البيولوجيا وعلوم الحياة

المسائل المتعلقة بقضية التبرع بالأعضاء وتجنيد المتبرعين

1996 تقنيات الطب البيولوجية وحقوق الإنسان

الدكتور يوسف يعقوب السلطان

KFAS

البيولوجيا وعلوم الحياة

ينظم التبرع بالاعضاء في كل انحاء الولايات المتحدة بموجب قانون الهدايا التشريحية الموحد (1983) الذي تنص الصيغة المعدلة منه على منع الاتجار في الأعضاء البشرية. 

وينص هذا القانون على أن الأطباء الذين يصدرون شهادات الوفاة لا يشاركون في عمليات استئصال أعضاء الجسم أو نقلها أو زرعها. 

ويبدو بوضوح أن في هذا النص محاولة للتقليل مما قد يعتبر حصادا قبل الأوان للاعضاء "يعتبر من الناحية الفنية جريمة قتل" يجنيه الأطباء الذين يريدون الأعضاء لمرضاهم أو لاستخدامها في البحوث. 

 

ولأقرب الأقربين للشخص المتوفي أن يقرر التبرع بالأعضاء إذا كان المتوفي نفسه لم يعبر عن أي رغبة معينة فيما يتعلق بالاستخدام الطبية لجسده.

وفي ظل القيود الفنية الحالية لا بد لكل المتبرعين أن يكونوا قد ماتوا في المستشفى حيث يمكن الاحتفاظ بهم على جهاز التنفس الصناعي بعد تقرير موت الدماغ. 

وتعتبر المعايير التي بموجبها يتقرر موت الدماغ من مجالات بحوث الطب البيولوجية المتعلقة بحقوق الإنسان، والتي ترتبط بالثقة العامة في الأطباء. 

 

وربما كان الانخفاض الواضح في التبرع بالأعضاء في الولايات المتحدة الذي نجم عن زيادة الدعايات التي تحيط بمسألة نقل وزرع الاعضاء قد ترتب على المخاوف من أن الإنسان الذي يوقع وثيقة التبرع بأعضائه قد يتعرض لان يتصرف الطبيب قبل الأوان ليحصل على الاعضاء أي قبل أن يكون المتبرع قد توفى بالفعل، أو قد يعمل على سرعة وفاته (تشايلدرس Childress 1989 ص 91)

هذا ولم يتغير العدد السنوي للمتبرعين بالاعضاء في الولايات المتحدة الامريكية كثيرا في الفترة (1986 – 1989) ولو أنه حقق زيادة قدرها 9,1% في سنة 1990 (ايفانز وأخرون، Evans et al 1992).

ونجاح حملات الدعوة للحصول على الأعضاء من خلال التبرعات تعتمد بشكل واضح على التعاون التطوعي من جانب الهيئة الطبية في أغلب الأحيان مع الاسر المتوقع أن يجدوا بينها المتبرعين (بروتاس Prottas، 1989). 

 

وربما تتردد الأسر أو تحتاج إلى حوار طويل ومحاولة للإقناع قبل أن تقرر التبرع.  وإمكانية الضغط او الإكراه ولو بصورة معتدلة أو بسيطة تعتبر من القضايا التي ترتبط بهذا الموضوع. 

ويعتبر حاليا ثغرة في النظام الأحلاقي أن يخرج البعض عن الترتيب والنظام بناء على مناشدة أو إغراء لأن هذا حتما يقلل من الفرص المتاحة أمام مريض موضع سلفا في قائمة الانتظار للحصول على عضو.

ومع أهمية موقع المستشفى فإن هيئة التمريض تؤدي دورا رئيسيا في عملية الحصول على أعضاء، ليس فقط عن طريق اتصالاتهم بالأسر، ولكن في كثير من الأحيان أيضا عن طريق إيجاد تنسيق بين المتبرعين والجراحين والمتلقين للأعضاء (دووي Dowie، 1988). 

 

وتتأثر طبيعة التعاون الطبي في هذه العملية بالظروف المحلية بصرف النظر عن الاتفاقيات بين الولايات أو الأقاليم.

فقد تكون هناك فرصة أفضل لمريض يعيش في بيت في مكان قريب أن يحصل على قلب أو اي عضو نادر من المريض الذي يعيش في مستشفى في مكان بعيد حتى لو كانت له الأولوية بناء على القواعد المعمول بها، وقد يتم ذلك كله على الرغم من وجد اتفاقيات مسبقة (إدموندز Edmunds، 1989). 

وهناك عوامل أخرى تلعب دورها مثل المعرفة الشخصية بين الجراح وأسرة المريض أو الميل إلى محاولة إصدار قرارات لصالح شخص أقل مرضا وفرصته في الحياة أفضل.

 

أما عن المنافسة التي تقوم بين الجراحين ومراكز نقل الأعضاء والتي كانت شديدة تصل إلى حد سوء الخلق مع تطور العمل في الميدان، فقد قلت تدريجيا في الولايات المتحدة، بعد تكوين الشبكة المتحدة لتبادل الأعضاء (UNOS)، ولكنها لم تختف تماما. 

ونظرا لأن نقل وزرع الأعضاء يحتاج إلى أشخاص ومهنيين مدربين تدريبا عاليا فمن غير المحتمل أن يمكن القضاء فيها على الأنانية وحب الذات نهائيا.

وكما سبق أن ذكرنا تتدخل نظم القيم المحلية والمخاوف المبنية على مفاهيم ثقافية ثانوية، وتؤثر في إرادة التبرع بالأعضاء لزرعها. 

 

ففي أواخر الثمانينات كان هناك ما يدل على أن عدد المتبرعين في الولايات المتحدة قد انخفض إلى أدنى حد في أوساط جماعات الأقليات وغيرهم، ممن ينظرون إلى أنفسهم على أنهم على هامش النظام ولديهم ما يبرر عدم الثقة فيه (تشايلدرس، 1987، ص 92). 

وتأتي حقوق الإنسان في هذا السياق كشيء ثانوي بالنسبة لأديان الاسر ومعتقداتها الثقافية.  ومن الحالات التي تدل على ذلك الأسبان الأمريكيون (وهم ليسوا مجتمعا واحدا بل تجمعات متعددة ممن ينتمون إلى ثقافات مختلفة وخلفيات قومية متعددة)، فنتيجة لانتشار أمراض الكُلى في مراحلها المتأخرة نتيجة مرض السكر نجد أن أعضاء هذه الأقلية يستخدمون عددا كبيرا من الكلى يفوق كثيرا ما يستخدمه أعضاء مجتمع البيض. 

وفي نفس الوقت يتبرعون بعدد اقل كثيرا من الأعضاء المطلوبة لهم (راندال Ran-dall، 1991).  ومن المهم للغاية أن تعدل أو نصحح هذا الوضع لأن معظم المتبرعين ذوي الأنسجة المتوافقة سوف يكونون من الأمريكيين الأسبان الآخرين المتماثلين في الصفات الوراثية والجينية.

 

ولقد قامت لجنة رعاية المرضى والتعليم التابعة للجمعية الأمريكية لأطباء نقل الأعضاء (كاسيسكي وآخرون Kasiske et al.، 1991) بدراسة هذه المسألة، وتوصلت إلى العديد من النتائج التي تتعلق بتجميع الأعضاء وزرعها في نطاق أوساط الأقليات التي تعيش بالولايات المتحدة الأمريكية. 

وقد يكون لهذا مدلولاته في مجال علاقات التفاهم بين القوميات، فرغم وجود نسبة عالية من أمراض الكُلى في مراحلها المتأخرة في وسط الأقليات العرقية اكثر مما في أوساط البيض، فإن إجراء عملية نقل الكلية أقل لدى السكن السود منها لدى البيض، كما أن نسبة نجاح زرع الكلى المخالفة أقل في السود عنها في البيض. 

وقد ترجع أسباب هذه الظاهرة الأخيرة إلى تباين كبير في مولدات الأجسام المضادة، وعدم توافق المريض مع الأعضاء المنقولة إليه إلى جانب العوامل الاقتصادية الاجتماعية. 

 

ويبدو أن التطعيم بالأنسجة المتباينة، في عمليات زراعة الأعضاء، بين الأسبان والأقليات الآسيوية، مماثل لما هو قائم بين البيض غير الأسبان إلا أن تبرعات الأعضاء من كليهما قليل. 

وهكذا تكثر مشاكل عدم المساواة بين الأجناس والأعراض فيما يتعلق بنقل الكلى التي تساوي وربما كانت أكثر من المشاكل المتعلقة بنقل أعضاء أخرى.

ولقد تضمن التقرير الذي يركز على مجتمع الأفريقيين الامريكيين في الولايات المتحدة (كاليندر وآخرون Callender et al، 1991) تحديدا لخمس أسباب رئيسية، كانت موجودة في عام 1978 لإحجام السود عن السماح بالتبرع بالأعضاء. 

 

أولها أنهم لم يكونوا واعين بالأوضاع العلمية والاكلينيكية المعاصرة حول نقل وزرع الأعضاء، ولا بالحاجة الماسة إلى الأعضاء لأفراد مجتمعهم.

وكان السبب الثاني المعتقدات الدينية وسوء الفهم، ويأتي بعدها ثلاثة اسباب ترجع إلى الحساسية من وضعهم كأقلية، وعدم ثقتهم في الأغلبية. 

وهذه الأسباب الثلاث هي عدم ثقتهم في المؤسسات الطبية، والخوف من إعلان وفاتهم قبل الأوان إذا كانوا متبرعين ووقعوا بطاقة التبرع، ورغبتهم في التأكيد على تفضيل أن تعطي أعضاؤهم لمرضى من السود أمثالهم.

 

وعلى اساس هذه النتائج التي تبينت في التقرير بدأ تنظيم برنامج للتعليم، وبناء الثقة يشتمل على تكوين عدة مجموعات متآلفة من الوكالات الحكومية والجامعات والهيئات الاجتماعية.  وجاءت النتائج التي سجلت في تقرير عام 1982، مؤكدة نجاح البرنامج.

أما عن المشكلة التي تواجه الدعاة للتبرع فهي في جميع الأحوال مشكلة عدم وجود الوعي الثقافي الكافي لخلق الثقة أثناء الحوار، فلا بد للداعية أن يتعرف على صاحب القرار في بنيان الأسرة (مثلا الأب أم الزوج، الذكر أم الأنثى)، وأن يعمل على نشر المعرفة والتوعية بالموضوع في أوساط المجتمعات المحلية. 

وعليه في نفس الوقت أن يحترم كرامة الأفراد وحقوق الإنسان وما يقتضيه الامر من تجنب استخدام الرموز السلطوية مثل القسس أو غيرهم من القادة الدينيين الذين قد يشكل تأثيرهم اقتناعا غير صادق في إطار مضامين مختلفة تجعل الموافقة الواعية مستحيلة. 

 

وفي الظروف التي لا تتفوق فيها الاحتياجات المالية على غيرها من الاعتبارات، يجب أن يتم طلب التبرع بالأعضاء بطريقة يراعى فيها اختلاف الظروف والمكانة العائلية وسلطة المجتمع والقدرة على الاستدابة للمطلب بجدارة ومن الامور ذات الأهمية أن يكون الداعية متأكدا من أن الالتزامات التي سيتحملها عضو الأسرة، والذي ربما يكون أنثى.

قد تمت بناء على المشاركة في المشورة مع رب الأسرة أو كبير رجالها.  وفي بعض المواقف الأخرى لا بد من التأكد من أن الأم أو الجدة أو من يقوم مقامهما من النساء مشتركة اشتراكا فعليا في الحوار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق