التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

الممارسة الهندسية هي حرفياً قديمة قدم الحضارة .الجسور المعلقة

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

إن الممارسة الهندسية هي حرفياً قديمة قدم الحضارة، ويقيناً من الصعب تصوّر الحضارة كما نعرفها من دون عمل المهندسين، بغض النظر عما كانوا يسمّون قبل الأزمنة الحديثة. وبينما يُنظر للعديد من الأعمال الكلاسيكية للحضارة، من الشعر إلى الأهرامات، من خلال شروطها الذاتية غير المرتبطة بزمن، إلا أن طرق المهندسين غالباً ما ينظر لها بأنها تستبدل باستمرار بمخططات جديدة ومحسنة. بالرغم من أن الطائرات العمودية [الهيلوكبتر] كان يمكن أن تحلّ محل الأرصفة المنحدرة في وضع أحجار القمة في أعلى الهرم، وأن الحواسيب جعلت التصاميم ممكنة لما أبعد من قدرات الوصول الحسابي للمهندسين قبل بضعة أجيال فقط، إلا أن هناك جوانب أساسية في أسلوب التصميم المفاهيمي الهندسي لم تتغير إلا قليلاً (إن تغيّرت) عبر آلاف السنين، والحقيقة، أن توفر وقدرة الأدوات للتكنولوجيا الحديثة قد تهدّد تآكل المهارات الهندسية الأكثر أساسية [في التصميم]، ومن المفارقة كما يبدو، أننا قد نجد جرعة مضادة لتآكل مهارات التصميم الأساسية والقرار الهندسي الحرج في بعض الأجزاء القديمة في الهندسة بسهولة أكثر مما نجده في الكتب المقررة الحديثة.

عندما كانت مكتبة جامعتي تحتفظ بقسم لها في كلية الهندسة، كنت عادة ما أذهب إلى هذه المكتبة بعد الغداء وأقرأ آخر إصدارات المجلات أو أتصفح أكداس الكتب، وكانت الدوريات الجارية في الطابق الرئيسي، وكانت الأعداد السابقة تُجمّع على هيئة مجلدات وتوضع في طابق سفلي، والكتب والرسائل العلمية المنفردة [الأفرودات] (Monographs) تقع في طابق أعلى. وكان بالإمكان قراءة آخر المقالات من دون أن تستخدم السلالم، ولكني كنت استخدمها للتجوال بين المجلدات القديمة لأرى أين تأخذني الصدفة، وفي قسم الدوريات المجلدة، تم تنظيم العناوين بتسلسل ألفبائي صارم، وآخر الأجزاء للمجلة أو الدورية كانت توضع بطبيعة الحال بالتسلسل الزمني لتكون في أقصى نهاية الجهة اليمنى من ذلك العنوان، ويُترك فراغ بين المجلد الأخير وبداية العنوان الذي يليه الفبائياً، لكي يكون في الإمكان وضع أحدث المجلدات من دون الحاجة إلى تعديل مواقع مجلدات عديدة أخرى موضوعة على جميع امتدادات الرفوف.

مع ذلك، وفي مستوى الكتب والرسائل العلمية، تمّ ترتيب جميع العناوين حسب المواضيع، وتمّ وضعها على الرفوف بموجب نظام ديوي العشري (Dewey Decimal System)، والذي كانت جامعتي تستخدمه عندئذٍ، ولأن الرفوف كانت مملوءة تقريباً بسعتها القصوى لم يكن من المعتاد العثور على الفراغات بين الكتب الموضوعة على الرف جنباً إلى جنب بشكل متلاصق. مع ذلك، كان الترتيب مثالياً بالنسبة لي، لأنها جاورت بالصدفة بعض الأحيان المعرفة الأحدث مع الأقدم – وما بينهما – في موضوع محدّد. فإذا ذهبت إلى قسم عن الجسور، قد أجد رسالة علمية حول تصميم الجسر المعلّق تعود إلى القرن التاسع عشر موضوعة على الرفّ بجوار رسالة علمية تعود إلى أواخر القرن لعشرين، ومنجذباً بالصدفة لهذا التزاوج، قد أذهب بالرسالتين إلى مقصورة مجاورة وأجد في الرسالة القديمة والرسالة الجديدة تشابهات أساسية جديدة في الأسلوب المفاهيمي على الرغم من أن المحتوى التحليلي والبياني قد يظهرهما من عصرين ونوعين مختلفين بشكل واضح.

الشيء الذي أعجبت به بشكل خاص كان، كما بدا لي، أنه مهما كان تاريخ طبع كتاب عن التصميم، فهو كان يناقش بشكل صريح أو ضمني المشكلة المتكرّرة للفشل وكيف يتم تلافيها، واحتوت الكتب عادة على حالات دراسية لحالات فشل بارزة، في فصول تقديمية في بعض الحالات، وفي حالات أخرى في ملحق، وبعض الأحيان في متن الكتاب المنهجي، وأحياناً أخرى موزّعةً على فصول الكتاب، وحالات الفشل المشهورة قد تذكر بشكل عابر، أو يشار إليها من خلال موقعها الجغرافي فقط، ومن الواضح أن الكاتب كان يتوقّع أن يكون القارىء ملم نوعاً ما ومتمكناً من قصصها ودروسها، وقلما صادفت كتاباً لم يعترف، بالرغم من أن ذلك ضمنياً بعض الأحيان، بأن حالات الفشل قد وقعت في الحقل ذي العلاقة، وأن معرفة الظروف المحيطة وفهم الأسباب هي تفاصيل معلومات ثمينة ومعرفة توفر المنظور والتصور – والخبرة بالنيابة.

في أحد الأيام، بعد قراءتي لمراجعة كتاب خلال تناولي الغداء في المكتب، ذهبت إلى المكتبة الهندسية لأطلع على العنوان المنشور حديثاً. وقد حصلت على رقم الكتاب من خلال الكتالوج على الخط (Online) وذهبت مباشرة إلى الطابق الأعلى ثم إلى المكان الذي كنت أعلم أن المجلدات بنفس الرقم المكتوب على عقب المجلدات كانت موضوعة على الرفوف. وصُدمت لعدم وجود الكتاب الذي كنت أقصده، واعتقدت أن أحدهم قد سبقني لاستعارته، على الرغم من عدم وجود فراغ في صف الكتب التي على الرف ليدل على ذلك، ونزلت إلى الطابق الأسفل، إلى طاولة التداول، وسألت مسؤول المكتبة حول حالة الكتاب. أخذ مني قصاصة الورقة التي كنت قد كتبت عليها رقم الكتاب ثم نظر في ملفات التداول، وبموجب هذه الملفات، لم تكن قد تمت استعارة الكتاب، لذا فقد ذهب إلى الطابق الأعلى بصحبتي ليرى لربما نظرت في المكان الخاطىء أو أن الجزء قد وُضع في المكان الخطأ في موقع قريب من المكان الذي يجب أن يكون فيه. لكنه لم يجد الكتاب، لذا عدنا إلى الطابق الأسفل وسألني عن عنوان الكتاب.

بما أنني كنت مستخدماً متردداً على مكتبة الهندسة، فقد كان أمين المكتبة ملمّاً بشكل جيد بعادات قراءاتي. إذ كان يعلم أنها تميل إلى الكتب القديمة بدلاً من الحديثة، لذا كان من الطبيعي أن يفترض أن ما كنت أفتش عنه كان من الصنف الأول، ولكنه عندما وجد الكتاب في الكتالوج،  رأى في هذه الحالة أنني كنت أفتشّ عن كتاب قد نُشر حديثاً السنة الماضية. عندئذٍ فقط جعلني أدرك السياسة الجديدة لخزن الكتب التي طبقها بطلب من بعض زملائي في حقل هندسة الطب الحيوي الحديث نسبياً. فبما أنهم قلما يهتمون بكتب منشورة قبل أكثر من خمس سنوات، لم تكن لديهم رغبة في تصفح مواقع العناوين الأقدم – على الرغم أن عددها قليل بالمقارنة في هذا الحقل الجديد – لتحديد موقع كتاب منشور مؤخراً. إضافة لذلك، فالكتب القديمة قد تؤدي إلى جعل كتابين اثنين جديدين في مواضيع قريبة بعيدين عن بعضهما نسبة لرغبة المهندسين.

عالجت السياسة الجديدة هذه الشكوى بتبنّي مقترح مهندسي الطب الحيوي: ضع على الرف الكتب الأحدث من خمس سنوات في مكان منفصل عن بقية المجموعة. لذا أصبحت الكتب الأحدث مجمّعة مع بعضها في بداية صفوف الكتب، قرب سلالم المبنى تماماً، وتطلب ذلك إزالة الكتب التي وصل عمرها خمس سنوات كل سنة، لكن هذا الإزعاج كان مقبولاً من قبل أمين المكتبة، ولم يذكر لي هذا التمييز الببلوغرافي المعتمد على العمر، ربما لأنه كان يدرك بأنني سوف أعترض، وحال ما علمت به، أظهرت عدم ارتياحي. ولكن حيث أصبحت أعرف أين يكون الكتاب الذي أرغبه، ذهبت إلى أعلى لإيجاده، وعندما وصلت إلى الرفوف الأحدث، ذُهلت من اتساع عناوين الكتب ذات العلاقة بعلم الحاسوب التي هيمنت على المجموعة. فقد ملأت هذه الكتب في هذا الموضوع حيزاً يساوي نصف الكتب الجديدة، وبعكس ذلك، وجدت أن للكتاب الذي كنت أفتش عنه جيران قلائل في موضوعه، وأستطيع لمحهم جميعاً بنظرة واحدة وأحملهم بذراع واحدة إلى أقرب مقصورة مجاورة. لذا فقد كانت هناك فوائد في تجميع الكتب الجديدة في المواضيع المتقاربة، لكني قلقت بأنه بالرغم من الفائدة المكتسبة [لتسهيل الوصول إلى الكتب الجديدة] فقد يكون قد نتج منها خسارة صافية في الحكمة.

مع التطور الرفيع المتزايد في كتالوجات المكتبات المباشرة المحسوبة، فمع خدمات إيصال الكتب والمقالات – من دون التطرق إلى مسوحات كتب غوغل ونتائج البحث من خلاله – وتسهيلات رقمية وإلكترونية أخرى، أخذ تردد أساتذة الكلية المستمرين باستخدام فرع مكتبتنا الهندسية بالتناقص، وهجر الطلاب بشكل واسع طاولات المكتبة وكراسيها المستهلكة لصالح الأثاث الأحدث والمطالعة المريحة في [الجناح] الجديد الذي تمت إضافته مؤخراً للمكتبة الرئيسية. وحتى بالنسبة لي، فقد بدأت أشعر أن الموارد الرقمية على الإنترنت أكثر ودية وإغراءاً للمستخدم –  من دون الإشارة إلى المصدر المختلف لكن خصب للصدفة [عند اكتشاف نتائج بحث على الإنترنت أوسع مما كان في البال] – لذا أصبحت حاجتي لزيارة فعلية لمكتبة مكونة من طوب وباطون (Brick and Mortar) في حرم الجامعة في تناقص مستمر. ومن دون زبائن، واجهت مكتبة الهندسة بشكل متزايد، (ومكتبات متخصصة أخرى) وقتا صعباً في الدفاع [عن وجودها] وأشغال المساحات التي مُنعت كلية الهندسة من التوسع فيه، وهكذا نُقلت مجموعات الكتب والدوريات إلى المكتبة الرئيسية أو إلى مستودعات في مواقع بعيدة، ولم يكن هناك اعتراض يُذكر.

من المفيد معرفة فيما إذا كان فصل الكتب، في البداية عن الأجيال الأقدم، ثم عن التماس المادي [الفعلي] – والتجزئة الزمنية والمادية للمعرفة التي ترمز إليها – ستؤدي إلى زيادة في حالات الفشل. فحقول علم الحاسوب وهندسة البرمجيات ما زالت جديدة نسبياً قياساً بمعايير الهندسة المدنية، وقد أدرك بعض ممارسيها مبكراً أنهم لا يملكون تاريخاً عميقاً يمكن الاستفادة منه للحصول على الدروس العامة، خاصة بالنسبة لحالات الفشل ودوريتها، ومصممو البرمجيات كانوا واعين، على وجه الخصوص، لحقيقة أن نتائج عملهم معرضة لأخطاء برمجية (Bugs) وما هو أسوأ، وبدأ علميو الحاسوب بالتفتيش خارج حقلهم لاكتشاف منظور تاريخي حول الفشل، ووجدوا ذلك في هندسة الجسور، التي يعود تاريخها الحديث في استخدام هياكل معدنية إلى أواخر القرن الثامن عشر، والتي قد تم توثيقها وسجلاتها للمعالم، وبشكل أقل لحالات الفشل وتحليلها بشكل جيد. لذا لم يكن غريباً في منشورات هندسة البرمجيات وجود مقابلات مع مهندسي الجسور والإنشاءات، حيث لعب التاريخ والفشل فيها دوراً بارزاً. كذلك، بدأ العديد من المهندسين، من الذين درسوا وكتبوا عن الفشل، بتسلّم دعوات للتكلّم في ورشات ومؤتمرات هندسة البرمجيات، وكان أعضاء هذا الحقل البازغ واعين تماماً لما كانوا يجهلونه والذي لا يمكن معرفته ضمن حقل اختصاصهم لوحده، لذا بدأوا بالتفتيش عن منظور تاريخي وإرشادات بالتناظر، وقد اعتمد مجتمع هندسة البرمجيات ممارسة توثيق وتحليل حالات الفشل من خلال ممارستهم وممارسات حقول قريبة، وبدأت تنمو مع صدور كل عدد فكرة تجميع هذه المساهمات في نشرة دورية وفي النهاية وضعت [النشرة] على الشبكة مباشرة حيث لا حاجة إلى التنافس على مساحات النشر. وحالات الفشل التي تحاشاها مهندسو البرمجيات من خلال اتباع وقائع العثرات لم توثق عموماً – وربما لم يتم الاعتراف بها – ولكن من الصعوبة تخيّل أنه لم يكن لها وجود.

الحماس لتطوير حالة الفن من خلال الدفع إلى الحدود القصوى للتكنولوجيا المتطورة، حدا ببعض المهندسين إلى عدم النظر إلى الوراء في تاريخ حقلهم. إذ لم يعتقدوا أن لذلك علاقة بما يقومون به حالياً. وحتى إن كانت لهم رغبة شكلية في تاريخ ما يعملون عليه حالياً، فهم يحاولون تعليب [تأجيل] هذا الاهتمام أو هم ينظرون له كهواية يتابعونها عند تقاعدهم. فهم ينظرون لذلك، في أحسن الحالات، كمساعدٍ ثقافي لما يقومون به فنياً في ذروة حياتهم المهنية.

هذا تماماً ما قد كان عليه الحال بين مهندسي الجسور المعلقة، وخاصة في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. وخلال تلك الفترة، وفي قفزة تكنولوجية متميزة، صمم أوثمار أمّان (Othmar Ammann) جسر جورج واشنطن ليكون فيه مجاز رئيسي طوله، على الأقل، ضعف طول مجاز الرقم القياسي في ذلك الوقت. والجرأة في هذا التصميم – على افتراض أن تأثير القياس الكارثي المحتمل كان معروفاً من زمن فيتروفيس – بالإضافة إلى السُّمك الخفيف غير الاعتيادي للجسم الطويل جداً لجسر أمّان، وفّرا نوعية يُحتذى بها من قِبل مصممي الجسور المعلقة اللاحقين في مخاطراتهم، ولأن أمّان وفريق التصميم كانوا يعملون خارج إطار الخبرة، فقد بذلوا عناية خاصة للتصريح عن فرضياتهم وتبعاتها بالنسبة لحساباتهم – بالأخص لأنفسهم بالذات، ولأن هذا التحسس العالي بأنهم يتعاملون ضمن جهد تصميمي غير مسبوق، فقد أعطى المهندسون اهتماماً خاصاً للتفاصيل وتوقعوا كيف يمكن أن تؤدي إلى الفشل، ومن دون شك، وعلى الأقل جزئياً بسبب الاهتمام العالي المتقن الذي أعطي للتصميم، فقد كان نجاح جسر جورج واشنطن مدوياً. وفي خلال ثلاثينات القرن الماضي، صممت وبنيت جسور معلقة متتابعة، تبنّى مصمموها الصفات الناجحة لجسر جورج واشنطن ويبدو أنه لم يكن لديهم أي شعور قوي للقلق حول الفشل، ما تسبّب بالإحراج لهم بعدئذٍ، والنتيجة كانت جسور أخف وأخف وأبدان أقل وأقل صلابة كانت تتحرك كثيراً بشكل غريب بسبب الريح ، وتُوجت كلها بالانهيار الأليم لجسر تاكوما ناروز.

بينما كان القادة من دون منازع في حقل تصميم الجسور يتبعون مثل أمّان، لكنهم أهملوا أيضاً تاريخ الجسور المعلقة وحالات فشلها. وبالرغم من معرفتهم عن تأثر الأبدان الخشبية للجسور بالريح قبل قرن من الزمن، اعتبروا أن لا علاقة لذلك في تصميم الهياكل الفولاذية الحديثة، وبالرغم من أنهم استعاروا من التاريخ نماذج جمالية لمظهر الجسر، لكنهم أهملوا الدروس الهندسية المستقاة من زوالها. لذا تذكر مهندسو القرن العشرين جسر ميناي ستريت المعلق المصمم من قبل توماس تلفورد وأعجبوا به باعتباره جسراً ذا جمالية أقرب إلى الكمال، ولكن يبدو أنهم وضعوا خارج ذاكرتهم حقيقة أن متن الجسر الخشبي خفيف الوزن قد تضرر مرات متكررة بسبب الريح، كما حصل للعديد من الجسور في زمانه. إذ اعتبر ذلك حقيقة تاريخية لا علاقة لها بعصر الفولاذ.

في عام 1841 قام مهندس ليس أقل [شهرة] من جون روبلينغ باستخلاص حالات فشل من دراسته في بداية القرن التاسع عشر التي احتاجها لتصميم جسر معلق مقاوم للريح، والذي اعتبره "ألد عدو" [للجسور]. فقد استنتج وصرّح بشكل واضح أنه لكي تكون ناجحاً (أي، كي لا تفشل) فيجب أن يحتوي جسم الجسر على "وزن وعارضات وجملونات ومثبتات". بعبارة أخرى، فالمتن الناجح يجب: (1) أن يكون ثقيلاً، مما يمحنه الثبات، لكي لا تتحرك كتلته بهبوب الريح؛ (2) تكون فيه عوارض وجملونات، لكي يكون للبدن متانة كافية للحفاظ على شكله بينما يتم توزيع الحمولة التي عليه؛ و(3) فيه حبال إضافية، أو "مثبتات"، لضبط الحركة غير المرغوبة قبل أن تخرج عن السيطرة. وقد أدخل روبلينغ هذه المزايا لأول مرة في جسر نياغرا غورجز في 1854 – وهو أول جسر معلق يحمل قطارات – ثم في جسر نهر أوهايو في سينسيناتي، وأخيراً في تحفته، جسر بروكلين، والذي أُكمل بناؤه في 1883. وللأسف فقد ألغى مهندسون آخرون، بشكل منتظم خلال العقود اللاحقة من الجسور المعلقة في بداية القرن العشرين ما اعتبرها روبلينغ مزايا ضرورية للنجاح. وتُوِّجت العملية في جسور أمان ومعاصروه في ثلاثينات القرن الماضي. أولاً، أُهملت حبال التثبيت باعتبارها فائضة، مما جعل مثبتات جسر بروكلين تبدو ظريفة بعض الشيء لكنها مزايا معمارية بحتة. ثم أهمل الجملون المتصلب بحجة الهدف الجمالي للرشاقة. وأخيراً، تم تقليص الوزن نفسه بحجة التصميم المثالي للجسور مع مسارات طرق ضيقة. وتُوّجت هذه التطورات المبنية على الجهل التاريخي للهياكل بجسر تاكوما ناروز.

إثر انهيار جسر تاكوما ناروز مباشرة، بدا وكأن جميع دروس التاريخ قد استُرجعت فجأة، ولكن كان قد فات الأوان، وبعد مدة قصيرة توصل تحليل الفشل الرسمي لجسر تاكوما ناروز إلى استنتاجات لا تختلف كثيراً عن ما استنتجه روبلينغ  قبل قرن، وهو أن الريح هو عدو الجسور المعلقة. وبعد فجوة مفهومة من الزمن في أربعينات القرن الماضي، كانت بسبب الحرب قدر ما كانت بسبب حالات الفشل السيئة الصيت، بوشر ببناء جسور معلقة مرة ثانية لكن صفات مقاومة الريح كانت قد تأثّرت بأمثلة من التاريخ بدلاً من أمثلة حديثة.

إذا كان المهندسون قد أهملوا التاريخ، فالمؤرّخون مذنبون بإهمال الهندسة. ففي تحليلهم للماضي، لم يعطوا للتطورات في التكنولوجيا اهتماماً كافياً قدر ما أعطوا للتطورات السياسية وغيرها من المجالات. لكن إنجازاً هندسياً كجسر بروكلين، جعل التواصل بين بروكلين ومانهاتن الدنيا أكثر ملاءمة وبموثوقية متوقعة، ولعب دوراً متميّزاً في تعزيز ما كان في السابق كيانان منفصلان سياسياً وجغرافياً داخل مدينة نيويورك القائمة اليوم. ولمدة طويلة طالب مؤرّخو التكنولوجيا باعتراف أكبر لتأثيرات مثل هذه التطورات التكنولوجية في درب الأحداث البشرية. وفي غياب الكتب المنهجية التي تعطي ما اعتقدوه نظرة متوازنة للتاريخ – أي اعتبارات للأمور التقنية مساوية للاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية – قام بعض المؤرخين المتعاطفين بالتعاون لتأليف كتاب بهذا الاتجاه، وقد يُلهم ذلك المهندسين لكي يضمِّنوا كتبهم المنهجية التاريخ ذو العلاقة. ولكن، كما فعلوا خلال آلاف السنين، يصمم المهندسون المستقبل ويحلّل المؤرخون الماضي. وهذه التبسيطات المفرطة قد تبرز بعض الفروقات الأساسية بين ممارسة الهندسة وممارسة التاريخ، ولكن عندما تؤخذ كمؤشر لأهداف التباين والاستبعاد فإنها قد تقود إلى هندسة متدنية وتاريخ ناقص.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق