إسلاميات

الصور المختلفة لصفة التسامح التي دعا إليها الإسلام الإنسان التحلي بها

1995 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء السادس

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

صفة التسامح الإسلام إسلاميات المخطوطات والكتب النادرة

إذا نظرنا إلى أي مجتمع من المجتمعات نجد أنه يتكون من الأفراد والجماعات.

وإذا نظرنا إلى الأفراد والجماعات التي يتكون منها المجتمع تجدهم مختلفين في كثير من الخصائص والصفات، ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ) (الروم:22).

وعلى الرغم من هذه الاختلافات بين الناس وبين المجتمعات، فالناسُ جميعاً إخوة تجمعهم صفة واحدة هي الصفة الإنسانية. فكلُّنا بَشَر وإن اختلفنا في الألوان، أو اختلفنا في اللغات.

 

فالبيض والسود، ومن يتكلمون العربية أو الإنجليزية، أو الفارسية أو الأردية، كلهم أفراد من جنس واحد هو الجنس البشري. وهذا الجنس البشري كله يرجع إلى أصل واحد كما ورد في الآية القرآنية:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء:1).

 

وهكذا يوجِّه القرآن نداء عاما للبشر جميعا كجنس واحد(يأيها الناس) لأنهم في النهاية من أصل واحد، من أب واحد، وأم واحدة.

وإذا كان الناس جميعا من أصل واحد، فلا ينبغي إذن أن يتفاخر جنس بشري على جنس آخر، أو يتعالى الأوروبي بجنسه على الآسيوي أو الزنجي، ولا الأبيض بلونه على الأسود.

ينظر الإسلام إلى كل الأجناس البشرية، وإلى كل الألوان واللغات نظرة واحدة هي نظرة المساواة بينهم، وهي نظرة تقوم على العدل وعلى التسامح باعتبارهم جميعاً من أصل واحد.

 

ويدعو الإسلام البشر جميعاً إلى تقوى الله وإلى التعارف والتعاون من أجل خير البشرية جميعاً:

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13).

 

وبناء على ذلك فالإسلام ضد التعصب: التعصب للجنس، التعصب للّون، التعصب للّغة، التعصب للقبيلة والتعصب للدين. وفي ذلك يقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «ليس منَّا من دعا إلى عصبيَّة» (أخرجه أبو داود).

وإذا كان الإسلام يرفض كل أنواع التعصب، فمن الطبيعي إذن أن يرفض التعصب للدين. إن اي مجتمع يمكن أن يتكون من أفراد وجماعات مختلفين في كثير من الصفات، كما قدمنا، ومختلفين في الدين. والمجتمع الإسلامي كذلك يمكن أن يضم جماعات من اليهود والنصارى وغير المسلمين.

ولكن الإسلام لا يرفض هذه الجماعات وإنما يعاملهم معاملة كريمة تقوم على التسامح.

 

ومنذ العصور الأولى قامت معاملة الإسلام لغير المسلمين على قاعدة أساسية هي: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، أي لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم ما على المسلمين كذلك من واجبات. 

ومنْ ثَمَّ تطبق عليهم نفس القواعد التي تطبق على المسلمين، إلا فيما يتعلق بشئون دينهم، فيصير تركها لأحكام ذلك الدين، عملا بالآية الكريمة(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة:256).

يدعونا الإسلام إلى البر والعدل وإلى التسامح مع غير المسلمين، طالما لم يقفوا في وجه المسلمين مُعادين محاربين.

كذلك يدعونا الإسلام إلى علاقات الود مع غير المسلمين في المناسبات المختلفة للحياة الاجتماعية حتى يعيش الجميع في كَنَف المجتمع الإسلامي حياة طيبة آمنة مطمئنة.

 

من ذلك ما ورد في الآية الكريمة( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (المائدة:5).

وأنت سوف تسعد بأن تتحلى بهذه الرُّوح العالية من التسامح.

فتسامُحُك مع إخوانك وأصدقائك يجعلك تستمع لكل ما يقولونه في حلْم، ولو خالفوك الرأي، بل إنه يجب عليك ان تَدافع عن حقهم في إعلانهم رأيَهم بحرية وشجاعة. وهم كذلك، ينبغي أن يحرصوا على أن تقولَ أنت رأيكَ بحرية أيضاً.

 

بل إنك يجب أن تتسامح حتى مع من يعلن عداءه لك فبهذا الأسلوب يظهر الحق، وتسود روح السلام والمودة.

بل إن ظلم الناس وعداوتهم لك لا يبرران أن تكون أنت ظالما أو تمتنع عن شهادة الحق في صالحهم(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المائدة:8)، (القسط: العدل، لا يجرمنكم: لا يحملكم ويدفعكم، والشنآن: شدة العداوة).

وروح التسامح تجعلك تعفو وتصفح عن كثير من أخطاء إخوتك وأصدقائك ولك أن تردَّهم عن الخطأ بالعتاب الرقيق، وليس بالعداوة والبغضاء.

 

وتذكر أن كثرة مؤاخذتك لأصدقائك وعدم التسامح معهم، يدفعانهم إلى كرهك، وإلى معاملتك بمثل ما تعاملهم به من تشدد ثم إنك قد تفقدهم وتبقى وحيداً لا صديق لك. تأمل شعرَ بشَّارِ بن بُرْد:

إذا كنتَ في كِلِّ الأمورِ معاتباً

                                                                                           صديقَك، لمَ تلْقَ الذي لا تعاتبُهْ

فَعِش واحداً، أو صِلْ أخاك فإنه

                                                                                          مُقارفُ ذنب مرةً ومُجانبُهْ

وتأمل حكمة الشافعي (الإمام):

لما صفحتُ ولم أحقد على أحد أرحتُ نفسـي من هَمِّ العداوات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق