العلوم الإنسانية والإجتماعية

المحك المناسب لتصحيح اختبار معد في إطار مهام بياجيه

1995 مستويات النمو العقلي

الدكتور محمد مصيلحي الأنصاري

KFAS

المحك المناسب لتصحيح اختبار معد في إطار مهام بياجيه العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

أكد بيايجه في سنواته الاخيرة (Piaget, 1970) على حقيقة ، ربما لم تلق الانتباه الكافي في بحوث إعادة التطبيق ، هذه الحقيقة تتمثل في إعتباره  أن نظريته في النمو العقلي المعرفي هي بمثابة تتبع لتطور البنى المعرفية عند الفرد.

على أساس أن البنى المعرفية تتضمن كلما يمكن أن نسميه بالمتغيرات التابعة ، وأن ما ينبغي أن تتمركز حوله كافة البحوث النظرية هو وجود وطبيعة هذه البنى المعرفية (Brainerd, 1979, P. 172)

 

أما عن طبيعة البنى المعرفية فقد سبق أن تعرضنا لها تفصيلاً في الإطار النظري لهذا البحث ، وأما عن وجود أو عدم وجود البنى المعرفيةن فهو الموضوع الذي استاثر بغالبية بحوث السبعينات فصاعداً ، والتي تميزت بكثرة الانتقادات المنهجية خصوصاً.

ويمكن القول ان أغلب هذه الانتقادات تنحصر في اتجاهين ، أولهما يتعلق بطريقة تقديم المثير أو عرض المهمة وما يترتب عليه من ىثار ، مثل عدم الانتباه ، النسيان ، سوء فهم التعليمات من جانب الطفل ، وكذلك طبيعة موقف الاختبار والمواد المستخدمة فيه ومدى تعقد المشكلة فيه وغيرها.

 

وقد عبر عن هذا النوع من الانتقادات بحوث مثل (Grififth, Shantz & Sigel, 1967), (Smdeslund, 19660, (Gruen, 1965), (Braine & ShanKs, 1965), (Hallx & Kingsley, 1968), (Saltz & Roskind, 1967) (Braine, 1959, 1962)

والاتجاه الثاني في هذه الانتقادات يتعلق بالاستجابة والأساليب المحددة المستخدمة لتفسير وجود بنية عقلية معرفية من عدمه ، اي كيف يمكن التعرف على وجود تلك البنية ؟ هل يكفي أن يصدر الطفل حكماً ؟، أم أنه لا بد أن يصدر حكماً ويتبعه بشرح يوضح لماذا اختار هذا الحكم ، وأيهما يعد الحد الأدنى من الدليل الضروري على وجود البنية المفترض وجودها والكامنة في حل الطفل لمهمة من مهام بياجيه ، المعروضة عليه ؟

ولقد أشار جروين إلى أن "هذه اختلافات حاسمة ليس فقط بسبب الاعتبارات المنهجية ، ولكن أيضاً لأنها تعكس اختلافاً خاصاً بطبيعة الإجراءات المستخدمة في الكشف عن المفاهيم التي تتعامل معها نظرية بياجيه".  (Gruen, 1966, P. 982).

 

كما ينظر هوبر وسيجل إلى الباحثين الذين يطالبون بتبرير الطفل لاستجاباته على أنهم يبحثون عن العمليات العقلية الكامنة وراء هذا الحكم ، في حين ينظر ان إلى الباحثين الذي يقبلون مجرد التعرف على التشابه والاختلاف في المعروض على الاطفال على أنهم يبحثون فقط عن التميز الإدراكي (Sigel & Hooper, 1968, P. 524) ويعقبان على البحوث من النوعي ، بأن التي تتطلب تبرير الحكم من شأنها أن ترفع درجات الاستجابة.

ويبدو الاطفال فيها وكأنهم على إلى العمليات العقلية وفي أعمار مبكرة من غيرهم من الأطفال ، وهذا ما يفسر التباين في نتائج البحوث التي اتبعت أياً من هذين الأسلوبين . 

ويؤكد هذا المعنى غالبية الباحثين المنتمين إلى مدرسة جنيف ، حيث يسود الاعتقاد بأن استخدام التبرير المنطقي هو الطريق الوحيد الواضح لقياس مفاهيم نظرية بياجيه يصدق " البنى المعرفية كما وصفها بياجيه وكما توجد في عملية مثل الاحتفاظ ، تبدو لنا معقدة ، نظام متناسق ، بحيث لا يمكن أن تقوم تقويماً صحيحاً ببحوث تعتمد الاستجابات المختصرة على أسئلة محددة سلفاً دونما استكشاف لتبرير الطفل لهذه الاستجابات" (Inhelder, Smock, Bovet & Sinclair, 1966, P. 217).

 

وجهة النظر الأخرى في الموضوع قدمها برين في رسالته للدكتوراه 1959، مشيراً إلى أن اختلاف النتائج التي توصل إليها عن النتائج التي توصل إليها بياجيه ، لا ترجع ببساطة إلى اختلاف في الإجراءات التجريبية أو في المحك المستخدم لتصحيح استجابات الأطفال.

ولكنها ترجع إلى أن التصميم التجريبي عند بياجيه يفشل في التخلص من عدد من المتغيرات المهمة غير المتضمنة في تحديد العمليات التي هو بصدد بحثها (Braine, 1959, P. 316) ثم قادم برين 1962.

تصوراً لمحك تصحيح الاستجابة الذي يحرص على الأخذ به معتمداً على الاستراتيجيات (Bruner, Goodnow & Austen, 1956) في تكوين المفهوم حيث قرروا أنه من الممكن من خلال سلسلة من الأحكام الثنائية (مجرد الاستجابة دون شرح) التعرف على مفاهيم بسيطة استقرائياً ، ومنها يتم تحديد ماذا كان الطفل قادراً على الوصول إلى أنماط ذات صلة بالعمليات العقلية الكامنة وراء المفهوم المطلوب قياسه .

 

ومن خلال الجدل الطويل الذي دار بين (Smedslund. 1963, 1969) (Braine, 1962) يمكن التوقف عند نقطتين لهما أهميتهما فيما يخص الجذور النمائية للبنى المعرفية ، إذ أن بياجيه كان مهتماً بهما وبشكل ظاهر وهما :

– هل هذه البنى بمعنى أنها تتولد من كل ما هو ذكي في العقل الإنساني ؟

– أم هل هذه البنى لغوية بمعنى أنها تتجسد في البنى الظاهرة للغة الإنسان؟

 

وبطبيعة الحال فإن المعروف أن بياجيه يقرر كونها منطقية أكثر منها لغوية ، ويدافع عن ذلك بانها تتولد من خلال مجموعة من الخصائص العامة للسلوك ، مثل التبادلية والانعكاسية وما يحدث بينهما من تماسك واندماج (Piget, 1970, Ch.5)

ويزودنا فلافل بأهم تعليق في هذا الموضوع حين يقول : "يعامل السلوك اللغوي كمتغير تابع وتعامل المعرفة كمتغير مستقل" (Flavell, 1963, P. 271) وعلى هذا الأساس فإن النظرية لا تفشل فقط في تبرير الأخذ بمحك الشرح بل إنها تجعل مثل هذا المحك يبدو خاطئا.

في حين إنها تؤكد على محك الحكم وكونه مناسبا لتحديد وجود البنى المعرفية ، وإن التبريرات المنطقية اللفظية المطولة قد تكون كافية للدلالة على وجود البنى المعرفية لكنها ليست شرطا ضروريا لهذا الوجود طالما أن اللغة تعامل وبحسم كمتغير تابع لهذه البنى المعرفية.

 

وبالإضافة إلى ذلك، فإن البحوث التي أجريت على الصم (Furth, 1964, 1971) قد أجريت على ما سبق ان أكده بياجيه من أن البنى المعرفية تتولد وتظهر منطقية أكثر من كونها لغوية ، ولذا فإن الأطفال العاديين والأطفال الصم يكتسبون عمليات عقلية معرفية محددة وبنظام واحد في وقت واحد. 

ويستطيع الباحث أن يحكم على استجابات الأطفال الصم المتمثلة في أحكام وليس شروحاً دون حاجة إلى هذه الشروح (Brainerd, 1979, P. 178)، نقطة أخيرة تتصل بمحك الشرح والنقص الملحوظ في البحوث التي استخدمته من حيث أساليب رصده وتسجيله وتصنيفه وتحليله ، وبالتالي إمكانية الانتفاع به لإثبات وجود البنى المعرفية من عدمه.

 

الأمر الذي دفع منتقدي استخدام محك الشرح إلى القول بأنه حتى يتوافر ولو قدر من الاتفاق على كيفية تصنيف هذه الشروح فإن استخدام محك الشرح يظل من الأمنيات الفكرية (Breslow, 1981, P, 349)

وتظل اللغة  التي يمكن أن يبرر بها الطفل فعل مجرد تابع في مقابل ما لديه من بنية معرفية وخاصة من خصائص هذه البنية المعرفية وهذا ما دفع الباحث إلى الاعتماد على استجابة أو حكم الطفل كمحك مناسب لتصحيح الاختبار المستخدم في البحث الحالي .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق