العلوم الإنسانية والإجتماعية

الحق في توفير العلاج الصحيح للمرضى العقليين في ظل الموارد والفرص غير المتساوية

1996 تقنيات الطب البيولوجية وحقوق الإنسان

الدكتور يوسف يعقوب السلطان

KFAS

العلوم الإنسانية والإجتماعية البيولوجيا وعلوم الحياة

إن العدالة التي تتمثل في إتاحة الفرص المتساوية للعلاج والفرص المتساوية للتحرر من القيود، تعتبر بصفة عامة من حقوق الإنسان والحقوق المدنية. 

فحتى في غياب المرض العقلي فإن احتمال التعامل العادل يقل عندما تتطلب المعاناة تفاعلا واعتمادا على الآخرين.  (فيتش Veatch، 1981). 

وفي مثل هذه الحالة يكون لدى الطبيب وسائل افضل ما لدى المريض.  وهنا يشير الموضوع إلى عنصر المعرفة والنفوذ الاجتماعي اكثر مما يشير إلى النقود. 

وفي ظل هذه الظروف يصبح التوزيع العادل بالنسبة للمكانة الشخصية (رولز Rawls 1971)، وتنمية الشعور الجماعي بين من يحتاج إلى المساعدة ومن يقدم المساعدة، أمراً يكاد يكون مستحيلا.

 

ويتعقد الموقف مع اختلاف ظروف حياة المرضى وسياقها الذي يحدث فيه الاتصال العيادي أو الاكلينيكي.

ومن الواضح لدى كل شخص ان العلاج يختلف باختلاف السياق الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه المريض، بما في ذلك الموارد المتاحة وكذلك الوضع الاقتصادي الاجتماعي للمريض، وانتماؤه العرقي أو الثقافي، وغير ذلك من أوضاع تسبب الاختلاف في النفوذ والمكانة. 

ولقد ذكرنا في الفصل الثاني أنه في العصر الذي تسود فيه النظريات البيولوجية أو الحيوية على النظريات السيكولوجية الاجتماعية أو النفسية الاجتماعية عن الأمراض العقلية فإنه يحتمل أن يكون التعامل مع أفراد جماعات الأقليات الذين شوهت سمعتهم نتيجة لتصرفات الأغلبية، بقليل من التفاؤل، وسنجد أنهم محرومون من بعض الفرص بسبب توقع عدم تقدرتهم على الاستفادة منها. 

 

وكما لاحظ جولد (Gould) فإن نظرية الحتم البيولوجي تلقى اهتماما كبيرا في الظروف التي تسودها الآراء السياسية المحافظة أو الرجعية (نيويورك تايمز New York Times، التعليق على الكتب، 20 أغسطس 1984، ص 7). 

ويصبح التنبؤ ذاته معتمدا على تفسيرات خاطئة لأن النقص في الطب النفسي يصعب أحيانا فصله عن الارتباط بالنقص الاجتماعي وبعد الثقافة عن معايير الأغلبية.

وفي المجتمعات المتعددة الأعراق ربما يكون الوضع الإثني أو العرقي أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المريض مؤشرا على التنبؤات، ليس فقط عن توافر أنجع واكثر أنواع العلاج فائدة، ولكن أيضا للتنبؤ عما إذا كان الطبيب سيكشف للمريض عن كل الآثار الجانبية المحتملة لأسلوب علاج تقني معين أم لا. 

ويزداد هذا الاهتمام أو الاتجاه مع زيادة تدفق المهاجرين في كل انحاء العالم.  فقد جاء في تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO)، وفي نتائج استقصاءات بعض الباحثين أن المهاجرين بما فيهم المهاجرون للعمل من أقطار الدول الأقل نموا إلى الدول الأوروبية الصناعية لا يستخدمون الموارد الصحية المتاحة بصورة فعالة (كوليدج وآخرون Golledge et al، 1986). 

 

فالعلاقة بين الأطباء وطالبي العون من المهاجرين من أقطار تحررت حديثا من الاستعمار، قد تصبح صعبة بسبب سلوك طالبي العون في مواجهة السلطة التي يرون أمامهم.

فتجنب التقنيات الطبية أو رفض استعمالها بما في ذلك المركبات الدوائية من العقاقير النفسية قد تكون وسيلة للإبقاء على الحدود الثقافية وعلى الهوية الشخصية في موقف الغربة. 

وفي الدول الأقل تقدما ذاتها، نجد أن العلاج الطبي التقني الذي يقدمه اطباء أجانب يمكن أن يلقى مقاومة وعدم ترحيب بناء على التقاليد والولاءات والقيم السائدة في الاسر على نقيض ما يقدمه المعالجون المحليون (برودي Bro-dy، 1981/ب).

 

وتدلنا زيادة احتمال إدخال زيادة الأمريكيين الأفريقيين والأمريكيين الاصليين إلى مستشفيات الأمراض النفسية (غالبات على أساس الإجبار) على نقيض ما يحدث بالنسبة للبيض من علاجهم بالعيادات الخارجية أو في المستشفيات العامة (سنودن Snowden وشيونج Cheung 1995). 

على أن المجموعتين الأولى والثانية تتلقيان علاجا نفسيا أقل وعلاجا دوائيا أكثر مما تتلقاه المجموعة الأخيرة أي البيض. 

وتتفق هذه النتيجة مع ما ورد في التقارير التي قدمت منذ جيلين (هولنجسهيد Hollingshead وريد ليش Redlich ، 1985)، من أن المرضى الذين ينتمون إلى أدنى الطبقات الاجتماعية الاقتصادية كانوا يشخصون عادة بخلاف تشخيص أبناء الطبقات الايسر حالا، على أنهم مصابون بالفصام، وأنه كان هناك اتجاه إلى تجميعهم في مستشفيات الأمراض العقلية العامة، وأنهم كانوا يتلقون العلاج بالعزل فقط أو بوسيلة الصدمات الكهربائية. 

 

ويمل الأطباء النفسيون الخاصون في الولايات المتحدة إلى إعطاء معلومات أكثر من الآثار الجانبية للعقاقير لمرضاهم الذين يأتون طوعا، أكثر مما يعطيه أطباء المستشفيات للمرضى الذين يأتون إجبارا.

ويتلقى المرضى من أبناء الطبقات الاجتماعية والاقتصادية العالية شرحا وتفسيرا تطوعيا عن المرض وعن العلاج، بصرف النظر عن التشخيص، أكثر مما يتلقاه المرضى من أبناء الطبقات الاقتصادية والاجتماعية الأدنى (بنسون Benson، 1984). 

وتعظم هذه الفوارق بين مرضى العيادات الخصوصية والمستشفيات العامة في الدول النامية حيث تؤدي الفجوة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاختلاف بين الأطباء والمرضى في المكانة والنفوذ إلى إعاقة الثقة المتبادلة في الاتصالات بينهما (برودي Brody 1973/أ و 1981 أ). 

 

أما في مستشفيات الامراض العقلية الكبرى العامة فإن للأطباء علاقات بسيطة للغاية مع المرضى، ولا يعرفون إلا القليل أو لا يعرفون أية معلومات شخصية عن المرضى الكثيرين الذين يتخذون بشأنهم قرارات هامة. 

أما في الديمقراطيات الصناعية التي تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية، وما تشتمل عليه من تدريب طبي واسع ومؤسسات بحثية.  فإن المشكلة تتفاقم نتيجة للأعداد الكبيرة من الاطباء المهاجرين من أقطار أخرى. 

ففي هذه الظروف يكون للمعالجين معرفة محدودة بلغة المريض وثقافته.  فتضاف الفجوة اللغوية والثقافية هنا إلى الفجوة الاقتصادية الاجتماعية، والاختلافات في السلطة والنفوذ بين الطبيب والمريض الذي يكون بالفعل نتيجة لمرضه العقلي وكونه شخصا معرضا لضغوط شديدة غريبا ثقافيا.

 

ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إعاقة أو شل الاتصال الفعال، كما يؤدي إلى تقليل شعور المريض بالأمان إلى زيادة الاحتمالات في اقتصار أساليب العلاج على العقاقير أو غيرها من الاساليب البعيدة عن الاتصالات الشخصية وتجعل الموافق الواعية والكشف التام عن أسرا رالمريض أمرا زائف ومظهرا كاذبا.

ويصبح المريض النكرة وفاقد الهوية نسبيا في داخل اية مصحة أمراض عقلية عامة ضخمة، بصرف النظر عن الرعاية الصحية الإنسانية، في حالة شديدة السوء. 

فنظرا لأن عليه أن يساير المتطلبات العادية للمؤسسة أو الصحة التي يتولى إدارتها عدد من الأشخاص أقل بكثير من عدد المرضى، فإن اي انحرافات عن اللوائح العادية (التي تعتبر من الناحية العلاجية هي الجهود الصحية الموجهة لكل فرد تعتبر مخالفات وخروجا في حاجة إلى إصلاح النظام أو أعراضا في حاجة إلى علاج. 

 

وفي هذا السياق فإن المريض المختلف ثقافيا، أو المولود في بلد أجنبي او الريفي غير المتعلم أو المريض الفقير أو غيرهم ممن لا يتلقون عناية شخصية يصبحون في أسوأ الأحوال.

ويسبب انخفاض نسبة العاملين إلى المرضى في معظم مصحات الأمراض العقلية الكبرى في العالم كله مشكلة أخرى، تظهر بصورة أوضح فيما يتعلق بالعلاج بالعقاقير، التي تعتبر العنصر الرئيسي للعلاج.  فالطبيب المعالج الذي يحدد التدخل بالعقاقير ليس هو الشخص الذي يراقب ويلاحظ النتائج.

ويتضح هذا ويزداد حينما يضطر المريض إلى دخول المصحة للعلاج لفترة ثم يحول إلى العيادة الخارجية ليتم علاجه ثم يعود لدخول المصحة وهكذا.  أي بين كونه مريضا داخليا وخارجيا في فترات متتالية. 

 

ونظرا لان المسار الاكلينيكي للمرض النفسي العقلي يتأثر بالسياق بما في ذلك كل من الدعم الاجتماعي والمؤثرات السلبية للحاجات والمخاوف من الاسرة والاقرباء فإن احتمال حدوث مواقف توتر طارئة يتورط فيها أو تمس أفرادا آخرين من المجتمع تكون عالية. 

ويكون الطبيب المعالج غالبا تحت ضغوط تاتي من الجماعة والاسرة لإعطائه قسرا أدوية مهدئة يحكم على نتائجها شخص آخر، ويصبح من المستحيل في أغلب الاحيان للطبيب والمريض أن يكونا علاقات تسودها الثقة المتبادلة بينهما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق