية في لندن عام 1671، بلغ قطر مرآته 25 مليمتر 1 بوصة، وأضخم المقاريب اليوم لديها قوة هائلة على تجميع الضوء ولكن المبادئ المستخدمة هي ذاتها.

ربما تكون إحدى القصص المشهورة عن نيوتن صحيحة، يقال أنه أثناء جلوسه في حديقته شاهد تفاحة تقع من شجرة، وبهذا انطلقت أفكاره وبدأت في التسلسل وأدرك أن القوة التي تجذب التفاحة هي بذاتها نفس القوة التي تبقي القمر في مداره حول الأرض. تطور بهذا التفكير حتى توصل إلى قوانينه عن الجاذبية التي قدمها في كتابه المشهور باسم ’برنسيبيا’ )Principia( أو ’المبادئ’ والذي أكمله عام 1611. أثبت هذا الكتاب بدون أدنى شك أن الأرض بعيدة جدا عن أن تكون هي الأكثر أهمية، وأنها مجرد كوكب عادي. فقد بدأ كوبيرنيكوس الثورة وأكملها نيوتن، واستغرق الأمر برمته أقل من 150 سنة بقليل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق