التاريخ

التطور التاريخي لمجال الكيمياء خلال القرون الماضية

1999 تاريخ الكيمياء

صلاح محمد يحياوي

KFAS

مجال الكيمياء التاريخ المخطوطات والكتب النادرة

لما فتح العرب الأندلس حملوا إليها علومهم ومؤلفاتهم فكانت سراجاً منيراً انتشر شعاعه في أوربة، وحفز أهلها إلى الاشتغال بهذه العلوم التي وصلت إليهم من الشرق، وكان لزاماً عليهم إذ ذاك أن يترجموا الكتب العربية، وقد فعلوا ذلك.

فقد بدءوه في أواخر القرن الحادي عشر، وكانت الطريقة الشائعة في الترجمة أن تحمل نسخة من الكتاب العربي إلى طليطلة Toledo المدينة الأندلسية، ويقرؤها باللغة الأسبانية أحد المغاربة أو اليهود الذين اعتنقوا المسيحية، ثم تدون عباراته باللغة اللاتينية.

ووصلت نسخ من هذه التراجم إلى إنجلترا وغيرها من الممالك الأوروبية، فاهتم بها الأفراد ودرسوها، فمالت نفوسهم إلى الاشتغال بما تحويه من علوم، وكان هذا فاتحة عهد جديد بدات تظهر فيه الكيمياء في أوربة.

كان أول كتاب كيماوي نشر في إنجلترة، وقد نقله من العربية روبرت أف شستر ROBERT OF CHESTER سنة 1144م وموضوعه "تركيب الكيمياء Composition of Alchemy"، والمقصود بالكيمياء هنا تلك المادة التي تؤثر في المعادن الدنيئة فتحيلها ذهباً، أما الأصل العربي فهو ترجمة لكتاب وضعه رجل رومي يسمى ماريانوس Marianus.

 

واعتمد "روجر بيكون الانجليزي Roger Bacon (1214-1292م) على مؤلفات ابن سينا في الكيمياء، فلخص منها كتاباً أودع فيه المبادئ المعروفة إذ ذاك في هذا العلم ونتائج بحوثه الخاصة.

وقد كان لنظرية أرسطاطاليس (أرسطو) القائلة بأن جميع المواد تتكون من أربعة عناصر (الماء ولاهواء والتراب والنار) أثر عميق في نفوس العلماء حتى أن كيميائي العرب أخذوا بها واعتقدوا بصحتها، ولما انتقلت الكمييماء من العرب إلى أوربة عن طريق الأندلس انتقلت معها نظرية أرسطو وآمن العلماء بها.

وكان طبيعياً أن يستنبط من هذه النظرية إمكان تحول المعادن الدنيئة إلى الذهب أو الفضة، ذلك لأنها تقول بإمكان تحول العناصر بعضها إلى بعض نتيجة لوجود المادة الأولية في كل منها، وقد أخذت بحوث الكيمياء هذا الاتجاه فأصبح الغرض منها مادياً لا علمياً.

واشتغل الناس بتدبير الذهب قروناً عدة، ولكن جهودهم ذهبت أدراج الرياح، وإن كانت النتائج التي توصلوا إليها في أثناء بحوثهم التجريبية ذات أثر عظيم في الكشف عن كثير من الظواهر الكيماوية، وفي معرفة طرائق تحضير بعض المواد ودراسة خاصيات الفلزات والأملاح وغيرها.

 

وأخذت جهود العرب في الكيمياء تتضاءل في القرن الثاني عشر، وتخلى العرب أخيراً عن ميدانها، فورثه الأوربيون، ونشطت حركة النقل من الكتب الكيماوية العربية إلى اللغات الأوربية، وانتشرت بذور الكيمياء في مختلف الممالك، وأخذت تنمو فيها برعاية علمائها وحكمائها.

وقامت الكيمياء في أوربة في القرن الثالث عشر على الميراث الذي خلفه العرب، وكان مقدراً للكيمياء أن تتعثر عندما تولى الأوربيون أمرها، ولذلك كانت الكيمياء الأوربية في القرن الخامس عشرفي مستوى أدنى من مستوى الكيمياء في القرن الثاني عشر.

 

ظلت الكيمياء في أوربة بضعة قرون تتقاذفها التيارات المادية حتى أقبل القرن السابع عشر، وظهر "روبرت بويل Robert Boyle" فكان أول من تناول نظرية أرسطو بالنقد الشديد قائلاً بوجوب إهمال كل نظرية لا تبنى على تجارب وملاحظات، وكان أول من عرَّف العنصر بأن المادة التي لا يمكن أن تفصل منها مادة أبسط منها، ولا يزال هذا التعريف شائعاً إلى يومنا هذا.

وجاء "كافنديش Chvendish" الإنجليزي بعد ذلك ليثبت أن الماء ليس عنصراً بل يتكون من غازين مختلفين، وجاء "لافوازية" الفرنسي ليبرهن على أن الهواء يحتوي على غازين رئيسين هما الأكسيجين والآزوت أو النتروجين.

واتضح إذ ذاك استحالة تدبير الذهب من المعادن الرخيصة، واتخذت الكيمياء وجهةً علمية بحتة غرضها الأسمى الوصول إلى الحقيقة عن طريق التجربة والمشاهدة والاستنتاج الصحيح، وقد وصلت بذلك إلى ما نراها عليه الروم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق