التاريخ

العلم في العصر الإغريقي

1997 قطوف من سير العلماء الجزء الثاني

صبري الدمرداش

KFAS

العصر الإغريقي العلم التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

لقد عرضنا، في الفصول الأحد عشرة الأولى  من مؤلَفنا هذا، لقطوف من سير علماء كثيرين أثروا الحياة العلمية في مختلف نواحيها على مر السنين.

ولاكتمال الصورة قد تكون هناك ضرورة لإعطاء فكرة أو إلقاء الضوء على المُناخ الذي كان سائداً في كل عصر من عصور التاريخ، ذلك المناخ الذي يكون له الدور الأوفى في ازدهار الحياة العلمية في فترةٍ معيَّنة أو اضمحلالها في فترة أخرى.

وبمعنى آخر إفراز مجموعة من العلماء الأفذاذ أو حجبهم عن الظهور. ذلك أن العالم ليس مستقلاً بذاته، وليس هو وليد ملكاته وإمكاناته فحسب، وإنما هو ابن عصره، يؤثر فيه ويتاثر به ويتفاعل مع كل معطياته.

فهو، إذن، مرآة صافية وصادقة لكل ما يعتمل في عصره ويحكمه ويُوجهه. وفيما يلي محاولة لألقاء ذلك الضوء …

 

يقسم مؤرِّخو العلم العصور العلمية إلى عصورٍ خمسة رئيسة هي :

أولا : – ما قبل العصر الإغريقي : هو يشتمل على الحضارات العتيقة للسومريين والآشوريين والبابليين والمصريين القدماء .

ثانيا : – العصر الإغريقي : وهو يمتد نحو تسعة قرون من عام 700 ق . م إلى عام 200 ميلادية .

ثالثا : – العصر الإسلامي : وهو يمتد نحو خمسة قرون من القرن التاسع إلى القرن الرابع عشر الميلادي

رابعا : – عصر النهضة الأوروبية : وهو يمتد من القرن الرابع عشر  وحتى منتصف القرن الخامس عشر الميلادي .

خامسا : – العصر الحديث : وهو يبدأ من منتصف القرن الخامس عشر الميلادي وحتى الآن .

ولما كان العصر الأول يخرج عن نطاق ما اشتمل عليه مؤلَّفنا، فإننا نتحدث فيما يلي عن العلم في العصور الأربعة الأُخر .

 

العلم في العصر الإغريقي

يكاد يتَّفق مؤرِّخو العلم على أن العلم الإغريقي هو البداية الحقيقية للعلم الإنساني بمعناه الصحيح، وأن كل ما سبقه عند السومريين والآشوريين والبابليين والمصريين القدماء إنما هو مجرد مهارات مارسها المشتغلون بالعلم في تلك الحضارات.

وكان العلم في تلك الحضارات طبقياً. تحتكره فئات بعينها، ولعلها كانت تمارسه خفية، ولذلك اتسم العلم فيها بالسحر والكهانة، يمارسه الكهنة ورجال الدين، وهم عليه ، في صوامعهم وهياكلهم ومعابدهم ، عاكفون .

ومهما يكن من رأي، فلعل علم الحضارات القديمة كان يمثل مرحلة في تطور العلم، هي مرحلة التجريب التي تسبق مرحلة الصياغة النظرية والفلسفية التي كان من حظ الإغريق أن علماؤهم سادتها .

على أن العلم الإغريقي لم يظهر طفرياً وإنما لا بد أنه مدينٌ للحضارات السابقة على الحضارة الإغريقية من سومرية وآشورية وبابلية وفرعونية.

 

يُعزِّز هذا ما ذكره مؤرخ الإغريق الأشهر هيرودت من أن أغلب علماء جنسه كانوا يقضون شطراً من حياتهم على ضفاف النيل، فضلاً عما كان بين الإغريق والمصريين من حروبٍ وتجارات ولقاءات واتصالات كانت طريقاً لتبادل المعارف والخبرات.

والمعتقد أن طاليس هو أول علماء الإغريق الذي عُرفت آثارهم العلمية، حيث ظهرت في القرن السابع قبل الميلاد في مليطة. وكانت الحروف الهجائية قد انتقلت إلى الإغريق من  الفينيقيين قبل ذلك بقرنين من الزمان.

وقد ولد طاليس لأب إغريقي وأم فينيقية، وكان يشتغل بالتجارة، زار آسيا الصغرى، كما زار مصر، وكانت له دراية بالهندسة والفلك واستقاها من المصريين والبابليين، حيث كانت لهما البراعة في هذين العلمين.

وقد نجح طاليس في صياغة المعارف الهندسية والفلكية تلك صياغةً إغريقية، حيث وضعها في صورة معادلات وفروض ونظريات رياضية .

وفي القرن السادس قبل الميلاد كان سلطان الإغريق قد امتد إلى ما جاورهم من بلاد، وغدت لهم مستعمرات. وهنا ظهر عملاقان : أبقراط أبو الطب ، وفيثاغورس أبو الرياضيات .

 

ومن أشهر علماء الإغريق في القرن الرابع قبل الميلاد أفلاطون وأرسطو. ومن أهم ما اشتهر به الأول أكاديميته التي أنشأها ونسبت إليه. ولعلها أول جمعية علمية بالمعنى الصحيح، وهي تُنسب كذلك إلى موضع ظليل يسمى "أكاديميا"  في الشمال الغربي من أثينا، ابتاعه افلاطون وجعل يُلقِّى فيه طلابه  ومريديه منذ عام 387 ق. م . 

وكانت رياسة الأكاديمية بالانتخاب، وظلت لأفلاطون طوال حياته. وكانت تُبحث فيها الرياضيات والطبيعيات واللهجات والعلوم السياسية.

وقد عاشت تلك الأكاديمية زهاء تسعمائة عام، إذ عمَّرت حتى عام 59م، حيث أمر بغلقها الإمبراطور الروماني جوشيان.

ولأفلاطون وأكاديميته دور متميز على العلم في عصره: فكان أول من فصل بين العلم والفلسفة، وجدَّد منهج البحث في كلٍ منهما، كما كان أول من ربط الفلك بالرياضيات وأحكم ما بينهما من صلات،  وأما اهتمامه بالرياضيات، وخصوصاً الهندسة، فقد كان عظيماً، ينطلق من أن الهندسة هي مفتاح الرياضيات، والرياضيات هي مفتاح كثير من العلوم الأُخر .

وقد تتلمذ أرسطو على أفلاطون في أكاديميته، وكان يطمع في أن يليه في رياستها بعد وفاته. ولما لم تؤل إليه هجر أثينا؛ ليُنشىء جمعية أُخرى أو معهدا أسماه اليوم "ليسيوم"  .

 

والليسيوم هو اسم المكان الظليل الذي اتخذه أرسطو للقيا تلاميذه ومريديه يعلِّمهم فيه العلم والفلسفة والحكمة. ولا تزال لفظة ليسيوم تطلق حتى الآن على دور العلم في بلاد كثيرة، فالفرنسيون مثلاً يسمون المعاهد الثانوية الممتازة التي تشرف عليها الدولة "ليسيه" .

وحتى أرسطو، كان العلم الإغريقي متمركزاً في أثينا، ولكنه انتقل بعد ذلك إلى الإسكندرية، وكان انتقاله لأسباب سياسية تتعلق بفتوحات الإسكندر الأكبر تلميذ أرسطو الأشهر .

ومن أهم ما يميز العلم في الإسكندرية وجود جامعة الإسكندرية القديمة، وهي حقاً جامعة أو مُتحف أو أكاديمية أو مكتبة، أو كل ذلك.

وكانت في طابعها العام مشابهة لليسيوم أرسطو. وقد أُنشئت في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد في عهد بطليموس الأول. وقد لعبت تلك الجامعة دوراً رائعاً في تقدم العلم في ذلك العهد. ومن أشهر علمائها: أرشميدس صاحب القاعدة، وبطليموس صاحب النظام البطليموسي للكون، وإقليدس أبو الهندسة، وهيرون أول من نادى بنظرية الصواريخ، وجالينوس أبو الطب الإغريقي، وديسقورديدس النباتي الشهير…إلخ.

 

ويمثل إقليدس على وجه الخصوص عصر النهضة العلمية في العصر السكندري وما أشتُهرت به من بحوثٍ في الرياضيات والجغرافيا والتشريح ووظائف الأعضاء ومعظم هذه البحوث، وخاصة في التشريح واللغة، إنما يحمل طابعاً تحليلياً ورثته مدرسة الإسكندرية عن العصر الأرسطي .

وما يميز جامعة الإسكندرية في  الواقع هو مكتبتها ذات المكانة العلمية العالمية. وقد أنشأها بطليموس الأول (323 – 309ق . م) .

وكانت تضم أعظم الكتب وأنفسها التي جمعت لها من مختلف الأمصار والتي ربا عددها على خمسمائة ألف مجلَد! ولكنها دُمّرت مرتين: الأولى عام 47 ق.م حين ثارت الإسكندرية على قيصر، وكان إحراق هذه المكتبة خسارة علمية وأدبية قلما يصاب العالم بمثلها. والثانية إبَّان حكم الإمبراطور تادوسيس (378 – 395م) ، وبذلك ضاعت مرة أخرى كنوز العلم والآداب والفنون التي نجت من نيران قيصر .

 

وإجمالاً فقد كانت النهضة العلمية في الإسكندرية شاملة، ولا مراء في أن النبع الرئيس الذي استقت منه تلك النهضة ماءها هو أرسطو الذي كان عصره مُعْجِزاً، كما احتفظ بعض أفكاره ونتائجه بصحَّته قرابة ألفين من السنين!.

ولعل مكتبة جامعة الإسكندرية القديمة تلك كانت أعظم مكتبات العالم القديم طُرَاً، ولعله لم ينشأ ما يُضارعها إلاّ في القرن العاشر حين تجمَّعت كتب كثيرة في بيت الحكمة في بغداد ودار الحكمة في القاهرة ومكتبة قرطبة .

وكانت تلك المكتبة في عصرها الذهبي مركزاً للمعارف الإنسانية، كما كانت بمثابة العقل والقلب للدراسات الأدبية والتاريخية والفلكية والتشريحية .

 

وكما ظلَّ تأثير أرسطو قرابة ألفيْ عام، فقد ظل كتابان لبطليموس المرجعين المعتمدين في ميدانهما أربعة عشر قرناً من الزمان، وهما : "المجسطي" و "الجغرافيا" . وكذلك "الأصول" لإقليدس في الهندسة.

والملاحظ على العلم في جامعة الإسكندرية بصفة عامة هو امتزاج العلم الإغريقي بكلْ من العلوم المصرية والبابلية التي مهَّدت له وأرست دعائمه .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق