علم الفلك

الخصائص التي يتمتع بها العالم الكوني

2003 موسوعة الكويت العلمية للأطفال الجزء الرابع عشر

عبد الرحمن أحمد الأحمد

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العالم الكوني خصائص الكون علم الفلك

الكَوْنُ هو كلُّ ما يحيطُ بِنا من مادَّةٍ وإِشْعاعٍ وفَراغٍ، بدءًا مِنْ أَقْرَبِ ذَرَّةٍ لَنَا حتَّى نِهايَةِ ما يمكنُ أَنْ نَسْتَدِلّ علَى وُجودِهِ أو نُدْرِكَ كُنْهَهُ.

ويَشْتَمِلُ الكونُ علَى الكواكِبِ وأَقْمارِها، والنُّجومِ وأَشْباهِها، والمَجَرَّاتِ والسُّدُمِ وما بَيْنَها، كما يَشْتَمِلُ علَى أَنْواعِ الإشْعاعِ المُخْتَلِفَةِ سواءٌ كانَ طويلَ المَوْجَةِ أو قصيرَها.

ويَعْتَقِدُ كثيرٌ من العُلماءِ أنَّهُ منذُ حوالَيْ 20 بليونَ سَنةٍ لم يَكُنْ هناكَ كَواكِبُ ولا أقمارٌ ولا نجومٌ ولا مَجَرَّاتٌ، بلْ كُرَةٌ صغيرةٌ مِنَ النَّارِ أو النُّورِ كانَتْ تحتوِي علَى كلِّ ما في الكَوْنِ الحالِيِّ منْ مادَّةٍ وطاقَةٍ، ثمَّ انْفَجَرَتْ. 

فتَطَايَرَتْ في كلِّ اتِّجاهٍ مُكَوِّنَاتُها مِن بُروتوناتٍ، ونيوتْروناتٍ، وإِلِكْتروناتٍ (انظر: ذرَّة)، فكانَتْ تَسْبَحُ في بَحْرٍ كثيفٍ مِنَ الإشْعاعِ. وهذا يسمَّى «الانْفِجارَ العظيمَ» أو «البِجْ بانْج».

 

ولَقَدْ بَدَأَتْ المادَّةُ في تَكوينِ تَجَمُّعاتِها، بَيْنَما كانَتْ آخِذَةً في الانْتِشارِ والتَّوَسُّعِ في الفَراغِ الكَوْنِيِّ المحيطِ بِها. ثمَّ اسْتَمَرَّتْ التَّجَمُّعاتُ الّتي صارَتْ علَى هَيْئَةِ سُحُبٍ تَتَباعَدُ عَنْ بَعْضِها البَعْضِ بَيْنَما اسْتَمَرَّ كلُّ تَجَمّعٍ في الانْكِماشِ تَحْتَ تأثيرِ الجاذِبِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ لِمُكَوِّنَاتِه.

وكثيرًا ما كانَ التكاثُفُ يُوَلِّدُ كُرَةً غازِيَّةً تَرْتَفِعُ دَرَجاتُ حرارَتِها كُلَّما اشْتَدَّ تكاثُفُها، حتَّى إذا بَلَغَتْ حدًّا يُمَكِّنُ من انْدِماجِ نَوَياتِ بَعْضِ مُكَوِّناتِها أَصْبَحَتْ نَجْمًا تَصْدُرُ منهُ الطَّاقَةُ الإشْعاعِيَّةُ إلَى ما حَوْلَه.

وقَدْ يَتَبَقَّى مِنْ سَحابَةِ التَّجَمُّعِ المُنْكَمِشِ بَعْضُ فُقَّاعاتٍ تأخذُ في اللَّفِ مِغْزَلِيًّا بِسُرْعَةٍ مُتَزايِدَةٍ كُلَّما تَضَاغَطَتْ مُكَوِّنَاتُها، حتَّى يتكوَّنَ مِنْها كَوْكَبُ أو أَكْثَرُ.

كذَلِكَ قَدْ يحيطُ بِبَعْضِ الكواكِبِ قَمَرٌ أو أَكْثَرُ يَتَكوَّنُ مِمَّا يَتَبَقَّى من أَجْزاءٍ صَغيرَةٍ مِنْ مادَّةِ السَّحابَةِ الأَصْلِيَّةِ المُنْكَمِشَةِ ذاتِيًّا. ومِنْ مَجموعاتِ النُّجومِ والكَواكِبِ والأَقْمارِ تَكَوَّنَتْ الجُزُرُ الكَوْنِيَّةُ الهائِلَةُ الّتي تُسَمَّى المَجَرَّاتِ.

 

ولِلْكَوْنِ خاصِّيتانِ أساسِيَّتانِ تَمَّ التَّثَبُّتُ مِنْهُما بالأَرْصادِ الفَلَكِيَّةِ الدَّقيقَةِ، أَوَّلُهما «الإزَاحَةُ الحَمْراءُ في طَيْفِ المَجَرَّاتِ، بما يُؤَكِّدُ تَحَرُّكَها مُبْتَعِدَةً عَنَّا باسْتِمْرارٍ.

وثانِيَتُهما وجودُ موجاتٍ راديوِيَّةٍ ذاتِ طَيْفٍ مُسْتَمِرٍّ يناظِرُ ما يَصْدُرُ عن جِسْمِ أَسْوَدَ شديدِ البرودَةِ (نظرًا لأَنَّ دَرَجَةَ حَرارَةِ الكَوْنِ هي 270 درجة تَحْتَ الصِّفْرِ السِّيلْزِيِّ).

ولَقَدْ ظَهَرَ أَوَّلُ دليلٍ علَى وجودِ هذهِ الإشْعاعاتِ في عامِ 1965 حيثُ أَثْبَتَتْ الأَرْصادُ العديدَةُ وجودَ إِشْعاعٍ متجانِسٍ يُمْكِنُ اسْتِقْبالُ مقاديرَ مُتساوِيَةٍ منه في جميعِ الاتِّجاهاتِ. 

ولَقَدْ فَسَّرَ العلماءُ ذَلِكَ باعْتِبارِ أَنَّ الانْفِجارَ العظيمَ قَدْ سَبَّبَ انْدِفاعًا هائِلاً للفُوتوناتِ، وأَنَّها تَعَرَّضَتْ للإزَاحَةِ الحَمْراءِ نتيجةَ تَوَسُّعِ الكَوْنِ، فَظَهَرَ ذَلِكَ علَى صورَةِ مَوْجاتٍ راديوِيَّةِ تُمَثِّلُ إِشْعاعَ الخَلْفِيَّةِ الكَوْنِيَّةِ.

 

ولَقَدْ أَثْبَتَتْ الأَبْحاثُ الفَلَكِيَّةُ أنَّ الكَوْنَ لا زالَ مُسْتَمِرًّا في التَّوَسُّعِ حتَّى الآنَ، وأَنَّ المَجَرَّاتِ البَعِيدَةَ أكثرُ سُرْعَةً في الابْتِعادِ عَنَّا إِذا ما قُورِنَتْ بالمجرَّاتِ القريبَةِ.

واسْتَنْتَج «هابِلْ» قانونًا يُوَضِّحُ أنَّ كلَّ زِيادَةٍ في بُعْدِ المَجَرَّاتِ عَنَّا بمقدارِ 3,6 مليونِ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ تُقابِلُها زيادَةُ سُرْعَةِ انْطِلاقِها مُبْتَعِدَةً عَنَّا بمِقْدارِ 75 كيلومترًا في الثَّانِيَةِ.

ولَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أنَّ الأَرْضَ تُوجدُ في مَرْكَزِ الكَوْنِ، وأَنَّ الأَجْرامَ تَتَباعَدُ مِنْ حَوْلِها في كُلِّ اتِّجاهٍ. فَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الفَلَكِيِّينَ مِنْ كَوْكَبٍ آخَرَ في مَجَرَّةٍ أُخْرَى قَدْ قَام بِقِياسِ ابْتِعادِ المَجَرَّاتِ عَنْ كَوْكَبِه لَتَوَصَّلَ إلَى النتيجَة نَفْسِها، ولاكْتَشَفَ أنَّ كلَّ المَجَرَّاتِ تتباعَدُ عَنْهُ مِثْلَما تَتَباعَدُ عَنَّا.

 

والواقِعُ إنَّه يمكنُ أَنْ نُمَثِّلَ الحالَةَ الكَوْنِيَّةَ علَى هَيْئَةِ بالونٍ رُسِمَتْ علَى سَطْحِهِ عِدَّةُ نِقاطٍ مُخْتَلِفَةِ الأَلْوانِ تُمَثِّلُ المَجَرَّاتِ، فإذا دُفِعَ فيه الهَوَاءُ ازْدادَ حَجْمُهُ، واتَّسَعَتْ مِساحَةُ سَطْحِهِ، وتباعَدَتْ النِّقاطُ عَنْ بَعْضِها البَعْضِ في كلِّ اتِّجاهٍ.

ويَتَّضِحُ، بناءً علَى ما اسْتَنْتَجَهُ هابِلْ، أَنَّ المَجَرَّاتِ شديدةَ البُعْدِ تكونُ سُرْعَةُ ابْتِعادِها كبيرَةً جِدًّا. ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ أَنْ تَصِلَ إلَى مَرْحَلَةٍ تكونُ فيها سُرْعَةُ ارْتدادِ المَجَرَّاتِ أو الأَجْرامِ السَّماوِيَّةِ مُساوِيَةً لِسُرْعَةِ ما يَصْدُرُ عَنْها مِنْ ضَوْءٍ.

وهكذا تَتَحَدَّدُ النِّهايَةُ العُظْمَى لأَقْصَى ما يُمْكِنُنا أَنْ نَراهُ، أو نَرْصُدَهُ مِنْ أَجْزاءِ الكَوْنِ. تِلْكَ إِذًا حُدودُ الكَوْنِ الّذي نُدْرِكُهُ.

 

ولَقَدْ قَدَّرَ العلماءُ بُعْدَ هذه الحدودِ فكانَتْ مِنْ عَشَرَةِ إلَى عشرينَ بِليونَ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ في كلِّ اتِّجاهٍ. فَلَوْ اعْتَبَرْنا الكَوْنَ الّذي يمكنُ إِدراكُه علَى هَيْئَةِ كُرَيَّةٍ فإنَّ نِصْفَ قُطْرِهِ يَتَراوَحُ بَيْنَ عَشَرَةِ وعشرينَ بليونَ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ.

ويَرْجِعُ التَّفاوُتُ في التَّقديرِ إلَى اخْتلافاتٍ في القِيَمِ الّتي يَعْتَمِدُها العُلَماءُ لِسُرْعاتِ ارْتدادِ المَجَرَّاتِ.

ومِنْ المَعْروفِ أَنَّ الكَوْنَ يَشْتَمِلُ علَى ما يزيدُ علَى مِئَةِ بِليونَ مَجَرَّةٍ، وكلَّ مَجَرَّةٍ مِنْها جزيرَةٌ كَوْنِيَّةٌ تَتَناثَرُ فيها النُّجومُ من أَنْواعٍ وأَشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ.

 

وأَصْغَرُ المَجَرَّاتِ المعروفَةِ يُطْلَقُ عَلَيْها اسمُ «الأَقْزامِ البَيْضاوِيَّةِ»، وكتلةُ كلٍّ منها في المُتَوَسِّطِ تساوِي كتلةَ مِليونِ شَمْسٍ.

أما كتلة المواد المكونة للمجرات الكبيرة، من نوع «العمالقة البيضاوية» فتصل إلى نحو ثلاثة آلاف بليون شمس وتتراوح كتل المجرات عموما بين مليون وألف بليون شمس.

وتعد كُتْلَةُ مَجَرَّةِ «درب التَّبَانَةِ» مُتَوَسِّطَةَ القِيمَةِ، حيثُ تساوِي ثلاثَمِئةِ بليونِ شَمْسٍ. ومِنَ المُدْهِشِ أَنَّه كُلَّمَا تَمَكَّنَ العُلماءُ مِنْ رَصْدِ جِرْمٍ أَكْثَرَ بُعْدًا، كانَتْ أَشِعَّتُهُ قَدْ قَطَعَتْ مسافاتٍ طويلَةً، وذَلِكَ خِلالَ آمادٍ طويلَةٍ، حيثُ تُعَدُّ سُرْعَةُ الضَّوءِ ثابِتَةً في أَرْجاءِ الكَوْنِ.

 

ومِنَ المعروفِ أَنَّ الأَشِعَّةَ الَّتي تَسْتَقْبِلُها المَراصِدُ في ليلةٍ مُعَيَّنَةٍ تُمَثِّلُ أَحوالَ الأَجرامِ السّماوِيَّةِ حينَما صَدَرَتْ مِنْها هذه الأَشِعَّةُ. ويكونُ ذَلِكَ من عِدَّةِ بلايينِ السِّنين إذا كانَ الجِرْمُ علَى مسافَةِ بلايينِ السِّنينِ.

ونظرًا لِلْمسافاتِ الهائِلَةِ الّتي تَفْصِلُ بينَنا وبينَ حُدودِ نهاياتِ الكَوْنِ فإنَّ الأَشِعَّةَ الصّادِرَةَ من الأَجْرامِ هناكَ والّتي نَسْتَقْبِلُها في عَصْرِنا الحاضِرِ تُمَثِّلُ حالاتِ هذه الأَجْرامِ منذُ فتراتٍ تَتَراوَحُ بَيْنَ عَشَرَةِ إلَى عشرينَ بليونِ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ فإنَّها تُمَثِّلُ الحالَةَ الكَوْنِيَّةَ الّتي كانَتْ سائِدَةً عِنْدَ بِدايَةِ نَشْأَةِ الكَوْنِ.

ونظرًا لِلْمسافاتِ الشّاسِعَةِ الّتي تَفْصِلُ بَينَنا وبَيْنَ المَجَرَّاتِ الأُخْرَى فإنَّنا لا نَسْتَطيعُ تمييزَ المُكَوِّناتِ النَّجْمِيَّةَ المُتَفَرِّقَةَ لِمُعْظَمِ المَجَرَّاتِ، بَيْنَما نَرَى النُّجومَ المُفْرَدَةَ خارجَ مَجَرَّتِنا في عَدَدٍ قليلٍ من المَجَرَّاتِ القَريبَةِ مِنَّا مِثْلِ المَجَرَّةِ المُسَمَّاةِ «سَحَابَةَ ماجِلانْ» (نِسْبَةً إلَى مُكْتَشِفِها في نِصْفِ السَّماءِ الجنوبِيِّ خلالَ رِحْلَتِهِ الشَّهيرَةِ) وهي أَقْرَبُ المَجَرَّاتِ إِلَيْنا. 

 

إذْ تَبْتَعِدُ عَنَّا مَسافَةَ 160 أَلْفَ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ. ونحنُ نَستطيعُ أن نَرَى أَيْضًا نُجومَ المَجَرَّةِ الحَلَزونِيَّةِ M 31 الّتي تُوجَدُ علَى مَسافَةِ مليونَيْ سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ.

ولَقَدْ قَدَّرَ العلماءُ أَعدادَ النُّجومِ في مَجَرَّاتِ الكَوْنِ فَبَلَغَتْ نَحْوَ عَشَرَةِ ملونِ مليونِ مليونِ نَجْمٍ (1019)، وتُعَدُّ الشَّمْسُ من بينِها مِثالاً لِعامَّةِ النُّجومِ المُتَوَسِّطَةِ، فَلَيْسَ ثَمَةَ شَيءٌ حَوْلَ شَمْسِنا يمكنُ أَنْ يُوحِيَ بِوُجودِ شَيءٍ مُمَيَّز. وبالتَّالِي فَمِنَ المَعقولِ أَنْ نَفْتَرِضَ تَكْرارًا لا حَصْرَ لَهُ لِنُظُمٍ تُشْبِه النِّظامَ الشَّمْسِيَّ.

 

ولَقَدْ أَثْبَتَتْ الدِّراستُ الفَلَكِيَّةُ لأَعْدادِ النُّجومِ الشَّابَّةِ، والنُّجومِ الطَّاعِنَةِ في الشَّيخوخَةِ أَنَّه يُولَدُ في مَجَرَّتِنا نَجْمٌ واحِدٌ كُلَّ عامٍ.

وعِنْدَما أَخَذَ العلماءُ في الاعْتِبارِ مُعَدَّلَ تكوينِ النُّجومِ ونِسْبَةَ النُّجومِ الفَرْدِيَّةِ أَمْكَنَهُم التَّوَصُّلُ إلَى احتِمالِ ظهورِ مَدَنِيَّةٍ عاقِلَةٍ في مَجَرَّةِ دَرْبِ التَّبَّانَةِ لا يَقِلُّ عَنْ واحدٍ في كلِّ عامٍ، وقِسْ علَى ذَلِكَ باقي المَجَرَّاتِ. ويبدو أنَّ الكَوْنَ زاخِرٌ بأعدادٍ هائِلَةٍ من الحضاراتِ الّتي يُشَيِّدُها العُقلاءُ في كثيرٍ من أَرْجائِهِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق