إسلاميات

المراحل التي مرت بها “كُتب السُنة” ونبذة عن أشهر تقسيماتها

2003 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الرابع عشر

عبد الرحمن أحمد الأحمد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

كُتب السُنة تقسيمات كتب السًنة إسلاميات المخطوطات والكتب النادرة

كُتُبُ السُّنَّةِ هي الكُتُبُ الّتي دوَّنَ فيها جامِعوها أقْوالَ سَيِّدِنا رسولِ اللهِ، صلَّى الله عليه وسلَّم، وأفعالَهُ وأَحْوالَهُ وسِيَرَهُ.

وقَدْ مرَّ تدوينُ السُّنَّةِ، ثًمَّ جَمْعُها في كُتُبٍ صغيرَةٍ أو كَبيرَةٍ، بمراحِلَ عِدَّةٍ، بَدَأَتْ في عَصْر النَّبِيِّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، ثُمَّ اسْتَمَرَّتْ تَنْمو في عَصْر الصَّحابَةِ والتَّابِعينَ، ثُمَّ اتَّسَعت ونَضِجَتْ في العَصْرِ الأُمَوِيِّ وأوائِلِ العَصْرِ العَبَّاسِيِّ، بأَنْ بَدَأتْ هذه الأَحاديثُ المَجْموعَةُ تُرَتَّبُ تَرْتيباً مَوْضوعياً.

ومنذُ النِّصْفِ الثّاني من القَرْنِ الثَّانِي لِلْهِجرَةِ، أَيْ العَصْرِ العَبَّاسِيِّ الثَّانِي، تَنَوَّعَتْ مَناهِجُ عُلُماءِ السُّنَّةِ في تَرتيبِ المادَّةِ وتَبْويبِها.

 

ويعبِّر الإمامُ الكبيرُ ابنُ حَجرَ العَسْقَلانِيُّ، في شَرْحِهِ لِصَحيح البُخارِيِّ، المُسمَّى «فَتْح البارِي» عَنْ هذه المَراحِلِ الثَّلاثِ بأَنَّها: التَّدْوينُ، ثُمَّ كَثْرَةُ التَّدوينِ، ثُمَّ التَّصْنيفُ.

ويُطْلِقُ عَلَيْها بَعْضُ الدَّارسينَ المُعاصرينَ: تَقْييدُ العِلْمِ، ثُمَّ التَّدْوينُ، ثُمَّ التَّصْنيفُ. والتَّقسيمُ – كما تَرَى – واحِدٌ، وسَوْفَ نسيرُ علَى مُقْتضاه.

 

– المَرْحَلَةُ الأُولَى :بِداياتُ كِتابَةِ الحديثِ النَّبَوِيِّ وتَدوينُه:

كانَ الاعْتماِدُ علَى الحِفْظِ هو الشَّائِعِ في بِدايَةِ الدَّعْوةِ، إلَى أنْ قامَتْ دَوْلَةُ الإسلامِ بالمَدينَةِ، وبَدَأَتْ الأَحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ تَتَّسِعُ دائِرَتُها لِتُنَظِّمَ عَلاقاتِ المُجْتَمَعِ الإسْلامِيِّ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وعَلاقاتِه مَعَ الآخرينَ في الجزيرَةِ العَرَبِيَّةِ مِنْ أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكينَ.

وصاحَبَ ذَلِكَ انْتِشارُ الكِتابَةِ بينَ المُسلمينَ وخاصَّةً بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ للهِجْرَةِ، ثُمَّ اتِّساعُ الدَّوْلَةِ الإسْلامِيَّةِ لِتَشْمَلَ الجزيرَةَ العَرَبِيَّةِ بكامِلِها تَقْريباً.

فَأَحْياناً كانَ الرَّسولُ، صلَّى الله عليه وسلَّم، يكتبُ رَسائِلَ يُوَجِّهُها لِبَعْضِ الأَفْرادِ أو القَبائِلِ أو البُلْدانِ، وأحياناً كانَ بَعْضُ الوافِدينَ إلَى المدينَةِ يَطْلُبُ مِنَ الرَّسولِ أن تُكْتًبَ لَهُ بَعْضُ خُطَبِهِ، صلَّى الله عليه وسلَّم، وأَحْكامِهِ وتَوجيهاتِهِ، كما حَدَثَ مَعَ أحَدِ الصَّحابَةِ، وكانَ مِنَ اليَمَنِ، واسْمُه «أبوشاهٍ».

 

وأحْياناً اسْتَأْذَنَ بعضُ الصَّحابَةِ أنْ يكتُبوا ما يَسْمَعونَهُ مِنَ النَّبِيِّ، صلَّى الله عليه وسلَّم، في الأَحْوالِ المُخْتَلِفَةِ، كما حَدَثَ مِنَ عَبْد اللهِ بِن عَمْرو بنِ العاصِ الّذي عُرِفَ ما دَوَّنَهُ مِنَ الأَحاديثِ بالصَّحيفَةِ أو الصَّادِقَةِ.

وكانَ مَعَ عَلِيِّ بن أَبي طالِبٍ صَحيفَةٌ يَضَعُها دائِماً في قِرابِ سَيْفِهِ فيها جُمْلَةٌ مِنَ الأحكامِ الشَّرْعِيَّةِ. وهُناكَ صُحُفٌ أُخْرَى لِصحابَةٍ آخَرينَ.

 

وبَعْدَ انْتِقالِ رَسولِ اللهِ، صلَّى الله عليه وسلَّم، إلَى الرَّفيقِ الأَعْلَى، كانَ للصَّحابَةِ العُلَماءِ مَجالِسُ لِلْعِلْمِ، وكانَ بَعْضُ تلاميذِهِم مِنَ التَّابعينَ يَكْتُبونَ عَنْهم ما يَسْمَعونَهُ مِنَ الحديثِ النَّبَوِيِّ، كما قالَ أبو الزِّنادِ، أحَدُ التَّابِعينَ مِنْ أَصْحابِ الزُّهْرِيِّ: «كُنَّا نَطوفُ مَعَ الزُّهْرِيِّ، ومَعَهُ الأَلْواحُ والصُّحُفُ، ويَكْتُب كلَّ ما يَسْمَعُ».

فَلَمَّا كانَتْ خِلافَةُ عُمَر بنِ عَبْدِ العزيزِ، كَلَّفَ اثْنَين من كِبارِ العُلَماءِ جَمِعَ الأحادِيث وتَدوينَها، هُما أبو بكرِ بن مُحَمَّدِ بنِ حَزِم (تَوفِّيَ 120هـ: 737م) والثَّانِي ابنُ شِهابِ الزُّهْرِيُّ الّذي مَرَّ ذِكْرُه (تَوُفِّيَ 125 هـ: 742م).

وقَدْ كانَتْ إنجازاتُ الزُّهْرِيِّ، رَحِمَه اللهُ فائِقَةً، استَفادَ مِنها كثيراً المصنَّفونَ من بَعْدِهِ.

 

– المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَرِحَلَةَ الاسْتِقْصاءِ والتَّرتيبِ المَوْضوعِيِّ للسُّنَةِ.

سارَ علَى طَريقَةِ الزُّهْرِيِّ كثيرٌ مِنَ العُلماءِ في الحَواضِرِ الإسْلامِيَّةِ الّتي كانَتْ تُعَدُّ مَراكِزَ عِلْمِيَّةً يَومَذاكَ: كان جُرَيْجٌ في مَكَّةَ، والإمامُ مالِكُ بنُ أنَسٍ في المَدينَةِ، ومَعْمَرُ بنُ راشِدٍ في اليَمَنِ، وهِشامُ بنُ حَسَّانٍ وسَعيدُ بنُ أَبي عَروبَةَ في البَصرَةِ، وسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ في الكوفَةِ، واللَّيْثُ بنُ سَعدٍ وابنُ لَهيعة في مَصْرَ.

ولِكُلِّ مِنْ هَؤُلاءِ مُؤَلِّفاتٌ في الأَحادِيث مَذْكورَةٌ في تاريخِ التُّراثِ العَرَبِيِّ.

 

– المَرْحَلَة الثَّالِثَةُ: مَرْحَلَةُ التَّصْنيفِ:

وعَنْ طريفِ الجُهود المذكورَةِ وكثيرٍ غَيْرِها، تَوافَرَ للِعُلماءِ مُنذُ نِهايَةِ العَصْرِ الأُمَوِيِّ وأَوائِلِ العَصْرِ العَبَّاسِيِّ، كمٌّ هائِلٌ وعَدَدٌ وافِرٌ من الأَحاديثِ النًّبَوِيَّةِ ومِنْ أقوال الصَّحابَةِ.

واتَّجَهَ العُلَماءُ إلى الاسْتِفادَةِ من هذه المادَّةِ عَنْ طريقِ تَأليفِ كُتُبٍ كِبارٍ، تَخْتارُ مِنَ الأحاديثِ النَّبَوِيَّةِ ما يَلزَمُ العِلمُ بِهِ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والآدابِ، كلٌّ بِحَسَبِ عِلمِهِ وفِقْهِهِ واجْتِهادِهِ.

 

– وهُناكَ تَقْسيماتٌ كثيرَةٌ لِكُتُبِ السُّنَّةِ، نشيرُ إلَى أشْهَرِها:

1- فَمِنْ حيثُ صِحَّةُ الأَحاديثِ وقُوَّةُ ثُبوتِها يَأْتي في الطَّبِقَةِ الأُولَى «صَحيحُ البُخارِيِّ»  و«صحيحُ مُسلِمٍ» و«المُوَطَّأُ» للإمامِ مالِكٍ ويليها سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ، وأَبِي دَاوودَ، والنَّسائِيِّ، ومُسْنَدُ الإمامِ أحْمَدَ، وسُنَنُ ابنِ ماجَه. (ويُطْلَقُ لَفْظُ «الصَّحيحَيْن» علَى كتابَيْ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، وإذَا قيلَ لِحَديثٍ: رَوَاهُ الشَّيخانِ، فَهُما المَقْصودان.

ويُطْلَق علَى سُنَنْ أَبِي داوودَ والتِّرْمِذِيِّ والنِّسائِيِّ وابنِ ماجَه: «السُّنَنَ الأَرِبَعَةِ». وإذَا قِيلَ: رَوَاهُ السِّتَّةُ فالمَقصودُ أصحابُ السُّنَنِ الأربَعَةِ إضافَةً إلَى البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ).

 

2- ومِنْ حَيْثُ طَريقَةُ التَّبْويبِ:

أ- فَهناكَ أوَّلاً كُتُبُ الصَّحاحِ، ومِنْها الكُتُبُ السِّتَّةُ السّابِقُ ذِكْرُها وأَيْضاً كتابُ المُوَطَّأُ للإمامِ مالِكٍ.

 

ب- وهناكَ كُتُبُ الجَوامِعِ، وهي الّتي تَجْمَعُ أَبْوابَ الحديثِ كُلَّها، وقَدْ اصْطَلَحوا علَى أنَّها ثمانيةُ أَبْواب: العَقائِدُ، والأَحْكامُ، والرِّقاقُ، وآدابُ الطَّعامِ والشَّرابِ واللِّباسِ.

والتَّفْسيرُ والتَّاريخُ والسِّيَرُ، والسَّفَرُ والقِيامُ والقُعودُ (وتُسَمَّى الشَّمائِلَ أَيْضاً)، والفِتَنُ، والبابُ الثَّامِنُ: المَنَاقِبُ والمَثَالِبُ. ومِنْ أمْثِلَةِ الجَوامِعِ: جامِعُ البُخارِيِّ، وجامِعُ التِّرْمِذِيِّ.

 

ج- وهُناكَ المَسانيدُ أو المَسانِدُ، ومُفْرَدُها مُسَنَدٌ، ويَقومُ التَّبْويبُ فيها علَى الصَّحابَةِ، بِمَعْنَى أَنْ تُذْكَرَ تَحتَ البابِ الّذي عنوانُه «أبو بكرِ الصِّدِّيقِ» الأَحاديثُ الّتي رَواها رَضيَّ اللهُ عَنْهُ،.

ومِثْلُ ذَلِكَ بَقِيَّةُ الصَّحابَةِ. واسْتَحَبَّ الّذينَ صَنَّفوا المسانيدَ البَدْءَ بالصَّحابَةِ العَشرَةِ المُبشَّرينَ بالجَنَّةِ، ثُمَّ يَليهِم المُقَدِّمونَ مِنْ أهْل بَدْرٍ، وهَكَذا بِحَسَبِ سوابِقِ الصَّحابَةِ في الإسْلامِ.

والمَسانيدُ كثيرَةٌ، وقَدْ انْتَشَر التَّأليفُ فيها بدءاً من النِّصْفِ الثّاني لِلْقَرْنِ الثّانِي للْهِجْرَةِ. وأوَّلُ مَنْ ألَّفَ فيها الطّيالِيُّ (تُوُفِّيَ 204هـ) وكتابُه مطبوعٌ) ثُمَّ الحُمَيْدِيُّ (تُوُفِّيَ 219هـ) ثُمَّ مسدَّدُ (تُوُفِّيَ 228هـ) ثُمَّ أبو بكر أبي شيبة (توفي 235هـ) ثم إسْحاقُ بنُ راهُوَيْه (تُوُفِّيَ 238هـ) ثُمَّ الإمامُ أحْمَدُ بنُ حَنْبَلُ (تُوُفِّيَ 241هـ، وكتابُه مطبوعٌ عِدَّةَ مَرَّاتٍ).

 

ومِنَ المسانيدِ المَشْهورَةِ مُسْنَدُ أَبي يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، وهو مَطْبوعٌ. وهناكَ مسانيدُ أُخْرَى.

د- وفَضْلاً علَى المسانيدِ، هناكَ أَنْواعٌ أُخْرَى من طَرائِقِ تَصْنيفِ الحديثِ النَّبَوِيِّ، منها المَعاجِمُ، والمُستَدْرَكاتُ، والمُسْتَخرَجاتُ، والأَجزاءُ، وغَيْرُها. فالمَعاجِمُ تُرتَّب الأَحاديثُ فيها علَى أسْماءِ الشُّيوخِ (الأَساتِذَةِ) الّذينَ رَوَى عَنْهُم المُؤَلِّفُ.

ورُبَّما رُتِّبتْ علَى أسْماءِ البُلْدانِ أو القَبائِلِ، ثُمَّ تُرَتَّبُ أَسْماءُ الشُّيوخِ أو البُلْدانِ أو القَبائِلِ علَى حُروفِ المُعْجَمِ، ويُذْكَرُ تَحْتَ كُلِّ اسْمٍ الأحاديثُ الّتي يختارُها المُؤَلِّفُ. وأشْهَرُ المعاجِمِ مَعاجِمُ الطَّبَرانيِّ الثَّلاثَةُ: الكبيرُ، والأوْسَطُ، والأَصْغَرُ.

 

والمُسْتَدرَكاتُ والمُسْتَخْرجاتُ تابِعَةٌ لِكتابٍ سَبَق تَأليفُه، ويضيفُ المُؤَلِّفُ في هذه وتِلْكَ إمَّا أحاديثَ إضافِيّةً أو أسانيدَ إضافِيَّةً، ومِنْ أمْثِلَتِهما: مُستَدرَكُ الحاكِمِ النِّيسابورِيِّ علَى الصَّحيحَيْن، ومُسْتَخْرَجُ أبي بكرٍ الإسماعِيلِيِّ علَى البُخَارِيِّ.

أمَّا الأجزاءُ فَتَجِمَعُ الأحاديثُ المَرْوِيَّةَ عَنْ رَجُلٍ واحِدٍ من الصَّحابَةِ أومَنْ بَعْدَهم، أو الأَحاديثَ المُتَعَلِّقَةَ بَموضوعٍ مُحدَّدٍ، كالقِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ، أو رَفْعِ اليَدَيْنِ في الصَّلاةِ، وهُما لِلْبُخارِيِّ، وكَجُزْءِ قيامِ اللَّيْلِ لِلْمَروزِيِّ.

ولَمْ يَتَوَقَّفْ في الأَحاديثِ النَّبِوِيَّةِ حتَّى اليومِ. فهناكَ كُتُبٌ تُرتَّبُ الأَحايثَ علَى أَوائِلِها تَرتيباً ألِفْبائِياً، أشْهَرُها «الجامِعُ الصَّغيرُ» للسَّيوطِيِّ وهو مَطْبوعٌ. وشَبيهٌ بهذا العَمَلِ ما تَجِدُه في الطَّبَعاتِ المُحَّقَقةِ لِلْكُتُبِ الحَديثِيَّةِ الكبيرَةِ كمُسْنَدِ الإمامِ أحْمد بن حَنْبَل.

 

وهناكَ كتابٌ كبيرٌ، في ثمانِيةِ أَجزاء، مِنْ عَمَلِ المُستَشرِقينَ، يُسَمَّى «المُعْجَمُ المُفَهْرَسُ لألفاظِ الحديثِ النَّبَويِّ»، يُمْكِنُكَ بواسِطَتِهِ اسْتِخراجُ حديثٍ من الكُتُبِ السِّتَّةِ مُضافاً إلَيْها مُوَطَّأ مالِكٍ ومُسْنَدُ أحْمد وسُنَنُ الدَّارَمِيِّ، إذَا كُنْتَ تَعْرِفُ لَفْظاً مِنْ ألفاظِ الحديثِ الّذي تريدُ البَحْثَ عَنْهُ ومَعْرِفَتَه.

ومِنَ الجديرِ بالذِّكْرِ أنَّه قَدْ طُبِعَتْ في الزَّمَنِ الأخيرِ مِئاتُ المُجَلَدَّاتِ وشَرْحِهِ، ومازَال في مَكْتَباتِ العالَمِ عَشَراتٌ من كُتُبِ السُّنَّةِ لَمْ تُطْبَعْ حتَّى اليَومِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق