العلوم الإنسانية والإجتماعية

المجتمع المدني ودولة الرفاه في مجتمع السوق النابض بالحياة

2014 مجتمع السوق

سبايز بوتشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

أثرت مدرسة الليبراليين الجدد أيضاً في النقاشات التي تدور حول المجتمع المدني. وفقاً لهذه المدرسة، يجب أن يكون دور الدولة في الحياة الاقتصادية محدوداً. غير أن بعض واضعي النظريات في شأن السوق الحرة اعتبروا أن إلغاء دعم الدولة (كالخدمات الصحية العامة) قد يشكل حافزاً للمواطنين كي يسعوا إلى بناء التعاونيات وإنشاء رابطات المدخرات والائتمانات المتجددة كي يساعدوا أنفسهم. فقد حلت دولة الرفاه مكان التعاونيات وأضعفت المجتمع المدني والاعتماد على الذات (Green 1993).

في أواخر تسعينات القرن الماضي، اجتمعت الهواجس الاجتماعية الناتجة عن خسارة المجتمع مع الجهود الليبرالية الجديدة بهدف تقليص دور الدولة في الاقتصاد. وحتى بعض المعارضين التقليديين الرافضين إصلاح السوق، كالنقابات العمالية والأحزاب السياسية الديمقراطية الاجتماعية٬ قبلوا التحليل الذي يعتبر أن العولمة جعلت من الصعب على الدولة أن تضطلع بدور فاعل في الاقتصاد. غير أن عدداً من هؤلاء النقاد التقليديين لم يوافقوا على الهجوم الذي شن على دولة الرفاه، مشيرين إلى أن المدرسة الليبرالية الجديدة قد تقوض التماسك الاجتماعي عبر تعزيز الانفرادية.    

ظهر "الطريق الثالث" كإجابة قوية لهذه القوى، إذ جمع بين نقاط معينة من النقد الليبرالي الجديد وبين السياسات الأكثر محافظة التي تعتمدها دولة الرفاه. نشأ هذا المفهوم أولاً في أستراليا، حيث تعاونت حكومة العمل تعاوناً وثيقاً مع النقابات العمالية بهدف تطبيق إصلاحات السوق في ثمانينات القرن الماضي (Frankel 1997). ثم انتشر "الطريق الثالث" في بريطانيا٬ والولايات المتحدة الأميركية، وفي أجزاء من أوروبا القارية. من أهم مناصري "الطريق الثالث" كان عالم الاجتماع البريطاني أنطوني غيدنز (ِAnthony Giddens 1998).

انتقد غيدنز اقتصاد عدم التدخل وأراد أن يقوّي المجتمعات ويعطي الأسواق دوراً أكبر في السياسات العامة. وشكل "الطريق الثالث" نوعاً من التسوية بين المنطق الليبرالي الجديد الراديكالي ومفاهيم شكل قديم للديمقراطية الاجتماعية.

 يكمن مفتاح هذه المقاربة في قبول دور أكثر محدودية للدولة في تنظيم النتائج الاقتصادية بشكل مباشر. وفي المقابل، تضطلع الدولة بدور جوهري في مساعدة المواطنين على التنافس في السوق العالمية الجديدة وتقوي المجتمعات على المستوى المحلي. فالاستثمار في التعليم مثلاً سيسمح للعاملين بالتنافس على وظائف ذات أجور عالية.

على المستوى المحلي نادى "الطريق الثالث" بنقل بعض الوظائف الحكومية إلى القطاع غير الحكومي، ما قد يؤدي إلى تعزيز المجتمع المدني والمجتمع بشكل عام. أصبحت المنظمات الاجتماعية أكثر مرونة وازدادت استجابتها للشواغل المحلية أكثر منها للبيروقراطيات الكبيرة.

شدد "الطريق الثالث" على الإدماج الاجتماعي الذي عادة ما شمل تشجيع الأفراد على الدخول إلى سوق العمل. وشكل عدد العائلات التي لا تتضمن فرداً واحداً يزاول عملاً مأجوراً مصدر قلق بالنسبة إلى واضعي نظريات "الطريق الثالث"٬ لأن ذلك قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من الفقر والإقصاء الاجتماعي لأطفال تلك العائلات (Powell 2000). وكنتيجة لذلك وضعت برامج لتشجيع (أو حتى إجبار) أولياء الأمر العازبين٬ والعاطلين عن العمل لفترات طويلة، والمعوقين على الإنضمام إلى اليد العاملة.

عكس هذا جزئياً التأثير المتزايد للأفكار المجتمعية، ولكنه كان غالباً على اتساق مع الإصلاح الليبرالي الجديد. في الواقع٬ أطلق البعض على "الطريق الثالث" تسمية "حصان طروادة" الليبرالي الجديد (Green & wilson 1999). رأت المدرستان أن التدخل في سوق العمل مهم: فالمدرسة الليبرالية الجديدة اعتبرت أنه يعزز الكفاءة والإنتاجية وتلك المجتمعية ارتأت أنه يعزز التماسك الاجتماعي ويسهم في الاندماج في قيم المجتمع. وفضلت المدرستان الاستعانة بالمنظمات غير الحكومية لتوفير خدمات الرفاه. 

من يحكم؟

من الأمثلة على عملية نقل برامج دولة الرفاه إلى المنظمات غير الحكومية، الإصلاحات التي أجريت في أستراليا. كان أحد العناصر يقضي بإنشاء أسواق "موجهة" أو "شبه" أسواق جديدة (الفصل 6) حيث تتلقى المنظمات غير الحكومية الأموال الضرورية لتوفير الخدمات بالنيابة عن الدولة.

يقول مايكل كيتينغ (Michael Keating) في كتابه من يحكم؟ (Who rules?) (2004) إن هذه الأسواق الموجهة تسمح للحكومات بفرض سيطرتها على جوانب مهمة من تسليم الخدمات من دون أن تديرها بطريقة مباشرة. تفعل الحكومات ذلك عبر وضع القواعد (كالمعايير الدنيا المطلوبة لإنشاء مركز لرعاية الأطفال) وعبر تأمين الحصة الكبرى من التمويل. وبالتالي٬ يؤمن القطاع الخاص الذي لا يبغي الربح الخدمات، ولكن وفقاً للقواعد التي وضعتها الحكومة.

يؤيد كيتينغ استخدام "الأسواق الموجهة" (Managed Markets) كطريقة فعالة تسمح للدول بالحصول على النتائج التي تريدها. غير أن بعض واضعي النظريات أعربوا عن قلقهم من هذه المسألة والمثير للاهتمام هو أن هؤلاء يعتمدون مقاربات مختلفة للمجتمع المدني. والمثال على ذلك هو مدير مركز المجتمع المدني فيرن هيوز  (Vern Hughes)(2011) الذي عمل مع فرق تتبنى التفكير الليبيرالي الجديد والذي اعتبر أن تحكم الحكومة بالتمويل قضى على التطوع في المنظمات غير الحكومية. فلأن المنظمات تحصل على التمويل من قبل الدولة لتوفر الخدمات، بدأت توظف عمالاً مأجورين وتتبع القواعد التي وضعتها الدولة، بدل أن تسترشد بمبادىء التبادلية.

عبر جون فالزون (John Falson) (ABC 2006) المدير التنفيذي لمركز "سانت فنسنت دو بول" في أستراليا٬ عن وجهة نظر تتناسب مع النظرية النقدية، إذ سلط الضوء على الأسباب البنوية للفقر والحاجة إلى معونة اجتماعية قوية. وانتقد أيضاً النموذج المعتمد، قائلاً إنه يجبر جمعيات الكنائس على التواطؤ مع سياسات الدولة التي توصم المستفيدين من الخدمات عبر فرض الغرامات والعقوبات على كل من لا يلتزم بقواعد الدولة.

يدفعنا هذه النقد إلى جانب دفاع كيتينغ عن إلقاء مسؤولية تأمين خدمات الرفاه على عاتق منظمات المجتمع إلى إدراك الحاجة الماسة للتدقيق في تفاصيل السياسات الموضوعة. كيف ينخرط المجتمع المدني في توفير الخدمات؟ ومن هو المستفيد الأكبر من هذه العملية؟

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق