العلوم الإنسانية والإجتماعية

الخصائص العامة لتفكير طفل ما قبل العمليات لدى بياجيه

1995 مستويات النمو العقلي

الدكتور محمد مصيلحي الأنصاري

KFAS

بياجيه تفكير طفل ما قبل العمليات العلوم الإنسانية والإجتماعية المخطوطات والكتب النادرة

1- التمركز حول الذات : Egocenrrism

يعد طفل ما قبل العمليات متمركزاً حول ذاته بالنسبة لما يتصوره ، مثلما كان الطفل حديث الولادة متمركزاً حول ذاته بالنسبة لافعاله الحسحركية (Piaget, 1954, , p. 148) ، وقد شخص بياجيه تفكير هذا الطفل ، بأنه في منتصف الطريق بين تفكير الشخص البالغ المتطبع اجتماعياً والشخص غير الوعي في الفكر الفرويدي .  

الطفل فيما قبل العلميات والمتمركز حول ذاته له خصائص عامة تترتب عليها نتائج من أهمها أن هذا الطفل يتضح من سلوكه دائماً عدم القدرة على أن يأخذ دور الشخص الآخر في اعتباره (أي أن يضع نفسه في محل شخص آخر في الموقف) هذا معناه ، أنه لا يستطيع أن يرى وجهة نظره كمجرد وجهة نظر ضمن وجهات نظر أخرى عديدة ممنة ومحتملة.

وان يحاول التنسيق بين وجهة نظره هذه ووجهات نظر الآخرين التمركز حول الذات كصفة يمكن أن نراها بوضوح سواء في لغة الطفل أو إتصاله بالآخرين.

 

كما يمكن أن نراها بشكل كاريكاتيري عندما يكلف الطفل بمهمة تستلزم تزامناً في النظر إلى شيء ما من جهة ثم من جهة أخرى ، إن الاستجابة الأكثر عمومية في مثل هذه المهمة هو التصور المتمركز حول الذات من وجهة نظر الطفل      (Piaget,Inhelder, 1956, ch 8) .

ويشير بياجيه إلى صعوبتين هامتين تشتقان مباشرة من تمركز الطفل حول ذاته : (Piaget, 1924, 1928, ch, 45)

أول هاتين الصعوبتين هي أن الطفل نظرا لنقص تكيفه مع وجهة نظر الآخرين فإنه يشعر بأنه لا الاتصال بالآخرين يوصل منطقه لهم ، ولا هو يحقق التواصل الممكن بالنسبة لمنطقهن وكنتيجة لذلك فإنه يجد من الصعوبة بمكان أن يتعامل مع عملياته الفكرية الخاصة كموضع للتفكير.

 

أنه – على سبيل المثال – غير قادر على إعادة بناء سلسلة من الاسباب التي مر خلالها توا إنه يفكر ، لكنه غير قادر على أن يفكر حول تفكيره الخاص .

أحد أكثر معتقدات بياجيه ثباتاً والتي يكررها مرات ومرات عبر ما نشر (Piaget, 1950, ch. 6) ان الفكر لا بد وأن يعي نفسه ، أن يكون قادراً على إثبات نفسه ، وأن يكون بشكل عام قابلاً لأن يلتزم بمعايير منطقية اجتماعية تبعده عن التناقش ، وأن يكون متماسكاً ومتفاعلاً مع غيره من الأفكار.

 

كل هذه الصفات وغيرها يمكن أن تنبثق فقط من التفاعل المتكرر بين الطفل واشخاص آخرين خصوصاً هؤلاء الذين يظهرون قبولهم ورفضهم (طبقاً لأنماط سلوكية محددة) والتي من خلالها يكون الطفل مضطراً لأن يتعرف على وجهة نظر وأدوار الآخرين.

إن التفاعل الاجتماعي هو المدخل الوحيد الذي يمكن ان يحرر الطفل من تمركزه الطفولي حول ذاته ، ولكن هذا التفاعل هو مسار نمائي على الطفل في هذه المرحلة ان يجتازه .

 

2- التركيز وعدم التركيز Centeration & Decenteration

إحدى اكثر خصائص طفل ما قبل العمليات بروزاً من وجهة نظر بياجيه ، هو مركزيته ، أو انتباهه لصفة واحدة أو إلى الملمح الأكثر إثارة في الموضوع المعروض أمامه ، مما يؤدي إلى إهماله للملامح الاخرى رغم أهميتها ، رغم ما يؤدي إليه هذا التمركز في الانتباه من إفساد لمنطقه . 

والطفل غير قادر على التحرر من هذه المركزية ، أي  غير قادر على أن يأخذ في إعتباره الصفات التي يمكن أن تحدث توازناً وأن تعوض الإفساد او الزيف في الآثار المترتبة على التركيز على صفة واحدة .  (Piaget, 1942; 1950; 1958)، ومثل طفل المرحلة الحسحركية بالنسبة لمجال الافعال المباشرة.

فإن طفل ما قبل العلميا محصور في سطح الظاهرة التي يحاول التفكير فيها ، مستوعبا فقط تلك الملامح السطحية التي تحدث تاثير أو صخباً أعلى وأشد على انتباهه ، وعلى سبيل المثال عند صب الماء من الكأس (أ) الرفيع الطويل إلى الكأس (ب) القصير الواسع.

 

في مثل هذا الموقف غالباً ما يتركز انتباه الطفل فقط على اتساع الكأس (ب) ويقول غن فيه سائلاً أكثر لارتفاعه ، وهو غالباً يفشل في التحرر من التركيز على أي من الصفتين (الاتساع والارتفاع) وأن يضعها معاً في اعتباره في تزامن واحد.

وعندئذ فقط فإنه يستطيع ان يبرر ويقول إن ارتفاع الكأس (أ) يعوضه اتساع الكأس (ب) ، أو أن قصر ب يعوضه ضيق (أ) .

 

3- العجز عن الربط بين حالات الثبات والتحول States Transformation

إحدى خصائص تفكير طفل ما قبل العمليات هو عدم قدرته على تقديم تفسير منطقي مقبول لما يطرأ من تغير أو تحول على حالة الشيء المعروض أمامه ، إذ إنه عندما يلاحظ بعض هذه التغيرات أو الحالات المتتابعة للشيء.

فإن الطفل يركز في شمول على تلك التحولات أو العناصر التي تتابع أمامه وليس على ما تسبب في انتقال هذا الشيء من حالة إلى حالة أخرى ، الطفل لا يركز انتباهه على عملية التحويل من الحالة الأصلية إلى الحالة النهائية (من كرة صلصال إلى قرص صلصال أو إصبع صلصال مثلاً) أي أن الطفل يقيد إنتباهه لما هو وقع بين الحالتين وهو يحدث.

 

وهو ينتقل من حادثة إدراكية أخرى دون أن يستطيع تكوين سلسلة من الأحداث في ضوء أي من علاقات البداية – النهاية ، تفكيره إذن في هذه المواقف لا هو استقرائي Inductive ولا استدلالي Deductive بل إن أقصى ما يمكن أن يوصف به أنه استدلال انتقال يمطابق (Wadsworth, 1989, p. 68) transductive (Ginshburg, 1988, p. 145)

ويصف هذا اللون من التفكير بأنه تفكير ساكن static بمعنى أنه يتركز على الحالة التي تكون عليها الأشياء ، إنه يفتقد التمثل الصحيح لتحول شيء من حالة إلى حالة أخرى ، وعموماً فإنه يركز انتباهه على الحالة الساكنة في الموقف وليس على تحولها الديناميكي أو ما يطرأ عليها من تغير .

 

ويضيف بياجيه أن تفكير طفل ما قبل العمليات ، تفكير جامد غير قابل للتطويع ، إنه تفكير يركز في انطباعية عامة على هذا أو ذاك في لحظة ما في حالة ما دون أن يربط بدقة بني الحالات المتعاقبة ليكون منها كلاً متكملاً.

بأن يضع في اعتباره التغير أو التغيرات التي توحد بين هذه الحالات وتجعل منها شيئاً منطقياً متماسكاً ، وعندما يعير الطفل التفاته نحو التغير ، فإنه يواجه صعوبة كبيرة ، إنه عندئذ ينهي استيعابه لمخططاته العقلية واكثر من ان يستخدمها في نظام متماسك . (Piaget & Inhelder, 1985, p. 247) ومثال فشل الطفل في تتبع حركة سقوط قلم من مستوى رأسي مباشرة إلى سطح أفقي خير مثال على ذلك (Flavell,   1963, p. 157) .

 

4- عدم قابلية التفكير للعكس أو اللامعكوسية Irreversibility

ربما تكون أكثر خصائص تفكير طفل ما قبل العمليات أهمية ، هي خاصية عدم قابلية هذا التفكير للانعكاس ، ومفهوم الاتزانية (وهما يرتبطان ارتباطاً وثيقاً ببعضهما) على درجة من التعقيد لا تمكننا من الإحاطة به في هذا العرض المختصر.

ونكتفي بالقول بأنه نم وجهة نظر بياجيه (Piaget, 1924, pp. 84-88, 1950, ch. 5, 1957, pp. 10-12) فإن البنى المعرفية قد تكون قابلة للانعكاس أو لا تكون قابلة للانعكاس أو لا تكون كذلك ، فلو أن هذه البنى المعرفية قادرة على التكون عبر طريق معرفي معين متتبعة سلسلة من التغيرات والتبريرات المتاحة في موقف ما ثم عندئذ يمكن لها أن ترتد متجهة في عكس اتجاهها الأول لتصل إلى النقطة التي تمثل نقطة البداية.

 

عندئذ يمكن القول إن هذه البنية المعرفية قابلة للانعكاس ، وليس ثمة شك في أن صورة التفكير القابل للانعكاس تتصف بأنها مرنة ، وفي حالة من الإتزانية ، وقادرة على تصحيح ما قد يكون موجوداً منتشويه أو خداع إدراكي ناتج عن عمليات عدم التركيز المتتابعة والسريعة الحركة .

لكن الفكر الجامد البطىء القائم على الملموس ، لطفل ما قبل العمليات غير قادر على الانعكاس ، ببغائي في إعادته للأحداث الحقيقية ، مثال ذلك فشل هذا الطفل في التوصل إلى حكم صحيح حول مستوى كميتين متساويتين من الماء في كأسين ، أحدهما رفيع طويل والثاني قصير واسع.

 

وكيف أنه غير قادر على أن يدرك كيف أن تماثل كميتي الماء تؤكده إمكانية إعادة مستوى ارتفاع الماء إلى الحالة الأصلية عندما كان في الكأس المعيارية ، وعدم قدرته على استخدام التعويض بين اتساع كاس وارتفاع أخرى للتوصل إلى مثل هذا الحكم. 

إن أطفال هذه المرحلة من النمو العقلي يجدون أنفسهم دائماً في تناقضات بسب أنهم غير قادرين على استخدام بدائل عقلية خلال تتابع زمني معين ، وأن تفكيرهم غير انعكاسي بمعنى أن إمكانية الرجوع لنقطة البداية الأولى غير المتغيرة مستنكرة وربما بشدة من طرفهم (Kraft & Piaget, 1926, Piaget, 1928, ch.4).

 

5- المفاهيم والاستدلال : Concepts and Reasoning

يشير بياجيه إلى المفاهيم الأولية التي يستخدمها الطفل في البداية تحت اسم "ماقبل المفاهيم أو Preconcepts " وتميل هذه المفاهيم الأولية لأن تكون مرتبطة بالأحداث مباشرة ، ومحسوسة ، وخيالية أكثر من كونها مخططات عقلية أو مجردات.

لكنها تتسم بصفة أساسية هي أنها لا تشير إلى أشياء لديها هوية محددة مستقرة بصرف النظر عن الزمان والمكان ولا هي تشير إلى فئات أو مجموعات تضم أفراد متشابهين في صفة أو صفات معينة (Piaget, 1951, PP. 221-230)  .

 

ويستخدم بياجيه مصطلح الاستدلال المطابق transductive  لانماط الاستدلال التي يحاول طفل ما قبل العمليات من خلالها أن يربط هذه المفاهيم الاولية مع بعضها (Piaget, 1928, 180-195, 23-240) ، وهذا الاستدلال المطابق.

لا هو استقراء صحيح ولا هو استدلال صحيح لأنه يتقدم من الخاص إلى الخاص مركزاً على عنصر واحد ظاهر في الحادث أو الشيء وحيث يتقدم الطفل دون أن يمتلك فكراً قابلاً للانعكاس وليتوصل إلى نتيجة معينة من شيء معتمداً على إدراكه القاصر ويشير بياجيه هنا إلى نقطة مهمة تتمثل في أن صحة الحقيقة بالنسبة للطفل لا تستند إلى أية ضمانة أو آلية منطقية معينة، إنها تستند تماماً على استدلاله المطابق المؤقت العارض والذي قد يعكس أحياناً توجهاً إستقرائياً أو استدلالياً . 

 

ويفسر بياجيه عملية الاستدلال المطابق في تفكير ما قبل العمليات(Flavell, 1963, PP. 59-60)  على النحو التالي :

أ- يميل الطفل إلى عمل ارتباطات وصلات أكثر من كونها علاقات سببية بين الاحداث المتتابعة في سلسلة من أعمال الاستدلال ، وهذا معناه ببساطة أنه يميل إلى الربط العارض بين العناصر أكثر من كونها صلة مبنية على حتمية منطقية أو علية طبيعية . 

والأجزاء عند هذا الطفل أو ما يكون عناصر المجموعات ليست مرتبطة بكلياتها وفئاتها المتطورة من خلال العلاقات الخاصة بالتضمين .  إن استدلال الطفل توليفي ، يجمع بين أشياء مختلفة ومتعددة في مخططات عقلية شبه كلية وشبه إجمالية .

ب- طالما أن أي شيء يمكن جمعه بالربط العارض مع أي شيء آخر (وبالطبع ليس اعتماداً على سببية حقيقية) بل من خلال الكل التوليفي ، فإن الطفل يميل عندما يعترض عليه ذلك ، يميل لأن يجد سبباً أي سبب لأي شيء .

ج- طالما أن متطلبات السبب – النتيجة مفككة بهذا الشكل عند الطفل ، فإن أي شيء وكل شيء ينبغي أن يكون له سبب محدد ، وإحدى النتائج المثيرة لهذا التوجه هو أن الطفل يصبح غير قادر على تكوين مفهوم أصيل لا للسببية ولا للفرصة أو الاحتمال ، وهذها ما نتناوله في الخاصية التالية :

 

6- مفاهيم السببية : Concepts of Causality

قبل أن نتعرض لمفاهيم السببية في تفكير طفل ما قبل العمليات لا بد من ان نتوقف عند القاعدة الأساسية التي انطلق منها بياجيه في تفسيره للحالة التي تكون عليها هذه المفاهيم في هذه المرحلة النمائية ، خاصة أن مفاهيم السببية ربما تكون قد نالت من اهتمام بياجيه ودراساته ما لم تنله مفاهيم أخرى . 

وينطلق بياجيه من القول بأن تفكير طفل ما قبل العمليات هو تفكير جامد غير مرن ، حيث لا أساس له في الأحداث ، وهو تفكير يركز على الأحداث المفردة ، واحد في المرة الواحدة .

ويفشل في البحث عن القاسم المشترك بين الأحداث ، وهو تفكير يلجأ إلى أساليب غير صحيحة لحل المشكلات العقلية التي تتطلب أن يقوم الطفل بتحويل جزئية من المعلومات لجزئية جديدة من المعلومات.

ويرجع بياجيه نقص القدرة الاستنتاجية إلى غياب التفكير القابل للانعكاس (Furth, 1968), (Inhelder & Piaget, 1964, Ch.3)   (Piaget, 1952).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق