علم الفلك

الحشود النجمية

2013 أطلس الكون

مور ، السير باتريك مور

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

علم الفلك

الحشود النجمية

تُعد الحشود النجمية من أجمل الأجسام الموجودة في السماء، ويَسهُل مشاهدة العديد منها بالعين المجردة مثل الثريا والقلاص في كوكبة الثور، والنثرة في كوكبة السرطان، وعلبة المجوهرات في كوكبة الصليب الجنوبي، ويُمكِن مشاهدة العديد منها بالمنظار أو المقراب الصغير. في عام 1781، قام الفلكي الفرنسي شارلز ميسيه بتجميع قائمة ضمت أكثر من مئة حشد نجمي وسديم، ولم يفعل هذا بدافع اهتمامه ولكنه كان دائما ما يخلط بينها وبين المذنبات التي كان مهتما جدا بها. والطريف في الأمر أننا اليوم نتذكر ميسيه بهذا الفهرس ومازلنا نستخدم أرقامه التي وضعها، فبناء عليه النثرة هو M44 أما حشد الثريا فهو M45. ومن الأرقام المستخدمة أيضا اليوم هي أرقام فهرس العام الجديد NGC الذي أعده ج.ل.إ. دريير (J.L.E. Dreyer) عام 1888 (بالإضافة إلى أرقامه التي جمعها في فهرس الدليل IC)، ووفقا له يكون النثرة أيضا NGC2632 وعلبة المجوهرات NGC4755. أما فهرس كالدويل (C) الذي أعددته بنفسي عام 1996 فيبدو أنه بدأ يُستخدم بشكل عام، وهو لا يحوي أيا من أجسام ميسيه ووفقا لطريقتي يسمى حشد علبة المجوهرات C94.

يوجد نوعان من الحشود النجمية، الحشد المفتوح والحشد الكروي، فالحشود المفتوحة- أو ضعيفة الترابط- يمكنها أن تحوي ما بين بضع عشرات إلى بضع مئات النجوم التي ليست لها بنية محددة ولا يمكنها الاستمرار إلى ما لا نهاية لأنها بعد مرور مدة كافية من الوقت ستقوم نجوم غير حشدية باعتراضها وستفقد خواصها. والنجوم من نفس الحشد تكون من نفس العمر وتكون قد تكونت من نفس السحابة البينجمية مع أن اختلاف كتلها الأولية يعني أنها تطورت بمعدلات مختلفة. أما الحشود الكروية فهي منظومات هائلة متناظرة وتضم أكثر من مليون نجم.

من أشهر الحشود المفتوحة الثريا والقلاص من كوكبة الثور(خريطة 17)، فحشد الثريا واضح ومعروف منذ العصور الأولى )إذ يرد ذكره في ملحمة الأوديسة وفي الإنجيل(. وفي ليلة صافية يمكن لأي شخص بنظره الطبيعي تحديد سبعة نجوم على الأقل- ومن هنا يأتي اسم الشهرة الدارج ’الأخوات السبع’. أما من كان نظره حادا فبإمكانه مشاهدة عدد أكبر من النجوم (يقال أن الرقم القياسي للنجوم المشاهدة هو 19)، ويُظهِر المنظار أكثر من ذلك، إذ أن مجموع النجوم التابعة لهذا الحشد يقارب 400.

أما ألسيون أو إيتا الثور وهو أسطع نجم في الحشد فهو من القدر الثالث. ونجوم القلاص أكثر تناثرا ويطغي عليها ضوء الدبران

(ألفا الثور) الساطع البرتقالي اللون مع أنه ليس جزءا من الحشد ولكنه يقع تقريبا عند منتصف المسافة بيننا وبين القلاص. لم يضم فهرس ميسيه القلاص، ربما لأنه لا يوجد أي وجه للاختلاط بينه وبين مذنب.

والنثرة في كوكبة السرطان (خريطة 5) هو حشد مفتوح آخر مرئي للعين المجردة ويسمى أيضا خلية النحل أو الساقية ويمكن استخدام المنظار للحصول على رؤية ممتازة له، وهو أقدم بكثير من الثريا. نجد أيضا في كوكبة السرطان الحشد M67 وهو على طرف مجال الرؤية بالعين المجردة، وهو في الأغلب أقدم حشد مفتوح معروف لنا ويقع على بعد مسافة كبيرة من المستوى الرئيسي للمجرة، وهو يتحرك في منطقة قليلة الكثافة النجمية ولا يزعجه تأثير الجاذبية للنجوم الفردية غير التابعة لحشد ما. أما في برشاوس فيوجد حشد مزدوج (NGC869 و 884) في مقبض السيف و نجد في أسفل الجنوب علبة المجوهرات بالقرب من كابا الصليب الجنوبي (من هنا يأتي اسمه الثاني حشد كابا الصليب الجنوبي) والذي يحتوي على نجوم من ألوان متضاربة ومن ضمنها عملاقأحمر بارز. والحشود المقرابية منتشرة بما فيه الكفاية وتقع العديد منها ضمن مجال الرؤية للمقاريب الصغيرة.

تقع الحشود الكروية في هالة محيطة بالمجرة الرئيسية، نعرف أكثر من مئة حشد منها ولكن جميعها نائية جدا وقد ضم ميسيه في فهرسه 28 حشدا منها. وأسطع حشدين يقعان بعيدا جدا بالجنوب بحيث أنهما لا يبزغان أبدا فوق أوروبا. وحشد أوميغا قنطورس (خريطة 20) هو مذهل فعلا وبارز جدا مع أنه يبعد تقريبا 17,000 سنة ضوئية، ويبلغ قطر قلبه المكتظ بالنجوم تقريبا 100 سنة ضوئية والنجوم فيه متقاربة جدا من بعضها البعض لدرجة أنه يصعب التمييز بينها. أما الحشد 47 الطوقان (NGC 104) والموجود أيضا في أسفل الجنوب، فهو يعتبر منافسا لأوميغا قنطورس وهو بمحض الصدفة يرسم شبه صورة ظلية على سحابة ماجيلان الصغرى ولكن الحشد منظومة خارجية تبعد جدا عن مجرتنا في حين أن 47 الطوقان يقع تقريبا على نفس المسافة التي يبعدها عنا أوميغا قنطورس. أكثر الحشود الكروية سطوعا في السماء الشمالية هو M13 في كوكبة الجاثي(خريطة 9) وهو بالكاد مرئي بالعين المجردة.

والحشود الكروية مُسِنة جدا ولذلك فإن نجومها الرئيسية تكون من النجوم الحمراء العملاقة أو فائقة العملقة وتكون السحب السديمية قد انعدمت منها تقريبا فلم يعد هناك أي ولادات لنجوم جديدة. وهي غنية بالنجوم المتغيرة قصيرة الدورة وهذا الذي مكَّن هارلو شابلي (Harlow Shaply)من قياس مسافتها لأول مرة في علم 1918. فعن طريق رصد كيفية تَصَرُّف النجوم كان بإمكانه معرفة مقدار تألقها الحقيقي وبناءا على ذلك معرفة مسافات الحشود الكروية التي تنتمي إليها. ووجد شابلي أيضا أن الحشود الكروية ليست منتشرة انتشارا متساويا عبر السماء فالجنوب يحوي أكثر من الشمال وبالأخص بالقرب من كوكبة الرامي. وهذا لأن الشمس تقع بعيدا جدا عن مركز المجرة فيمكن القول بأننا ننظر للمشهد من زاوية مائلة.

ومن المدهش أننا نجد أيضا بعض النجوم الزرقاء الحارة في الحشود الكروية والتي تسمى بالمنتثرات الزرقاء. والأمر المنطقي هو ألا تتواجد هذه النجوم هناك، لأن النجوم كبيرة الكتلة من هذا العمر يفترض أن تكون قد تركت التتابع الرئيسي منذ زمن، وفيما يبدو فالذي يحدث هو أن النجوم الموجودة في قلب الحشد متقاربة جدا- نسبيا- ولهذا فمن الممكن أن ’تجذب’ بعضها البعض لتصبح بذلك منظومات ثنائية وعندئذ يقوم العنصر الأقل كتلة من الثنائي الجديد بسحب المادة من العنصر الأكثر تطورا والأقل كثافة، ثم تزداد حرارته حتى يصبح أزرقا ثانية، وفي حالة الاصطدام المباشر فإن النجمين يندمجان فتصبح بذلك النجوم الناتجة أكثر كتلة من المتوسط وتميل عادة إلى التجمع بالقرب من مركز الحشد، وهذا ما نجده فعليا.

لو كانت هناك أية كواكب تجول بالقرب من مركز الحشد الكروي لأصبحت السماء غريبة جدا في نظر الفلكيين المحليين. فسيكون هناك العديد من النجوم الساطعة جدا لدرجة أنها تلقي بظلالها، وعلاوة على ذلك ستكون الكثير من النجوم حمراء. فلو كان الفلكي متواجدا هناك لتمكن من دراسة عدة نجوم من مسافة قريبة نسبيا ولكنه ما كان باستطاعته تعلم الكثير عن العالم الخارجي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق