
بقلم: دين بورنيت
إذا كنتَ لا تزال تحتفظ بهذه النسخة من مجلة «كيف تعمل الأشياء»، فمن المفترض أنك لستَ مصابًا برُهاب العناكب Arachnophobia. يُرجَّح أن عديدًا من القراء، عندما شاهدوا الصورة على الصفحة المقابلة، أطلقوا صرخة مرعبة، وألقوا بالمجلة عبر الغرفة وربما أحرقوها. قد يبدو هذا بمنزلة رد فعل متطرف لشيء هو في النهاية مجرد صورة. لكن كثيرًا من الناس يخافون بشدة من العناكب – خاصة عندما لا يتوقعون وجودها.
ليس هناك ما يدعو إلى الخجل من هذا الأمر. فالجميع يخافون من شيء ما، وفي الواقع يخاف معظم الناس عديدًا من الأشياء بدرجات متفاوتة. وعلى الرغم من أن ذلك قد يبدو غير منطقي، إلا أن الخوف في الحقيقة أمر جيد. فالعالم الطبيعي حافل بالمخاطر والمهددات، وأضاف المجتمع البشري إليها تهديدات أشد تعقيدًا وتقلُّبًا بنمط يومي. ولذلك من الطبيعي أن نشعر بالخوف.
”تضخ الغدتان الكظريتان الأدرينالين عبْر مجرى الدم، ويرسل الجهاز العصبي السمبثاوي إشاراتٍ تفيد بأن الخطر وشيك“

ليس الخطر الذي يهدد الحياة وحده هو ما يثير استجابة الخوف؛ بل يمكن أن تكون الأسباب أكثر بساطة، مثل فقدان الوظيفة أو تناول أطعمة غير مألوفة. لكن هناك فرقًا بين الخوف المنطقي والخوف الذي لا يستند إلى أي أساس عقلاني. تُعَد الأمثلة التي ذكرناها منطقية: قد يؤدي فقدان الوظيفة إلى الفقر والخسارة، بينما قد تُسبب الأطعمة الغريبة أو غير المألوفة ردود فعل بيولوجية ضارة إذا احتوت على مكونات لا يستجيب لها الجسم بنحو جيد. وهذه أمور يجب تجنُّبها.
لكن ماذا لو كنتَ تخاف من شيء لا يُشكل أي خطر أو تهديد؟ هذا ما يُعرف باسم «الرُّهاب» Phobia. يعاني عدد لا يُحصى من الأشخاص أنواعًا مختلفة من الرهاب، وتظهر هذه الحالات بطرق متعددة ومتنوعة. ولكن ما الرُّهاب؟ ومن أين يأتي؟ وماذا يمكننا أن نفعل حياله؟
من المهم أن نلاحظ أن الرهاب، بحسب تعريفه تقريبًا، لا يبدو منطقيًا، لذا فإن محاولة إقناع المصاب «برؤية الأمور بعقلانية» لن تنجح غالبًا. وفي الواقع أحد المعايير المستخدَمة لتشخيص الرهاب هو إدراك المصاب للطبيعة غير المنطقية وغير العقلانية لمخاوفه، ومع ذلك يستمر في الشعور بها. العقل البشري شديد التعقيد، وهناك عديد من الطرق التي يمكن من خلالها النظر إلى شيء يبدو غير مؤذٍ على الإطلاق باعتباره خطيرًا أو مخيفًا – سواء كان ذلك نتيجةً لتجاربَ سابقة، أو معلومات خاطئة، أو مجرد ارتباط غير مألوف بين العصبونات.
قد لا يكون هناك منطق للخوف، لكن رد الفعل البيولوجي حقيقي جدًا. يؤدي الخوف إلى إثارة ردود فعل فسيولوجية، يتعلق معظمها باستجابة «القتال أو الهروب» المعروفة. تضخ الغدتان الكظريتان الأدرينالين عبْر مجرى الدم ويبدأ الجهاز العصبي السمبثاوي Sympathetic Nervous System في إرسال إشارات إلى بقية الجسم بأن هناك موقفًا خطيرًا وشيكًا، مما يسبب عديدًا من التغيرات في جسمك. تكون هذه الاستجابة هي نفسها سواء كان سبب الخوف منطقيًا أو لا، وهذا هو السبب في أن الرهاب قد يكون قويًا جدًا.
خمسة أنواع غير عادية من الرُّهاب
يبدو الأمر غريبًا، لكن قد يكون هناك سبب لهذه المخاوف الغريبة
1 رهاب المهرجين الخوف من المهرجين
كثير من الناس يخافون من المهرجين. لقد تطور البشر ليصبحوا حساسين جدًا لوجوه الآخرين، لذا ربما تكون السمات المبالغ فيها بشكل غريب التي يبديها المهرجون هي التي تزعج الناس.
2 رهاب القيء الخوف من القيء
يُعَد التقيؤ الاستجابة الفورية التي يعتمد عليها الدماغ للتعامل مع حالات التسمُّم، وهو أمر يشكل خطرًا واضحًا. قد تكون أدمغة بعض الأشخاص شديدة الحساسية تجاه هذا التهديد، مما يدفعهم إلى الخوف من التقيؤ كاستجابة بديلة.
3 رهاب الدُمى الخوف من الدمى
كثيرًا ما تبدو الدمى شبيهةً بالبشر، ولكن بملامح مبالغ فيها أو مصغَّرة. ومثلها مثل المهرجين، يميل الناس إلى التفاعل السلبي مع الصور التي تمثل البشر بطريقة غير واقعية بنحو واضح.
4 رهاب الأحراج الخوف من الغابات
كثيرًا ما تظهر الغابات في القصص كمناطق خطرة ومخيفة. فهل يعود ذلك إلى تطوُّر البشر في سهول السافانا المفتوحة، حيث كانت الأماكن المغلقة نادرة وتنطوي على مخاطر؟
5 رهاب يوم الجمعة الثالث عشر الخوف من يوم الجمعة 13
أصبح يُشار إلى يوم الجمعة الثالث عشر بشكل شائع كيوم تحدث فيه أمور سيئة، لذا ليس من المستغرب أن يبدأ بعض الأشخاص في الخوف منه على مستوى عميق وأساسي.
اعرف استجاباتك للخوف
عندما نواجه محفزًا، تستجيب أجسامنا بعدة طرق واضحة ومميزة
الاستثارة
تُسبب الغدتان الكظريتان Adrenal glands والجهاز العصبي السمبثاوي تدفُّق الإشارات داخل مجرى الدم والأعصاب، مما يؤدي إلى تنشيط استجابة «القتال أو الهروب»، وهي التي تُعِدّ الجسم للتعامل مع خطر وشيك.
تشتيت الانتباه
تصبح أدمغتنا مهيّأةً للتعامل مع التهديد الآتي، مما يجعل من الصعب التركيز على المشكلات الصغيرة أو المحفزات الأخرى الأقل وضوحًا التي تتنافس على جذب انتباهنا.
تسارع نبض القلب
يرتفع معدل ضربات القلب وضغط الدم لدينا، وذلك بهدف إيصال كميات أكبر من الطاقة والموارد إلى عضلاتنا بسرعة أكبر. يساعدنا هذا جسديًا على التعامل مع التهديد المُتصوَّر.
توسُّع العينين
تتّسع حدقات أعيننا، مما يسمح بدخول كمية أكبر من الضوء ويمنحنا فرصة أفضل لرؤية مزيد من محيطنا – على أمل أن نتمكن من اكتشاف التهديد الوشيك أو طريق للهروب قبل فوات الأوان.

تحديد أنواع الرهاب أمر، ولكن كشف أسبابها أمر مختلف تمامًا. وكما هي الحال في كثير من الأمور، يبرز هنا سؤال الطبيعة مقابل التنشئة. هل نحن مبرمجون بيولوجيًا لاستشعار مخاوف شديدة، أو إنها ببساطة شيء نتعلمه ونكتسبه خلال مراحل النمو، نتيجة لتجارب صادمة أو مواقف غير سارة؟تشير الأبحاث إلى أن البشر وغيرهم من الرئيسات قد تطوَّروا إلى الخوف من أشياء معينة. فقد كشفت الدراسات التي أُجريت على الشمبانزي أن الفرد الذي يشاهد شمبانزي آخر يُظهر استجابة للخوف تجاه أفعى، سرعان ما يُظهر رد فعل مشابهًا. ولكن عند تدريب الشمبانزي على الخوف من شيء غير ضار، مثل الزهور – كما حدث في إحدى التجارب – نادرًا ما يُقلِّد الشمبانزي الآخر هذا السلوك. فالوضع متشابه، والفرق الوحيد هو الشيء الذي يثير الخوف. فلماذا يتفاعل الشمبانزي بخوف أكبر تجاه الأفاعي؟ يرجَّح أن الرئيسات طوّرت ميلًا فطريًا إلى الخوف من الأفاعي، نظرًا إلى كونها مثلت تهديدًا دائمًا خلال مراحل تطوُّر هذا النوع. ويمكن قول الشيء نفسه عن العناكب.

يبدو أن الدماغ يحتوي أيضًا على منطقة محددة مخصصة لمعالجة الاستجابة للخوف، وهي اللوزة المخية Amygdala، وهي نواة صغيرة في الفص الصدغي تشفر المكون العاطفي للذكريات، وخاصة الخوف. لا تتعلم الكائنات الحية التي تعاني فقدان أو تلف اللوزة المخية الخوفَ من الأشياء الخطيرة أو غير السارة، حتى لو تعرضت للأذى منها بنمط متكرر. وتؤدي مناطق أخرى مثل الجزيرة Insula والبوتامن (النواة المتقشرة)Putamen دورًا مماثلًا في معالجة استجابات الاشمئزاز، مما يساعدنا على تجنب السموم.
لكن هذه ليست القصة كاملة؛ فهذه الاستجابات التطورية تستغرق ملايين السنين لتتطوَّر، ومن الواضح أن البشر يكتسبون ارتباطات الخوف بطرق أسرع بكثير. فالبشر، مثل جميع الحيوانات، يتعلمون الخوف من الأشياء. ومن أشهر التجارب في دراسات التعلُّم الترابطي تجربة «ألبرت الصغير» Little Albert، وفيها عُرض على ألبرت، وهو طفل رضيع، جرذ أبيض للمرة الأولى. وفي اللحظة نفسها، أحدث المجرب ضوضاء شديدة عن طريق الطرْق على أنابيب معدنية، مما جعل الطفل يشعر بخوف شديد – وهو خوف ربطَه بالجرذ. ومنذئذٍ أصيب ألبرت الصغير برهاب شديد من الجرذان، وكذلك من الأشياء البيضاء والزغبية الأخرى – وهي ظاهرة تُعرَف باسم «تعميم المحفز» Stimulus Generalisation. تُعرف هذه العملية تقنيًا باسم «الاشتراط الكلاسيكي» Classical Conditioning، وهي الطريقة نفسها التي استخدمها بافلوف Pavlov لتدريب كلابه الشهيرة على إفراز اللعاب عند سماع صوت جرس.

قد يتساءل كثيرون: كيف تمكن عالم من فعل هذا بطفل بريء. في الواقع كان ذلك الباحث هو عالم السلوكيات في القرن العشرين جون واتسون John Watson، وكان «ألبرت الصغير» هو ابنه. يبدو أن والدة ألبرت سحبته من التجربة قبل أن يتمكن واتسون من إلغاء هذا الاشتراط – أو ربما قبل أن يزيد الأمر سوءًا.
على الرغم من أن تعرُّض الأشخاص لتجارب نفسية من قِبَل والديهم أمر نادر لحسن الحظ، إلا أنه يرجَّح أن يكون للوالدين دور كبير في نشوء عديد من حالات الرهاب. فإلى جانب العوامل الوراثية التي تنقل ميول الخوف المتطوِّرة عبر الجينات، إذا كان أحد الوالدين يعاني رهابًا معينًا، فمن المرجح أن يُصاب الأبناء به أيضًا. يتمتع البشر بقدرة مذهلة على التعلم من خلال الملاحظة من دون الحاجة إلى خوض التجربة بأنفسهم، والأطفال بارعون بنحو خاص في هذا النوع من التعلم. لذا إذا رأينا والدتنا أو والدنا – وهما مصدر معظم معرفتنا في مراحل النمو الأولى – يصرخان عند رؤية دبور أو مهرِّج، فمن المرجَّح أن نخاف من تلك الأشياء من دون تردد أيضًا.
”إن نسبة كبيرة مما يعرفه البشر ويتعلمونه يأتي من الأشخاص الآخرين“
جزء كبير مما يعرفه البشر ويتعلمونه يأتي من الآخرين. فهم مصدر دائم وقوي للمعلومات، ونحن نضبط أنفسنا باستمرار بناءً على آراء مَن حولنا. ولهذا السبب، هناك تصنيف فرعي كامل من أنواع الرهاب يتمحور حول الخوف من ردود فعل الآخرين.
ما الذي يمكن فعله بشأن حالات الرهاب؟ الحل الواضح هو تجنُّب المسبِّب، وهو أمر سهل في معظم

الحالات، لكنه قد يكون مُنهكًا إذا كان المحفِّز جزءًا من الحياة اليومية. ولكن يجب أن تكون حالة الرهاب شديدة جدًا حتى تستدعي وصف أدوية. يُعَدّ الإرشاد النفسي والعلاج من الأساليب الرئيسية للتعامل مع الرهاب، وهناك عديد من أشكال هذه العلاجات.
ينتج الرهاب عن عدة عمليات متباينة، بدءًا من التطور البيولوجي، إلى الاشتراط الكلاسيكي، إلى الملاحظة، والصدمات النفسية، والاضطرابات العصبية، وعلم النفس الاجتماعي، وغيرها. يمكن لأي من هذه العوامل أو جميعها أن تسهم في تطوّر الرهاب لدى شخص ما. ولكن من المهم أن نتذكر أنه لا يوجد شيء «خاطئ» في المصابين بالرهاب – فهم أشخاص طبيعيون تمامًا، وإن كانت لديهم سمة فريدة قد لا يشاركهم فيها أو يفهمها الجميع. وفي نهاية المطاف، يُعَدّ الرهاب جزءًا من الحياة، وينبغي ألا نخاف منه.

التغلب على مخاوفنا تدريجيًا
لا بأس في تعريض شخص ما لمصدر رهابِه حتى يتعلّم أن شيئًا سيئًا لن يحدث، لكنّه يظل يختبر استجابة بيولوجية للخوف – وبالنسبة إلى الدماغ، تُعَدّ هذه الإحساسات سلبية. يمكن تجنُّب هذه الاستجابة عن طريق التعرض التدريجي. بالنسبة إلى من يعاني رهابَ العناكب Arachnophobia، قد تكون مراحل التدرُّج كالتالي: رؤية صورة لعنكبوت؛ رؤية عنكبوت صغير حقيقي؛ الإمساك بعنكبوت بلاستيكي؛ رؤية عنكبوت أكبر؛ الإمساك بعنكبوت صغير، وهكذا. تُعرف هذه العملية باسم التقليل التدريجي للحساسية النفسية Systematic Desensitisation.
ثلاثة أنواع سريرية من الرهاب
يمكن تقسيم أنواع الرهاب إلى 3 مجموعات متميزة، وجميعها قد تكون منهكةً للفرد ومؤثرةً في حياته.
أنواع محددة من الرهاب
أنواع الرهاب الناجمة عن أشياء معينة. العناكب والجرذان والسكاكين والدم كلها أمثلة.
الرهاب الاجتماعي
الخوف من أي موقف قد يصعب فيه الهروب أو الحصول على المساعدة. ينطبق ذلك على معظم الأماكن خارج منزل الشخص المصاب، مما يدفعه إلى البقاء في المنزل – وهو ما يؤدي إلى سوء الفهم الشائع المتمثل في «الخوف من الأماكن المفتوحة».
رهاب الخلاء
تتعلق هذه المخاوف بأي شيء قد يؤدي إلى ردود فعل سلبية من الآخرين، مثل التحدث أمام الجمهور أو المحادثات في الحفلات. وغالبًا ما تظهر في سن مبكرة.