العلوم الإنسانية والإجتماعية

التحديات المعاصرة في بناء مجتمع السوق

2014 مجتمع السوق

سبايز بوتشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

عكست الرغبة في تعزيز نمو اقتصادي لدى دول الجنوب وجهة نظر تحديثية في العلوم الاجتماعية الأوروبية. وقد اعتبر المنظّرون من أمثال إميل دوركهايم(Emile Durkheim)  (1984 [1893]) صعود مجتمع السوق شكلاً من أشكال التطور الاجتماعي مرجحاً بأن تسير الدول الفقيرة على الطريق نفسه. وقد عكست سياسات البنك الدولي هذا الاعتقاد، مروّجة لاستثمار الرأسمال على نطاق واسع يمكن أن يساعد التصنيع على النسق الأوروبي بشكل كبير. وبذلك، تعكس نظريات "التنمية" نظريات النمو الاقتصادي (راجع الفصل 3).

مؤخراً، ردد الجدل حول العولمة صدى موضوع التحديث. ويدّعي المنادون بالسوق بأن النمو الاقتصادي الضعيف في الجنوب إنما ينتج من غياب الالتزام بالسوق الدولية. وقد رأوا أنه بالسماح بالاستثمار الأجنبي والمزيد من التجارة الدولية، ستستفيد الدول الفقيرة من التقسيم الدولي للعمل وتنمو بسرعة أكبر. وسيقود ذلك إلى نقطة التقاء، حيث سيؤدي النموّ الأسرع في العالم المتنامي إلى مستويات مداخيل مشابهة حول العالم في نهاية المطاف.

بيد أن منظري التبعية يعارضون فكرة أن الدول الفقيرة هي ببساطة في مركزٍ أقل تقدّماً في رحلة مشتركة نحو الثروة. لقد رأوا بدلاً من ذلك أن المستعمرات السابقة قد تطورت بشكل مختلف بسبب دورها كموارد لليد العاملة الرخيصة والمواد الخام في الاقتصاد الدولي. كما رأوا بأن التجارة الدولية غير متماثلة. فالبلدان الفقيرة شديدة الاعتماد على بعض الدول الغنية للتجارة والاستثمار، إلا أن الأمم الفقيرة لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من تجارة الدول الغنية أو استثماراتها. وبذلك، لا تملك الدول الفقيرة إلا القليل من القوة التفاوضية (Bargaining Power). ولهذا السبب، روّج العديد من منظّري التبعية للتنمية على أساس "الاستعاضة عن الاستيراد"(Import Substitution)  التي أعطت الأولوية للإنتاج للسوق المحلية. إلا أن هذه السياسات قد تمت معارضتها بفضل نجاح استراتيجيات النمو الموجّهة نحو التصدير في شرق آسيا (راجع الفصل 3).

مع ذلك، أثّرت نظرية التبعية على عدد من المقاربات المعاصرة ومنها تحليل الأنظمة العالمية. وتعتبر هذه النظرية الاقتصاد الدولي كلّه كوحدة تحليل بدلاً من التركيز على الدول الأممية المنفردة. ويقول إيمانويل والرشتاين(Immanuel Wallerstein)  (1974) وهو أهمّ مؤيديها بأن صعود الرأسمالية في أوروبا قد سمح للقوى الأوروبية بصوغ النظام الاقتصادي لما فيه مصلحتها. وهذا ما ركّز الصناعات ذات "القيمة المضافة"(Value Add)  في البلدان الغنية الأساسية، في حين سيطر التصنيع الذي يتطلّب عمالة كبيرة واستخراج الموارد في الجنوب. منذ وقت غير بعيد، اعتمد منظّرون آخرون على تحليل الشبكة للتوصّل إلى فهم أفضل حول ترابط عناصر الاقتصاد العالمي. وقد سلّط هذا الأمر الضوء على تقسيم دولي للعمل وتصدير الصناعات القذرة والملوِّثة إلى جنوب الكرة الأرضية (راجع الفصل 7).

مثلاً وبالاستناد إلى نظريات التراكم، استخدم ساسكيا ساسن(Sasskia Sassen)  (1988) مقاربة شبكية (راجع الفصل 10) لتحديد كيف تسعى الشركات إلى استعادة الربحية عبر إعادة تنظيم سيرورة العمل على الصعيد الدولي. أصبح الشمال مركزاً للعديد من الشبكات المالية والاجتماعية السياسية المركّزة في "مدن عالمية" يتمتّع فيها نخبة العمال المتعلّمين برواتب عالية في حين يتمّ دفع عمّال الخدمات الأخرى إلى الهامش (راجع (Sassen 2006)). وتساعد الشبكات الاجتماعية المحدودة المؤلّفة من المهاجرين الحديثين على شرح سبب تقيّد هؤلاء عادةً بحدود الأعمال المنخفضة الأجر. وتبيّن مقاربات الشبكات هذه كيف تتم إعادة تنظيم الإنتاج محلياً ودولياً كجزء من نظام دولي وكيف يتمّ توزيع ثمار الاقتصاد الدولي بطريقة غير متساوية تبعاً لمعايير عرقية (راجع المربّع رقم 3.4).

المربع 3.4 القهوة والاستعمار اليوم

تقع القهوة في مقدّمة السلع الأكثر تبادلاً والأسواق الأكثر ربحية في العالم باستهلاكٍ يقارب ملياري كوب يومياً حول العالم. إلا أن للقهوة دلالات تختلف ما بين دول "شمال" الأرض حيث تستهلك النسبة الأكبر من القهوة ودول "الجنوب" حيث تنتج معظم القهوة. تُزرع النسبة الكبرى من قهوة العالم في الدول الأفقر في أفريقيا وآسيا المحيط الهادئ وأميركا اللاتينية. وقد تم توسيع الإنتاج في تلك الدول استجابة لضغوطات دولية لزيادة الإنتاج للتصدير بدلاً من تأمين الاستمرارية للاستهلاك المحلّي.

ويسيطر عدد صغير من الشركات الكبيرة المتعددة الجنسيات على مبيعات القهوة. تمارس هذه الشركات قوة سوقية مهمّة في حين لا يمسك كلّ من العمال والحكومات في الجنوب إلا بالقليل من القوة السوقية. وتكون النتيجة غالباً رواتب منخفضة وشروط استغلالية. ولا يصل إلى أيدي منتجي حبوب القهوة إلا نسبة ضئيلة من السعر النهائي لكوب القهوة في الشمال. في المقابل، أدى هذا الأمر بالعديد من المستهلكين الشماليين إلى القيام بحملات تنادي بإنتاج القهوة باعتماد مبدأ التجارة العادلة حيث يُدفع للعمال أجرٌ معيشيٌ في ظروف عمل لائقة.

على خط آخر، يزداد الاهتمام المسلّط على دور المؤسسات في شرح التنمية غير المتساوية. وقد طرح دوغلاس نورث(Douglass North)  (1990)، مثلاً، فكرة أن من شأن التنمية المبكّرة أثناء انتقال البلاد باتجاه اقتصاد السوق التأثير بشكل جوهري على التنمية المستقبلية. وتشير الدلائل أيضاً إلى أن مجتمعات السكان الأصليين في أميركا الشمالية قد تطوّرت بشكل أسرع عندما كانت تتمتع بحكم ذاتي واقعي بالمقارنة مع اتخاذ سلطات لا تنتمي إلى السكان الأصليين القرارات الاقتصادية والسياسية فيها (Cornell et al, 2005) . بشكل مشابه، فإن غياب اتفاقية رسمية أو حق تقرير المصير يساعد على شرح نتائج التنمية الضعيفة التي سجّلت لدى الشعوب الأصلية في أستراليا (Brennan et al, 2005).

ويبيّن الغبن المستمرّ بحق السكان الأصليين تفاوتات عرقية أساسية ضمن الأمم وهذا ما يعكس جزئياً تمييزاً رسمياً. ذلك أن العديد من الدول تحرم العمال المهاجرين من حقوق المواطن أو تتقبّل مجموعات كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين الذين يعملون في الاقتصاد غير النظامي والذين لا يتمتعون إلا بالقليل من الحمايات القانونية. وثمة أيضاً دلائل تشير إلى تمييزٍ سافر. وتشير الدلائل الصادرة في الولايات المتحدة إلى أن أرباب العمل لا يحبذون توظيف طالبي العمل ذوي الأصول الأفريقية الأميركية بالمقارنة مع غيرهم من البيض من ذوي المهارات نفسها (Page et al, 2009). بالإضافة إلى ذلك فإن أسواق العمل غالباً ما تجمّع بعض المجموعات العرقية في وظائف محددة.

ويقل احتمال أن يتمتع المهاجرون الحديثو العهد بمؤهلات رسمية أو أن يتم الاعتراف بمؤهلاتهم وبذلك يحرم العمال من رأسمالهم الثقافي (Bourdieu 1986) عندما لا يتم الاعتراف بتجربتهم ثقافياً على الرغم من أن مهاراتهم الفنية مشابهة لمهارات السكان الذين ولدوا على أرض الوطن.

في تقاليد الاقتصاد الثقافي طوّر عدد من المنظرين آراء حول السببية التراكمية (Cumulative Causation) (Myrdal et al, 1944) وفيها تقوم عدة نماذج من التفاوتات مثل الجندر أو العرق أو الأمة بالتعزيز والتأثير المتبادل(Dugger, 1996)  مثلاً يرجّح أن يعاني الأشخاص الذين يعيشون في الفقر من الأمراض الصحية وانخفاض التعليم والافتقاد إلى المهارات الأساسية للحصول على وظيفة أو عمل. وهذا ما يجعلهم عالقين في "حلقة مفرغة من الفقر" تمتد على عدة أجيال حتى بعد تحقيق العدالة الرسمية. ويتفاقم هذا الوضع عند الأشخاص الذين ينتمون إلى المجموعات الإثنية الهامشية الذين يعانون أيضاً من التمييز بناءً على أفكار نمطية عرقية (Myrdal 1944).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق