التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

العبرة من مشكلة تتكررفي التصاميم الهندسية . لنسامح التصميم تفهم الفشل

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

الحكمة [العبرة] التقليدية المكتسبة لأكثر من قرن تشير بأن الحمالات العليا [لجسر] التي قد اكتسحتها الريح بينما كان القطار، الذي كونت عرباته سطحاُ أفقياً للرياح عند مروره، وكانت الرياح شديدة ليلة الحادث، ولكن صورة حديثة للجسر المحطّم أظهرت بوضوح عدداً من أعمدة الدخان المعلقة بطاحونات داندي للجوت كانت قائمة من دون أي ضرر في خلفية الصورة، وحسب مقياس بوفورت (Beaufort) فإن ريحاً بقوة 9 قد تؤدّي إلى ضرر طفيف للهيكل، مثل مدخنة مكسورة، وقد تمّ الإبلاغ عن أن عدداً منها كان قد تأثر خلال الليلة التي وقعت فيها كارثة تاي. مثل هذه الرياح تسلط متوسط ضغط يبلغ حوالي 7.7 باوند لكل قدم مربع مستخدم في تصميم الجسر. (عامل سلامة كان بإمكانه جعل الجسر يتحمل رياحاً أضعاف الحمل التصميمي)، وقد قام بنجامين بايكر (Benjamin Baker) – وهو أحد الخبراء الشهود في المحكمة –  بمسح الأضرار في المنطقة واستنتج أن ضغط الريح لم يتعدى 15 باوند للقدم المربع، وهو أقل بكثير من الضغط المطلوب لانهيار الجسر.

الصورة التي بيّنت أن أعمدة الدخان كانت في حالة طبيعية كانت واحدة من سلسلة الصور التي التقطت أسبوعاً بعد الكارثة من قِبل مصوّر مهنيّ محلي. وقد طُلبت هذه الصورة من قِبل محكمة التحقيق لكي توثّق مشهد الحادث واستخدمت في مجريات وقائع المحكمة كي تُنشط ذاكرة الشهود. ومن بين الصور التي التقطت صور للأبراج المتضررة التي احتضنت قسم الحمالات العالية للجسر بالإضافة إلى الدعامات الضخمة الاثنتي عشرة بينهما التي سندته. والحقيقة، أن معظم الهياكل الفوقية هوت مع الحمالات، وقد التقط المصور حالة كل دعامة والعمل الحديدي المتبقّي فوقها من جوانب متعددة، ومن ضمنها لقطات طويلة [بعيدة] (Long Shots) أخذت لكل حمالة مجاورة ولقطات قريبة (Close-Ups) للركام التقطت من فوق الحمالة نفسها.

أكّد بيتر لويس لأول مرة وجود سجل صور لأنقاض جسر تاي عندما قرأ تقرير التحقيق، وكان يعلم أن مخططات صورية حول الحادث تحتوي على الكثير من التفاصيل كانت قد نشرت في إصدارات معاصرة  لمجلة المهندس (The Engineer)، ويعرف أيضاً أن مثل هذا المخططات الصورية تقتبس من صور حقيقية، وأراد، عندها، أن يجد الصور الأصلية، وقد وجد مجموعة منها في مكتبة مدينة داندي. من هذه الصور قام بعمل صور ذات تحليل عالٍ (High Resolution) من خلال مسح رقمي (Digital Scans) للصور، وقام بدراسة الصور الرقمية بشكل معمّق، وقد وُجد في الصور إثباتات لقطع مكسرة من الحديد تم التعرف عليها بأنها أجزاء من الساندات (Lugs) التي تمّ صبّها بشكل مدمج مع الأعمدة المصممة لإسناد الحمالات العالية، وقد وجد لويس أيضاً في الصور إثباتات أن ثقوب الترابيس لم تكن قد ثقبت [بمخرطة] بل تمّ صبها مباشرة في الساندات. كانت عملية الثقب [بمخرطة] تجعل الثقوب الناتجة ذات شكل إسطواني، مما كان يوفّر أسطحاً متوازية وطويلة للترابيس؛ أما عملية صبّ الثقوب فقد جعلت الثقوب مائلة بعض الشيء، وبالتالي ولّدت حالة من الرخاوة عند تثبيت الترباس، والقوة التي تمّ تسليطها على الحمالة تركز على مساحة أصغر، مما زاد الإجهاد عليها، وكان الإجهاد العالي ينطبق كلّما مرّ قطار فوق الجسر، الذي كان مركز ثقله عالٍ جداً على الحمالات العالية، مما جعله أكثر ثقلاً. وقد أدى الإجهاد العالي إلى تسريع توسّع أية شقوق كانت قد حدثت في الساندات، وعندما وصل الشق حجمه الحرج فشلت [انهارت] الساندات، وبعبارة أخرى، فشلت الساندات بعد توسع الشق الإجهادي، وقد أكدت بعض الصور ذلك لتظهر صفات أنماط من توسّع الشقوق التدريجي على السطوح المشققة.

صممت الساندات لتثبيت المشابك القطرية المصنوعة من الحديد المطروق ما بين الأعمدة. والحقيقة فقد وجد الكثير من مخلّفات الساندات المكسورة متناثرة الآعمدة الحمّالة الضخمة ما أشار إلى أن معظم المشابك كانت قد فقدت بمرور الوقت في برج الإسناد، مما جعل الساندات أكثر مرونة وعرضة إلى حركة تَخلّع، في اتجاه عرضي للسكة. من المحتمل أن مثل هذه المرونة ازدادت مع قدم الهيكل، وقد نتج من تشقق الساندات المتزايد فقدان السند لقضبان الربط (Tie–Rod). أدّت الاهتزازات الناتجة من مرور قطار إلى نمو الشقوق الإجهادية وما تبع ذلك من انهيار الساندات، التي بدورها سمحت لحركات عرضية واسعة المدى ولحدوث اهتزازات وبالتالي عجّلت في تداعي الهيكل، وبحسب لويس فإن تلازم عبور قطار ثقيل سريع للجسر مع هبوب رياح قوية أدّى إلى انحراف الأبراج المرنة والدعامات العالية جانباً عابرين بذلك نقطة اللاعودة.

لم يكن التعب وشقوق المعادن مفهوماً بشكل كامل في سنوات السبعينات من القرن التاسع عشر، وحتى كلمة تعب (fatigue) كانت تعتبر جديدة؛ في بحث حول جسور سكك الحديد ذات المجازات الطويلة نشرت عام 1873 تم وضع الفعل تعب بين مزدوجين، وبالرغم من التقدّم الكبير في النظرية والعمل الذي حصل ذلك الوقت لكنها لم تلغِ الخطورات ذات العلاقة بالتحميلات المتكررة للهيكل. في عام 1998 عُزي سبب حادثة في قطار ألماني سريع أدّت إلى وفاة مئة شخص إلى فشل بسبب التعب في عجلة. في عام 2000 خرج قطار عن السكة في بريطانيا العظمى وعُزي السبب إلى فشل بسبب التعب أدى إلى تهشم السكة الفولاذية إلى مئات القطع، وتحطّم الطائرة البحرية التي كان عمرها 50 سنة عام 2005 أثار شكوكاً فورية بأن السبب هو التعب المعدني، وحديثاً عام 2008 وقعت مشاكل مخجلة لقضيبذي عين (Eyebar) مشقق، والمعالجة الفاشلة له، كان كارثة بالنسبة لجسر الخليج بين سان فرانسيسكو وأوكلاند.

الجسر ليس مختلفاً عن الماكنة، لأن كليهما عبارة عن تجميع لقطع تتحرّك نسبة لبعضها. ومهما كان كبر حجم قطع الجسر فحركاتها تكون صغيرة نسبياً وليست ظاهرة للعين المجرّدة غير المدربة، ومع ذلك فكل جسر يلتوي كلما عبرت مركبة فوقه، وبالنسبة لجسر الخليج [سان فرانسيسكو] (Bay Bridge)، فذلك يعني أكثر من ربع مليون مرة في اليوم الواحد، ويتحرّك الجسر أيضاً جرّاء قوى أكبر. فالزوابع يمكن أن ترفع وتُهبط الجسر كما تعمل الاضطرابات الهوائية بالطائرة. يذكر أن الهزة الأرضية لوما برييتا (Loma Prieta) عام 1989 هزّت جسر الخليج بعنف إلى درجة أن جزءاً من مساره العلوي سقط على الطريق السفلي، وأدّى إلى وفاة شخص، وقد قادت هذه الحادثة في النهاية إلى تصميم مجازات بديلة لجسر الخليج الشرقي (East Bay)، وهو مشروع استمر ما يقارب عقدين من الزمن.

كما ذكر، فالحركات المتكرّرة عبر الزمن قد تؤدّي إلى تشققات في القطع الحديدية تتوسع باستمرار فإذا لم يكتشف الضرر التدريجي للجسر وتتم معالجته قبل أن تكبر الشقوق، فإن انهياراً سيقع بسبب التعب المعدني، ولهذا فإن الفحوصات والصيانة الوقائية الصحيحة مهمة جداً. لقد كان لدي مرة سيارة فولسفاغن بيتل (Volkswagen Beetle) كنت أقودها ذهاباً وإياباً إلى العمل، والسيارة ليست بأي حال من الأحوال بأهمية جسر الخليج، ولكن، كحال كل المكائن، فإن هذه السيارة الصغيرة مصنوعة من عدد من القطع التي تتحرك وتهتز، وفي تلك السيارة، كنت أشعر بتأثير الزوابع والمطبات أكثر بكثير مقارنة بسيارة العائلة الستايشن واغن (Station Wagon) الأثقل وزناً.

في صباح أحد الأيام شعرت بصوت ارتجاجات تخرج من سيارة البيتل أكثر مما هو معتاد، وتوقفت لأرى ما يحصل، وعندما رفعت غطاء المحرك، لاحظت أن المولّد الكهربائي لم يكن مثبتاً بشكل محكم؛ فالشريط الحديدي الذي يربط المواد بكتلة المحرك بالمجمع قد انقسم إلى نصفين تقربياً. كان ذلك نموذجاً كلاسيكياً للإجهاد المعدني، وكان لا بدّ من استبدال الشريط المعدني، ولكوني لست قريباً من متجر لقطع السيارات، ذهبت إلى متجر خردوات قريب لإيجاد شيء ما لإصلاح العطل مؤقتاً. ولم يكن في المتجر ماسكات تثبيت مولدات، لذا اشتريت أشرطة معدنية تستخدم لتثبيت قناة تفريغ مجففة الملابس المنزلية واستخدمت أحدها لربط مولد السيارة ومضيت بالسيارة إلى العمل. بعد ذلك، نسيت كل شيء حول ما قمت به من تصيلح مؤقت، وبعد فترة عاد الصوت، ولكن بضراوة؛ لقد انكسرت الماسكة الخفيفة التي استخدمتها بعد أسبوعين من الاستعمال، وبما أن الضغط المسلط على الجزء الرقيق [للماسكة المؤقتة] أكبر بكثير من الضغط على الماسكة القياسية فإن الإجهاد أدّى إلى توسع الشق بسرعة أكبر، واستبدلت الماسكة المكسورة بماسكة جديدة وأقسمت أن أذهب إلى متجر قطع سيارات نهاية الأسبوع لشراء بديل مناسب.

عندما تم اكتشاف شقّ التعب في جزء من جسر الخليج في يوم العمال في أحد نهاية أسبوع، تم الوصول إلى حلّ سريع وتمّ تثبيته لكي يتم إعادة فتح الجسر الكثيف الاستخدام بأسرع وقت، وقد تم تصميم ماسكة مؤقتة لتساند الجزء المكسور، كأنما تمّ وضع زوج من الحمالات لمساعدة الحزام الحديدي المثبت للجسر، وبعد شهرين من عملية التصليح السريعة هذه، انكسرت الحمالتان البالغ وزنهما 5 طن ووقعتا على زحمة السير وقت الذروة، وقد تهشّمت بعض السيارات ولكن،  لحسن الحظ، لم تقع إصابات بشرية. وهذه المرة بقي الجسر مغلقاً لمدة أسبوع تقريباً، بينما تمّ القيام بتصليحات أكثر إتقاناً، وكانت الخطط تقضي بأن يتمّ فحص هذا التصليح الجديد يومياً، وقد نتج من دراسة لاحقة تصميم جهاز مثبط يقوم بتقليص الاهتزازات عند تركيبه وبالتالي يحدّ من خطورة حصول تشققات بسبب الثلمات والنقر الصغيرة الموجودة على قضبان الجسر ذات العيون (Eyebars). لذا فالشقوق الإجهادية التي ألمّت بالجسور الحديدية القديمة للقطارات، استمرّت في تهديد سلامة الجسور الحديدية الحديثة. لذا فإن تفهّم مشكلة لا يعني بالضرورة حلّها.

نقوم بين الحين والآخر بسلوك طرق مختصرة لصيانة أو تشغيل، أو تصليح مكائننا، وفي بعض الأحيان نجازف بأجسامنا وحياتنا وحياة المعتمدين علينا، ولكننا لا نتوقّع من المسؤولين عن أجزاء كبيرة من البنية التحتية العامة أن يتخذوا طرقاً مختصرة تسبب مخاطر للناس الذين وضعوا ثقتهم بهذه الماكينات ويتوقّعون أن تكون عاملة بشكل جيد. فنحن نتوقّع ونؤمن أننا نستحق أكثر من ذلك من المسؤولين عن بنيتنا التحتية، ونريد منهم أن يفكروا في الفشل مقدماً وليس لاحقاً.

التفكير في التوقّعات المستقبلية يعني التعرّف على كل الطرق التي من خلالها تفشل منظومة ما – وليس الواضح منها فقط، وفي حالة كارثة جسر تاي (Tay)، فالتصميم السيىء، والبناء السيىء، والصيانة السيئة للهيكل جعلت من أي من هذه العوامل هدفاً سهلاً، من دون شك، كسبب، وكذلك العوامل الثلاثة مجتمعة معاً، قد تبدو وكأنها تركيبة ملعونة. كان المهندس باوش يعمل عندما كانت مبادىء علم ميكانيك التعب غير مفهوم بالكامل، ولكن وجود ظاهرة التعب كانت معروفة ومرعبة بشكل واسع. لا يوجد عذر للتفكير أن ذلك لا يمكن حدوثه لهيكل ذي حمّالات عالية مستندة إلى مساند طويلة وضعيفة ومعرّضة ليس فقط لتقلبات الريح ولكن لاهتزازات القطارات المارة أيضاً، والركام الذي اكتشفه لويس منتشر فوق داعمات الجسر أكد شكوكه أن بعض الساندات، على الأقل، كانت قد تحطمت قبل الحادث بزمن، ولو علم ذلك لوفر أدلّة لفريق التحقيق الأوّلي، وبالتأكيد كان بالإمكان اكتشاف الساندات المتشققة في مجمل أعمال "الصيانة الرديئة" ولكن [تسلسل] السبب والنتيجة (Cause and Effect) للتشققات نفسها هو الذي كان يجب أن ينبّه إلى مزيد من التساؤل الجوي، ولم يكن من المفروض أن يستغرق الموضوع قرناً كاملاً لكي توضع السجلات بوضعها الصحيح. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق