الكيمياء

الكيفية التي تتم بها صناعة “الألماس” والخصائص التي يتمتع بها

2002 في رحاب الكيمياء

الدكتور نزار رباح الريس , الدكتورة فايزة محمد الخرافي

KFAS

صناعة الألماس الكيمياء

حلم الكيميائيون وأصحاب الصنعة منذ قديم الزمان بتحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة كالذهب .  وعلى الرغم من مرور مئات السنين على هذا الحلم . 

ورغم التقدم الهائل الذي تحقق في مجال علم الكيمياء ، إلا أن هذا الأمر بقي حلماً عصيّاً على التحقيق .  لكن هذا الحلم لم يتبدد وبقي ماثلاً في أذهان الكثيرين وفي خيالاتهم . 

ففي إحدى حلقات مسلسل "سوبرمان" التليفزيونية ، نشاهد "الرجل الفولاذي" يتناول قطعة من الفحم في يده ويضغط عليها بقوته الخارقة ويسلط عليها أشعة سينية تنطلق من عينه ، وعندما يفتح يده ، يكون الفحم قد تلاشى وتحول إلى قطعة من الماس بحجم حبة البندق .

 

وقد رأى الناس هذا المشهد الخيالي على شاشة التلفاز عام   1957 ، ولم تمص سوى ثلاث سنوات إلا وقد تحقق الحلم وتمكن الباحثون من تصنيع الماس أغنى الجواهر وأندرها من مواد متوافر بكثرة وبخسة الثمن .

إن الظروف اللازمة لاصطناع الماس تتلخص في كلمتين : الحرارة والضغط .  ومثل هذه الظروف لم تكن متوافرة على سطح الأرض ولكن في باطنها وعلى اعماق سحيقة تتراوح بين مائة ميل وثلاثمائة ميل في عمق الكرة الأرضية وبالقرب من صخور في باطن الأرض تسمى بالغلاف . 

وعلى مثل هذه الأعماق يتعرض الكربون إلى تأثير درجات الحرارة العالية والضغط الهائل لعدة ملايين من السنين لتتكون قطع الماس بأحجام مختلفة . 

 

ولقد وجد العلماء أن هذه القطع الماسية تنتقل إلى سطح الأرض عبر قنوات تتكون في القشرة الارضية وتقذف الحمم والبراكين بهذه الماسات إلى ظاهر الارض .

ونظرا الجمال الماس وروعته فقد سحر الباب الناس منذ قديم الزمان ، واعتقد البعض انه قطع من كواكب أخرى سقطت على كوكبنا أو أنها كميات صغيرة من الماء تجمدت لازمنة طويلة ، لكن الحقيقة غير ذلك تماماً . 

ذلك أن الماس يتكون من ذرات الكربون وهو في هذا لا يختلف من الناحية الكيميائية عن الفحم العادي الذي نشغله في المدافئ والافران او الجرافيت المستخدم في صناعة أقلام الرصاص . 

 

لكن ما يميز الماس عن غيره المركبات الكربونية هو طريقة ارتباط ذرات الكربون بعضها ببعض .  ففي الجرافيت مثلاً ترتبط ذرات الكربون ببعضها مكونة صفائح كربونية تكون الروابط فيما بينها قوية ، ثم ترتبط هذه الصفائح مع بعضها بروابط ضعيفة ، بحيث نستطيع الصفائح أن تنزلق عن بضعها البعض مما يكسب الجرافيت ملمساً زلقا ًويجعله صالحاً لاستخدام في اغراض التشحيم والتزليق . 

أما الماس ، فإن ذرات الكربون فيه ترتبط ببعضها البعض بحيث تكون كل ذرة كربون مرتبطة باربع ذرات كربون أخرى مشكلة ما يشبه الهرم ، وترتبط هذه الأهرامات ببعضها على شكل شبكة فائقة القساوة والصلابة ودرجة انصهارها عالية .  لذا يعتبر الماس أقسى واصلب مادة معروفة حتى الآن ، وعلاوة على ذلك فهو أكثر المواد بريقاً ولمعاناً . 

ويمكن تفسير السبب في تلألؤ الماس ولمعانه إلى قدرته الهائلة على كسر ااشعة الضوية وبالتالي الحد من سرعتها .  ذلك أن سرعة الضوء في الفراغ تبلغ حوالي 186.000 ميل / ثانية ، ولكنها تنخفض في الماء إلى 140.000  ميل / ثانية . 

 

أما في الزجاج العادي فإنها تصبح 120.000 ميل/ ثانية ، لكنها في الماس تقل عن ذلك كثيراً لتصل إلى 77.000 ميل / ثانية .

وهذا يعني أن سرعة الضوء داخل الماس تقل بنسبة %60 عن سرعته في الفراغ .  ومثل هذا الأمر يؤدي إلى زيادة انكسار الضوء داخل بلورة الماس مما يجعله يتسكع داخل هذه البلورة قبل النفاذ منها مما يكسبها بريقاً ولمعاناً . 

وعلاوة على ذلك فإن انكسار الضوء يجعله يتشتت إلى ألوان الطيف المختلفة داخل الماسة مما يجعلها ترصف بالالوان إضافة إلى بريقها ولمعانها .

 

وعلاوة علي قسوة الماس وصلابته وجماله وبهائه ، فغنه يتمتع بقدرته فائقة على تحمل الظروف القاسية ، فهو مقاوم للأحماض وتأثيرات المواد الكيميائية الأخرى ، وهكذا فلا عجب إن كان ثمنه مرتفعاً .

والآن كيف استطاع الإنسان أن يحقق حلمه وأن يصنع الماس .  هذه الجواهر النفيسة البهية النادرة  في حقيقة الامر ، كانت المشكلة تنحصر في كيفية الحصول على كم هائل من الضغط والمحافظ عليه لفترة زمنية معقولة . 

وهكذا انشغل الباحثون في هذا الأمر . وكانت البداية الحقيقية مع جارب بيرسي بريدغمان (P. Bridgman) الذي قضى نصف قرن في البحث في هذا المجال .

 

 وفي عام 1910 حصل على ضغط زاد على عشرين ألف ضغط جوي .  وخلال العقدين التاليين عرض العديد من المواد لهذا الضغط العالي ودرس التحولات التي تحدث لهذه المواد ، ومن أمثلة ذلك أنه تمكن من تحويل الماء إلى ثلج عن درجة حرارة الغرفة (حوالي 25° سيليزية) وتحت هذا الضغط الهائل .

وخلال الثلاثينيات بدأ بريدغمان في تطوير آلته لرفع كفاءتها ، وتوصل إلى ضغط مقداره حوالي 400.000 ضغط جوي (أي ما يعادل ثلاثة آلاف طن على كل بوصة مربعة) . 

وقد حاول بريدغمان أن يستخدم هذا الضغط الهائل لإنتاج الماس من الكربون ولكن تجاربه التي استمرت لاعوام لم تسفر عن نتيجة ملموسة .  وعلى الرغم من ذلك فقد منح الباحث جائزة نوبل في الفيزياء عام 1946 تقديراً لجهوده في ابحاث الضغط العالي .

 

لكن أول نجاح حقيقي جاء يوم السادس عشر من شباط (فبراير) لعام  1953، حين تمكن العالم السويدي إيريك لندبليد (E.Lindbled) من تعريض الجرافيت إلى ضغط مقداره  من تعريض الجرافيت إلى ضغط مقداره 83.000 ضغط جوي وحرارة عالية لمدة ساعة كاملة ليحصل بعدها على أول قطعة من الماس اصطناعي .  لكن الشركة التي كان يعمل فيها هذا الباحث لم تقم بتسجيل براءة اختراع لهذا العمل الكبير وبقي طي الكتمان

وانتقلت الكرة بعدها إلى ملعب الشركة الأمريكية المعروفة "جنرال إلكتريك"، ففي يوم الخميس بتاريخ 16 كانون اول (ديسمبر) 1954 تمكنت الباحثة "تريسي هال" (T. Hall) من تعريض عينة كربونية من الجرافيت إلى ضغط بلغ مائة ألف ضغط جوي وحرارة بلغت 1600 درجة سيليزية لمدة 38 دقيقة.

وعندما فتح إناء التفاعل اصيبت بدهشة بالغة ، وقد وصفت بنفسها هذا الموقف حين قالت : " لقد بدأت يداي ترتعشان ، وخفق قلبي بشدة ، وضعفت ركبتاي حتى كادتا أن تعجزا عن حملي . 

 

وغمرتني مشاعر لا يمكن وصفها وبحثت عن اقرب مكان لأجلس فيه .  لقد رايت عيناي بريقاً ساطعاً يتاثر من عشرات البلورات المالسية .  وأدركت حينها ان الإنسان قد تمكن في النهاية من صنع الماس".

ومنذ ذلك الوقت أصبحت صناعة الماس في متناول اليد باستخدام أية مادة غنية بالكربون ، مثل الغرانيت او البلاستيك أو الخشب أو السكر أو حتى زبدة الفول السوداني .

والآن يشكل الماس الاصطناعي أكثر من 80 بالمائة من مجموع الماس المستخدم في العالم . 

وينتج من هذا الماس سنوياً حوالي مائة طن معظمها للاستخدامات الصناعية ولكن يبقى الماس الطبيعي هو المفضل لأغراض الزينة لجماله وكبر حجمه .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق