التاريخ

العوامل التي ساهمت بازدهار العلم في العصر الإسلامي

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

ازدهار العلم في العصر الإسلامي التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

ونظراً لتلك النهضة العلمية الكبرى التي ازدان بها العهد الأول للإسلام، فلا بد أن هناك عوامل كانت المسؤولة عن ذلك ، نجملها في العوامل الخمسة التالية :

 

1- المكانة الرفيعة للعلم في الإسلام: رفع الإسلام من قدر العلم والعلماء، متمثلاً في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة. فأول ما نزل من آيات القرآن الكريم يحث على العلم  "اقرأ باسم ربِّك الذي خلق . خلق الإنسان من عَلَقْ .

اقرأ وربُّكَ الأكرم الذي علَّم بالقلم . علَّم الإنسان ما لم يعلم". ويقول عزَّ من قائل : "يرفعُ الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العِلْمَ درجات" و "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وقد حثَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على طلب العلم أينما وجد "اطلبوا العلم ولو بالصَّين" ، وجعل التعليم حقا للطفل المسلم على والديه "إن من حق الطفل على والديه أن يعلِّماه الكتابة والسباحة والرَّماية".

 

ويقول : "لموت قبيلة أيسر من موت عالم" و "يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدماء الشهداء" و "ولا خير فيمن كان من أمَّتي ليس بعالمٍ ولا متعلم" و "تعلموا العلم، وتعلموا له السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه".

وجعل للعلماء ارفع المنازل ، إذ يقول : "العلماء ورثة الأنبياء" و "إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة" .

 

2- أهمية العلم لمتطلّبات الديَّن: كان الديَّن الإسلامي أساس تقدم العلوم المختلفة، حيث إنه كان من اللازم إنشاء علوم تتصل بكلام الله (علوم القرآن) وبتعاليم الرسول (علوم الحديث). كما نشأت علوم الشريعة والفقه أساساً للحياة السياسية والاجتماعية في ذلك الوقت.

أماعلم الكلام والفلسفة والمنطق فكانت كلها موجهة لمناقشة المشكلات الأساسية في الإيمان والمتعلقة بالوحدانية وقصة الخلق والكون ومصير النفس والبعث والقضاء والقدر وغيرها. ثم كانت هناك  حاجة إلى علم الفلك والحساب لغاياتٍ عامة مثل تفهم الكون ولغايات عملية كذلك مثل تحديد وجهة القبلة وتحديد مواعيد الصلاة وتحديد بدء الصوم ونهايته في شهر رمضان .

 

وكانت الرياضيات لازمة لحساب كيفية توزيع التركات وشؤون الميراث، بينما كانت الجغرافيا أساساً للتعرف على البلاد والشعوب الإسلامية المختلفة ولتوجيه الحجَّاج الذين يأتون من جميع أنحاء العالم.

أما التاريخ فقد ابتدأ بدراسة سيرة الرسولة صلَّى الله عليه وسلَّم والتعريف بالأمم التي ذكرها القرآن.

لا شك إذن في أن الإسلام كان بمثابة القوة الدافعة وراء إنشاء كل هذه العلوم والتعمق فيها. وقد ذكر "برنارد لويس" عام 1966 أن "الإسلام لم يُرسِ فقط اساس الدَّين والعبادة وإنما وضع ايضاً نظم الدولة والمجتمع والقانون والفكر والفن، حضارة محورها الأساسي والقوة المسيطرة فيها هو الدَّين أي أن الدين كان أساساً لإبداع المسلمين وإنجازاتهم الحضارية والعلمية الفريدة" .

 

3- تشجيع القيادة السياسية للعلم والمتعلِّمين: فقد دأب الخلفاء والأمراء والولاة على تشجيع البحث والدراسة والقيام بالتجارب والترجمة. وقاموا بمنح البحوث الأصلية والمترجمة جوائز تعادل أحياناً وزنها ذهباً !.

ولعلنا نذكر كيف كافأ السلطان مسعود البيروني لمَّا أهداه كتابه القانون بمكافأة ضخمة كانت حمل فيلٍ من القطع الفضية! . حقاً لقد كان خلفاء المسلمين يعدون أنفسهم حماة العلم وحرَّاسه ويرون أن قصورهم يجب أن تكون مراكز إشعاع لنور العلم والمعرفة. فقد أنشأوا المكتبات، وبنوا المدارس، كما أقاموا الجامعات التي كانت تلحق عادةً بالمساجد .

ولم يقتصر العطاء للعلم من الخلفاء فقط بل امتد إلى الأسر الثرية والأعيان كالبرامكة وبني موسى بن شاكر .

 

وكم كانت دهشة أحد الأباطرة البيزنطيين عندما علم أنه من بين الشروط التي فرضها عليه العرب عند انتصارهم أن يسلَّمهم المؤلَّفات الإغريقية وسائر الوثائق العلمية الأخرى الموجودة لديه!.

ومن نوادر احترام الحكام للعلماء أن الخليفة المعتضد تبيَّن يوماً أنه وضع ذراعه، بغير قصد، على ذراع العالم الطبيب "ثابت بن سنان" وسرعان ما سحبها قائلا : "اغفر لي أبا الحسن، فما ليدٍ أن تعلو على يد عالم" .

 

4- الموسوعة العلمية : إذ كان من بين أسباب التقدم السريع الذي حقَّقته الحركة العلمية في الإسلام تعدد جوانب الإحاطة العلمية بين العلماء. فقد كان العالم يجمع بين العديد مما نسميه اليوم "التخصصات العلمية" في العلوم الدينية والمدنية والإنسانية والطبية والطبيعية.

ومن هنا كان من الممكن وجود طبيب حاذق، هو في الوقت نفسه فيلسوف وصيدلي وفيزيقي وكيميائي ونباتي وجيولوجي وحيواني ولغوي وشاعر وموسيقى!. وابن سينا من أظهر الأمثلة على ذلك، وغيره كُثُر .

 

5- مرونة اللغة وتوافر المراجع: لغتنا الجميلة مرنة، يجدها الكثيرون من الكتاب المعاصرين أصلح ما تكون للتعبيرات العلمية الدقيقة والمحاورات الثقافية والفلسفية .

وقد أظهر العرب تقديرهم للكتب بإتاحتها للجمهور على الدوام عن طريق المكتبات الملحقة بالمساجد والقصور والمدارس والجامعات. وقد احتوت بعض هذه المكتبات، مثل مكتبة مدينة قرطبة ، على أكثر من 400,000 مجلد .

ويُروى أنه عندما أغار التتار على مكتبة بغداد عام 1260 م ألقوا بالكتب في النهر، فكوَّنت جسراً عبر عليه جيشهم!! . وقد كانت هذه الكتب مخطوطة باليد، فلما اخترع الصينيون الورق، تم إنشاء مصانع له في بغداد والعواصم الإسلامية الأخرى قبل معرفة أوروبا له، مما أدّى إلى رواج الكتب في العصر الإسلامي.

ويقدَّر عدد المراجع العربية التي تم إنقاذها من التدمير والضياغ في المكتبات العالمية اليوم بنحو ربع مليون مرجع على الأقل. ولم يتم بعد فحص كل هذه الثروة العلمية، وحين يتم ذلك سيتبيَّن للعالم مدى أسبقية علماء العرب في مختلف العلوم والفنون ومدى إسهامهم في الثقافة العالمية .

 

وفضلاً عن العوامل الخمسة المشار إليها، يضيف عبدالحليم منتصر في كتابه "تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه"، العوامل الأربعة التالية:

1- حرية الرأي العلمي، فلم يتعرَّض عالم عربي لمحنة بسبب رأيه العلمي.

2- استعلاء العلماء بعلمهم وزهدهم في الترف والسلطان .

3- الصفات الفطرية، كالذكاء وقوة الذّاكرة وحضور البديهة .

4- الصبر والمثابرة، حتى أن أعمال العالِم فيهم لتعد بالعشرات وأحياناً بالمئات ! .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق