العلوم الإنسانية والإجتماعية

الشروط الواجب توافرها في “الصورة” لتصبح لها حجية قانونية في الإثبات

1995 الحاسوب والقانون

الدكتور محمد المرسي زهرة

KFAS

شروط الصورة لتصبح لها حجية حجية قانونية في الإثبات الحاسب الالكتروني العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

لم يضع المشرع ، بوجه عام ، ثقته في الدليل الكتابي إلا إذا كان "أصلاً" .  فهو وحده ، أي الأصل ، الذي له حجية في الإثبات . 

أما "الصورة" فليست لها حجية في الإثبات إلا بمقدار ما تهدي إلى الأصل إذا كان موجوداً .  اما إذا لم يكن الأصل موجوداً ،  فإن المشرع فرق – كما راينا – بين حجية صورة الورقة الرسمية وحجية صورة الورقة العرفية.

فرفض أن يُعطي الأخيرة اية حجية ، ومنح الأولى حجية في حدود وبشروط معينة .  ولهذا كان طبيعياً أن يتطلب المشرع الفرنسي بعض الشروط التي يجب توافرها في "الصورة" حتى يضفي عليها حجية قانونية في الإثبات .

ونعرض فيما يلي لهذه الشروط :

 

أولاً : أن تكون دائمة

وقد عبّرت عن هذا الشرط المادة 1348/2 السابق الإشارة إليها .  بقولها : "… يُعتبر دائماً كل نسخ ثابت للأصل…". 

ويُقصد بالدوام ، في هذا الصدد ، الثبات وعدم القابلية للزوال وعدم إمكانية استخدام المستند مرة أخرى. 

فعنصر الدوام إذن يشمل – حسب ما يبدو من مناقشات الجمعية الوطنية – عنصرين : طبيعة "المادة" المستخدمة في عمل الصورة ، والمعلومات والبيانات المسجلة على "دعامة" الصورة . 

 

ومن ثم يجب – حتى يُعتد بالصورة – في الإثبات أن يكون "الوسيط" المستخدم في تسجيل المعلومات عليه غير قابل للاستخدام مرة أخرى . 

فهو صالح لنسخ المعلومات مرة واحدة بحيث يستحيل استخدامه مرة أخرى بدون إتلافه أو – على الاقل – إتلاف الباينات المسجلة عليه .

 فقد رأينا عند تحديد ماهية مخرجات الحاسب أن بعض المخرجات تقبل الاستعمال المتكرر كالأشرطة الممغنطة ، والاسطوانات الممغنطة ، والأسطوانات الممغنطة .  أما البعض الآخر ، فلا يقبل الاستخدام سوى مرة واحدة كالأشرطة والبطاقات المثقبة، واسطوانات ال لله يديو. 

 

وهي بذلك ينطبق عليها شرط الدوام .  إذ أن طبيعة المادة المستخدمة تضمن عدم وقوع اي تغيير إرادياً كان ، مثل الغش ، أو غير إرادي مثل الخطأ .

ويجب – من ناحية أخرى – أن تكون المعلومات والبيانات المسجلة على الصورة غير قابلة للمحو أو الإزالة بفعل الزمن .  فقد تكون المستخدمة في الصورة مانعة لاي تغيير ، لكن المعلومات المسجلة عليها قد تزول بفعل عوامل الزمن ، أو مع الاستخدام المتكرر . 

مثل هذه المخرجات ليست لها – أيضاً – حجية في الإثبات لأنها تزول مع الوقت بطبيعتها مثل تخزين المعلومات في ذاكرة الحاسب الإلكتروني.

 

ثانياً: أن تكون مطابقة

ويقصد بهذا الشرط أن تتطابق الصورة مع الأصل في الشكل والمضمون والواقع أن تعريف التطابق في حد ذاته لا يُثير صعوبات حقيقية.   ولعل هذا هو السبب الحقيقي في أن المشرع الفرنسي لم يضع لهذا الشرط تعريفاً على عكس شرط الدوام . 

ولعل هذا أيضاً هو السبب في إصرار مقرر لجنة التعديل على حذف التعريف الوارد في الصياغة الأولى 1348/2.  فالتطابق يعني – بداهة – التشابه التام بين الصورة والأصل .

لكن الصعوبة الحقيقية تكن – في نظرنا – في وضع معيار التطابق موضع التطبيق .  ويرجع السبب في ذلك إلى أن الفرض هو أن الأصل غير موجود .  فحجية الصورة لا تُثير صعوبات تذكر في حالة وجود الاصل .

إذ يكفي – حينئذ – مضاهاة الصورة بالأصل ، ولا تكون لها حجية إلا بمقدار ما تهدي إلى الأصل .

 

أما من الفرض الذي نحن بصدده ، فالاصل غير موجود ؛ فكيف يمكن إذن ، والحال هكذا ، التحقق من مطابقة الصورة للأصل ؟. 

بعبارة أخرى ، يقتضي القول بالتطابق إجراء مضاهاة الصورة بالأصل ، وهي مقارنة مستحيلة عملاً لأن الاصل ، ببساطة ، غير موجود .

ويصعب التعويل – في هذا الصدد – على شهادة الشخص الذي قام باستخراج الصورة للقول بتطابق ، أو عدم تطابق ، الصورة مع الأصل . ففضلاً عن صعوبة الشهادة في حالة الإتلاف الجماعي، فإن قبول الشهادة للوقل بالتطابق يعني – عملاً – أننا بصدد حجية للشهادة ولس حجية للصورة . 

 

وأخيراً فإن الشهادة – حتى على فرض قبولها – لا يمكن الاعتداد بها إلا في حدود مطابقة الصورة للأصل كما قدم إليه .  وقد يختلف الاصل المقدم للشخص لكي يتولى تصويره عن الأصل الحقيقي . 

وليس من سلطة هذا الشخص إجراء فحص على الاصل المقدم لكي يتأكد من عدم تعرضه للتلاعب .

فكيف يمكن للقاضي إذن ان يتحقق من تطابق الصورة والاصل على فرض أن هذا الأخير غير موجود ؟ لا مناص من القول بترك الأمر – من الناحية العملية – لاقتناع القاضي ، ويبدو أن الأمر سيقتصر – عملاً على الاعتماد على شكل الصورة ومظهرها الخارجي ، إذ يكفي أن يتحقق القاضي من أن مظهر الصورة الخارجي يوحي على الثقة فيها . 

وهو امر غير متيسر للقاضي إلا إذا كان آثار التغيير واضحة على الصورة سواء لأن التلاعب وقع في الصورة ذاتها ، أو وقع على الأصل قبل نسخه وظهرت آثاره على الصورة .  أما إذا لم تظهر آثار التغيير على الصورة ، فسيكون من الصعب على القاضي – حينئذ – كشفه . 

 

خصوصاً أن طرق النسخ المستخدمة لا تسمح ، في كافة الأحوال، بكشف التغيير الذي تعرض له الأصل قبل نسخه .  ولم يشأ المشرع أن ينص على وسيلة معينة للنسخ حتى يضمن تطابق الصورة مع الاصل .  لأن معنى ذلك – ببساطة – استبعاد الطرق الاخرى للنسخ 

هذا بالإضافة إلى أن اعتماد طرق فنية معينة في نسخ الأصل يعتبر أمراً غير مرغوب فيه بسب التطور السريع الذي يحدث بصفة مستمرة ، إذ قد ينص المشرع على وسيلة معينة ، ويكتشف الواقع طريقة أخرى أفضل منها .

والحقيقة أن مسالة تطابق الصورة مع الأصل تبدو فنية أكثر منها قانونية .  فالثقة في الصورة ، ومن ثم القول بتطابقها مع الأصل، يقتضي توفير بعض الضمانات من الناحية الفنية سواء بالنسبة للمستند الأصلي المراد نسخه ، أو بالنسبة لاسلوب النسخ ذاته، أو بالنسبة للصورة المستخرجة .

 

وقد رأى المشرع الفرنسي ، تحقيقاً للثقة في التعامل بنظام الحاسب الإلكتروني بوجه عام ، أن ينص على عقاب كل من يقوم بإدخال معلومات مزيفة في نظام للمعالجة الإلكترونية للمعلومات ، أو يُلغي أو يعدل المعلومات المسجلة.

أو طرق معالجتها أو نقلها ، بالسجن مدة تتراوح من ثلاثة شهور إلى ثلاثة سنوات و (أو) غرامة مالية من 2000 فرنك إلى 500,000 ألف فرنك (م 462/4 عقوبات). 

كما نص أيضاً على عقاب كل من يقوم بتزوير السندات الإلكترونية أياً كان شكلها ، بطريقة تترتب عليها ضرراً للغير ، بالسجن مدة تتراوح من سنة إلى خمس سنوات وغرامة تتراوح بين 20,000 ألف فرنك إلى 2000,000 فرنك فرنسي .

 

ثالثاً : عدم الاحتفاظ بالأصل

لم يُضف المشرع الفرنسي على "الصورة" حجية قانونية في الإثبات إلا إذا لم يحتفظ أحد الأطراف أو المودع لديه بالاصل ، وقدم بدلاً منه صورة دائمة ومطابقة له بالمعنى السابق تحديده . فحجية الصورة مشروطة إذن ، في التعديل الجديد ، بعدم وجود الأصل . 

أما إذا وجد الأصل ، وجب – حينئذ – الرجوع إلى القاعدة العامة وهي أن الصورة ليس لها أية حجية إلا بمقدار مطابقتها للأصل .

وقد اكتفى المشرع ، للاعتداد بالصورة ، عدم الاحتفاظ بالأصل دون أن يحدد اسباباً معينة لعدم الاحتفاظ به . 

وقد جاء النص عاماً بحيث يكفي أن يثبت أحد الأطراف أو المودع لديه عدم وجود الاصل أياً كان السبب في عدم وجوده . 

 

كل ذلك على عكس الفقرة الاولى من المادة 1348 مدني التي تشترط لتعطيل مبدأ الإثبات بالكتابة وجواز الإثبات بكافة طرق الإثبات فيما كان يجب إثباته بالكتابة ، أن يثبت أحد الأطراف أنه فقد دليله الكتابي بسبب أجنبي لا يد له فيه. 

فلا يكفي إذن أن يثبت ذوو الشأن عدم وجود الاصل ، وإنما يجب أن يثبتوا أن السند قد فُقد وأن الفقد يرجع إلى سبب أجنبي خارج عن إرادتهم كالقوة القاهرة أو فعل الغير .

ومن هنا يبدو الفارق الكبير بين الفقرة الثانية في ثوبها الجديد، والفقرة الاولى من المادة 1348 مدني : إذ بينما تكتفي الفقرة الثانية إثبات عدم الاحتفاظ بالأصل أياً كان السبب حتى ولو كان راجعاً إلى فعل أحد الأطراف أو المودع لديه أو إهماله أو عدم تبصره ، تشترط الفقرة الأولى أن يكون الفقد راجعاً لسبب أجنبي لا يد لأحد أطراف التصرف فيه . 

وقد تفتح هذه المفارقات الباب واسعاً أمام سوء النية ، والادعاء بعدم وجود الأصل للاستفادة من حجية الصورة .

 

على كل حال ، فإن عبء إثبات عدم الاحتفاظ بالأصل يقع على عاتق أحد أطراف التصرف أو المودع لديه حسب الأحوال . 

وله أن يثبت ذلك بكافة طرق الإثبات بما في ذلك البينة والقرائن ، ويرجع ذلك ، ليس فقط إلا أن الأمر يتعلق بواقعة مادية وليس تصرفاً قانونياً ، ولكن ايضاً لأن اشتراط الكتابة في الإثبات يؤدي إلى تعطيل تطبيق المادة 1348 مدني بفقرتيها . 

إذ الفرض أن الدليل الكتابي لم يحتفظ به ذوو الشأن . ويلاحظ أن إثبات عدم الاحتفاظ بالأصل يقتضي ، بالضرورة ، إثبات سبق وجود هذا الأصل . فالسند الأصلي قد حصل عليه ذوو الشأن بالفعل ، ثم حدث بعد ذلك ما يدعو لعدم الاحتفاظ به .

 

رابعاً: أن يتمسك أحد الأطراف، أو المودع لديه بحجية الصورة

نص المشرع الفرنسي ، في التعديل الجديد ، على تعطيل مبدأ الإثبات بالكتابة إذا لم يحتفظ أحد الأطراف أو المودع لديه بالأصل وقدم بدلاً منه صور تعد نسخاً مطابقاً للأصل – فالذي يتمسك بحجية الصورة – هنا – قد يكون أحد أطراف التصرف ، وقد يكون المودع ديه السند المثبت للتصرف. 

أما في الفقرة الأولى من المادة 1348 مدني ، فإن الذي يتمسك باستبعاد تطبيق مبدأ الإثبات بالكتابة هو أحد أطراف التصرف إذا استحال عليه الحصول على دليل كتابي أو فقد هذا الدليل بعد الحصول عليه بقوة قاهرة أو بفعل الغير .

ويتضح من ذلك أن المشرع قد أضاف بالتعديل الجديد المودع لديه بالإضافة إلى طرفي التصرف ، فما المقصود بالمودع لديه ؟

 

قد يقال أن المقصود بالمودع لديه – هنا – هو البنوك عادة .  فقد كان من بين الأسباب الرئيسية للتعديل الجديد هو أن البنوك تحتفظ لديها بالشيكات التي يصدرها العملاء بعد صرفها لأن نفقات ردها إلى العملاء أكبر من نفقات حفظها. 

وقد أدى ذلك إلى تجمع كميات هائلة من "الشيكات" يجب تخزينها واسترجاعها عند الحاجة إليها .

وقد جاء التعديل لفتح المجال أمام البنوك للتخلص من الأصول بعد نسخها على ميكروفيلم ، أو بعد معالجتها معالجة إلكترونية بوساطة الحاسب الإلكتروني .

 

وبالرغم من صدق هذا القول ، إلا أن المشرع لم يكن – في اعتقادنا – دقيقاً في استخدامه لمصطلح المودع لديه .

فالبنك لا يُعتبر – قانوناً – مودع لديه بالنسبة للشيكات التي يقوم بإصدارها العملاء .  والدليل على ذلك أن البنك لا يلتزم بإعادة الشيك (الشيء المودّع) إلى مُصدره بعد فترة معينة – فليس هناك بين العميل والبنك – بالنسبة للشيكات – وديعة من أي نوع .  ومن ثم، لا تطبق – هنا – أحكام الوديعة.

ويترتب على عدم دقة المشروع الفرنسي في صياغة نص المادة 1348/2 أنه قد يُخشى عدم استفادة البنك من التعديل الجديد ، بالرغم من أن إنقاذ البنوك من طوفان الشيكات كان أحد الأسباب الرئيسة لهذا التعديل .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق