الرياضيات والهندسة

التباهي المبالغ به في الهندسة

2014 أبجدية مهندس

هنري بيتروسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الرياضيات والهندسة الهندسة

التباهي المبالغ به في الهندسة (Hubris In Engineering). ادعى أرخميدس قدرته على تحريك الأرض برافعة إذا أمكن له وضع نقطة ارتكاز ذراع الرافعة في مكان مناسب وأن يكون هناك مكان يقف عليه. وعرف مهندسو عصر النهضة أن مثل هذه الروافع، مثل المسلات الحجرية والسفن الخشبية، يمكن أن تزداد أبعادها إلى حدّ معيّن قبل أن تتحطّم بفعل وزنها. ومع هذا فقد استغرق الأمر غاليليو، الذي افتتح أطروحته لعلمين جديدين بقصص عن أشياء معتبرة لم تتكلل بالنجاح، وذلك لتفسير كيف أن الاعتبارات الفيزيائية التي يمكن أن تهمل ضمن أبعاد صغيرة، يمكنها أن تسيطر على سلوك تصميم مماثل ولكن أكبر هندسياً. ومن المؤسف أن ما كان غاليليو يعرفه في القرون الوسطى لم يُتذكر دائماً في القرون التالية.

مع تطوّر تكنولوجيات إنتاج الحديد بكميات كبيرة، أصبح ممكناً للمهندسين لا الحلم بهياكل أكبر وأكبر فقط ولكن تنفيذها أيضاً. فالمهندس البطولي الفيكتوري إيسامبارد كنغدوم برونل المعروف بلقب "المارد الصغير" اشتهر في تفكيره الواسع. وبالرغم من أن معاصريه رأوا سكة الحديد الغربية الكبيرة تنتهي عند مكان يسمى نهاية اليابسة (Land’s End) في جنوب غرب بريطانيا، ولكن برونل رأى استمرارها على شكل سفينة بخارية تحمل الركاب والبضائع عبر المحيط الأطلسي إلى أميركا. وأصبحت سفينته "الغربية الكبيرة" واحدة من أولى السفن للسير في عكس الحكمة العلمية التقليدية لذلك الوقت والقائلة بأنه لا يمكن لأي سفينة تعمل بالطاقة البخارية أن تكون من الكبر بحيث تحمل ما يكفيها من الفحم لمثل تلك الرحلة.

إذا أمكن عبر الأطلسي فلما لا يمكن عبور بحر أوسع؟ وكانت سفينة برونل البخارية الضخمة "الشرقية الكبيرة" كبيرة بما يكفي لحمل كل الفحم اللازم للإبحار من إنجلترا إلى المحيط الهندي. ومع أن سفينة بطول 692 قدماً تبدو بنيوياً معقولة، فقد كانت كبيرة جداً بالنسبة لمعظم المرافئ ومن ثم فقد كانت فشلاً تجارياً، انتهت مقطّعة كحديد خردة. ولم تُبنَ سفينة أكبر إلا بعد خمسين سنة من ذلك التاريخ.

كرّر تصميم وتطوير طائرة الكونكورد، التي تطير بسرعة أعلى من سرعة الصوت، القصة نفسها مع طائرة جذابة تكنولوجياً عانت من خدمة محدودة بسبب ضجيجها الذي جعلها غير مرحب بها في البيئات المأهولة للمطارات الرئيسية. وتمّ التخلي عن مشاريع فوق صوتية مماثلة نتيجة لذلك. فالتصاميم الهندسية يجب أن تكون أكثر من أنها قوية بما يكفي وسريعة بما يكفي؛ ولكن يجب عليها أن تكون متوائمة مع البنية الأساسية القائمة، المادية والاجتماعية والسياسة.

المهندسون لا يظهرون تباهيهم المبالغ فيه بالطبع في السفن والطائرات والجسور الطويلة فقط. إذ يصف الكاتب في العلم والتكنولوجيا ويلي لي (Willy Ley) في كتابه:Engineers’ Dreams (New York: Viking, 1954) بعضاً من المخططات الكبرى التي تصورها المهندسون مرات عدة: إقامة سدّ على نهر الكونغو لتشكيل أكبر بحيرة في أفريقيا؛ وكذلك بزل المياه من البحر المتوسط لاكتساب بعض اليابسة لأوروبا المزدحمة بالسكان؛ وأيضاً بناء نفق بين فرنسا وإنجلترا. وهذا الأخير تحقق عند افتتاح القناة عام 1994، بعد قرنين من انطلاقة الفكرة لأول مرة. وفي حين أنه لن يقام سد على نهر الكونغو على الأغلب في المستقبل المنظور، فإن سد الفتحات الثلاث الضيقة (Three Gorges)، في الصين الذي شرّد بناؤه مليون إنسان، يقوم الآن بحجز المياه على نهر يانغتز (Yangtze) لمسافة 400 ميل، ويفتح مدينة شونغكنغ (Chongqing) للسفن المبحرة إلى الأطلسي. فقرار إقامة السدود أو لا هو، في الأغلب، قرار سياسي أكثر منه تقني. يمكن للمهندسين أن يحلموا، ولكن الإدراك والشجاعة السياسية، إذا لم نذكر المال، هما من يقرران إطلاق الآلة التي تغيّر شكل الأرض.

يتحدّد النجاح النهائي للخطط الهندسية الكبرى، في الغالب، بعوامل عرضية للفكرة الأساسية – بسبب تفاصيل هي يقيناً غير تقنية أو غير تكنولوجية – كما كان الحال في طائرة الكونكورد. فعندما يتجاهل المهندسون هذه العوامل أو يعاملوها وكأنها لا تستحقّ التحليل الدقيق نفسه الذي تتطلبه التحديات التكنولوجية، يمكن للكارثة أن تحدث. فتمزّق سفينة التايتانك (Titanic) كان من الممكن ألا ينجم عنه مثل هذه الخسارة المأساوية، لو أنه اعترف بهشاشة السفينة، وذلك بوضع عدد كافٍ من قوارب النجاة لاستيعاب كل من كان على ظهر السفينة. وكذلك مركبة الفضاء تشالنجر، كان يمكن ألا تنفجر لو أن الإداريين أصغوا لتحذيرات المهندسين حول سلوك الحلقات الدائرية في الطقس البارد، بدلاً من الاحتماء بأربع وعشرين رحلة ناجحة سبقت الرحلة 51L. وكذلك المركبة كولومبيا لم تكن لتتفكك خلال العودة لو أن جريان الرغوة العازلة عند الإطلاق لم يتحول إلى خلل مقبول أثناء برنامج تحضير المركبة. وبالمختصر فإن الحوادث الكبيرة يمكن أن تحدث عندما تسيطر الثقة والإعجاب بالنفس المبالغ فيهما.

إن مهندسي ومديري التكنولوجيا، وهم بشر، يمكن أن يؤمنوا بأنفسهم وبمخترعاتهم لأبعد من الحدود المعقولة. وعند حدوث الفشل فمن الطبيعي أنها تسبّب نكسات، ولكن عادة ليس للتخلّي عن أحلام بمشاريع أكبر وهياكل وأنظمة أكثر طموحاً. فحالما تُفهم أسباب فشل محاولة ما كفاية وعندما يصبح ألم مأساتها بعيداً بما فيه الكفاية، ينحو المهندسون لأن يعودوا إلى حيث توقّفوا عن سعيهم وراء أهداف أكبر. وكما يجب أن يكون الأمر في الهندسة هو كذلك في الحياة، باعتبارها جزءاً من رغبة الإنسان في أن يبني الأطول ويطير بشكل أسرع، وكما هو كذلك في سبر الأعمق في الذرة والأبعد في الكون ممن سبقونا. وتماماً كما يطوّر العلميون معارفهم بوقوفهم على أكتاف العمالقة، فإنه كذلك بالتسلق على سلالم ناطحات السحاب الموجودة يصل المهندسون إلى ارتفاعات أعلى من ناطحات سحابهم. وإذا كان هذا تباهٍ مبالغ فيه، فإن هذا طبع يثير الإعجاب، وقد قاد، بالمقابل، إلى تقدّم تراكمي يفخر به المهندسون وغيرهم على حد سواء.(Adapted from "The Hubris of Extreme Engineering­," Scientific American Presents Extreme Engineering, November 1999, pp. 94-104).

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق