العلوم الإنسانية والإجتماعية

البيئة ومجتمع السوق النابض بالحياة

2014 مجتمع السوق

سبايز بوتشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

إلى جانب المنزل، تشكّل البيئة الطبيعية أيضاً عنصراً حاسماً في أنظمة إعادة الإنتاج التي تقوم عليها مجتمعات السوق. ولكن منذ منتصف القرن العشرين، تنامى القلق بشكل ملحوظ بشأن سلامة إعادة الإنتاج في بيئةٍ معينة. ونشأ عن ذلك مجموعة من الأجوبة النظرية التي من شأنها التوعية على تطوير السياسات. وقد سعى علماء الاقتصاد الكلاسيكيون الجُدد إلى إدماج البيئة في نظام السوق. وبالنسبة إلى آخرين، تُشكل البيئة تحدياً جذرياً يتطلب وضع مقاربات جديدة لتحليل وتنظيم التفاعلات البشرية مع الطبيعة. وقد استندت بعض هذه البدائل إلى التقاليد الاقتصادية، مثل الاقتصاد الكينزي، والاقتصاد الداعم للمرأة والاقتصاد الماركسي، بينما طوّر آخرون منظورات بيئية مميزة.

آفاق الإضرار بالبيئة

نادراً ما ركّز الفكر الاقتصادي على موضوع البيئة. ومع ذلك، أثار خبراء الاقتصاد السياسيون الكلاسيكيون العديد من المواضيع التي تُقلق علماء الاقتصاد والاجتماع المعاصرين بسبب التغير المناخي وبناء "مجتمع المخاطر". وبالتالي، لطالما كانت مشاكل النمو غير المحدود والاستغلال الجائر للبيئة وحدود إمدادات الموارد الطبيعية في صلب الاهتمامات النظرية.

مالتوس والنقاش حول موضوع السكان

لقد أجرى القس توماس مالتوس (Thomas Malthus) نقاشات هي الأهمّ حول موضوع البيئة. في عام 1798، كتب مالتوس (1992) مقاله حول مبدأ السكان، مشيراً إلى أنّ النمو السكاني يفوق نمو الإنتاج الغذائي الذي يرتبط حتماً وباستمرار بالضغوط الناجمة عن قدرة المجتمع على توفير وسائل العيش. وفي تناقضٍ واضح مع العلماء المعاصرين، كان مالتوس متشائماً إزاء التقدم الذي يمكن تحقيقه من خلال النمو الاقتصادي بسبب الآفات المُحتّمة والمُدمِّرة اجتماعياً للنمو السكاني على غرار الحرب والمجاعة.

ركّز منتقدو مالتوس على أهمية استخدام التكنولوجيا في مجتمعات السوق للتغلب على الضغوط السكانية من خلال زيادة الإنتاجية الزراعية. ولكن، لا تزال الحجج التي قدّمها مالتوس تُؤثّر على النقاش الدائر حول العلاقة ما بين التدهور البيئي وارتفاع عدد السكان. ومن جهته، أشار بول إرليتش  Paul Ehrlich(1969)، على سبيل المثال، في كتابه المعنون القنبلة السكانية (The  Population Bomb)  إلى أنّ تزايد عدد السكان يقع في صلب المشاكل البيئية. ولكن تبقى هذه النظرية موضع جدل، حتى بين دعاة حماية البيئة.

لقد عززت هذه النظرية الدعوة إلى دعم السياسات الراديكالية للحد من النمو السكاني، وبخاصةٍ في العالم الذي هو بطور النموّ، والعمل أيضاً على الحدّ من الهجرة إلى البلدان الأكثر ثراءً. ولكن، تبقى البلدان الغنية، ذات النمو السكاني الأبطأ، هي التي تؤثّر بشكلٍ ملحوظ على البيئة. وذلك لأن معدل استهلاك الفرد فيها عالٍ جدّاً. وبالتالي، يشير النقاد إلى أنّ النقاش حول مسألة السكان بالكاد يعيد التركيز على أنماط الاستهلاك غير المستدامة في العالم الأول بل تسلط الضوء على النمو السكاني المتزايد عند الفقراء (Monbiot 2008).

اعتقد الكثيرون أنّ "الثورة الخضراء" (Green Revolution) من شأنها إظهار قدرة التكنولوجيا على التغلب على المشكلات البيئية الناجمة عن النمو السكاني والفقر (Gaud 1968). فقد أدت إلى ارتفاع ملحوظ للإنتاج الغذائي العالمي من خلال تطبيق التقنيات العلمية والصناعية في المجال الزراعي. ومع ذلك، شهدت الحركة البيئة آثار بيئية واجتماعية سلبية جراء الأشكال المكثفة للزراعة. وتشمل هذه الآثار التلوث الناجم عن المواد الكيميائية المستخدمة في الإنتاج، والتهديدات التي يتعرّض لها التنوع البيولوجي في حين تمّ إدراج الزراعات الأحادية وبروز خطر تفشي الأمراض الكارثية مثل مرض الحمى القلاعية.

وقد أشار البعض إلى أنّ إنتاج الأغذية بشكل مكثف كان له آثار سلبية على البلدان النامية. وقد أوضح فاندافا شيفا (Vandava Shiva) (1991) كيف أنّ الثورة الخضراء قد قوّضت النظم البيئية المحلية ما سمح لأهل النخبة السياسية والشركات الكبرى احتكار السلطة. وذهب آخرون إلى حدّ القول بأنّ إدماج الإنتاج الغذائي المحلي في السوق العالمية قد عرّض البلدان النامية لعدم استقرار الأسعار ما جعل الموارد بعيدة عن تلبية احتياجات التغذية الأساسية لصالح الرغبات غير الضرورية للمستهلكين والشركات الشمالية (Bello 2009).

بولانيي  والتسليع في البيئة

يتركّز مكوّن مهم آخر في النقاش حول البيئية على الاستخدام المكثف للموارد البيئية. وهذا يعكس ديناميكية الإنتاج الرأسمالي الذي يرشّد استخدام المدخلات لمواصلة توسيع الإنتاج. ومع ذلك، تتولّى البيئة الطبيعية عملية الإنتاج الخاصة بها والتي لا تتفق بالضرورة مع عمليات الإنتاج المكثف للنظام الاقتصادي. ومن هنا أتى أوّل تصوّر لهذا التجاذب في نظرية "السلع الوهمية" لكارل بولانيي. وكما أنا لاستخدام المكثف للعمالة له تأثيره على المستوى الاجتماعي، فالاستغلال المكثف للأراضي له أيضاً آثاره السلبية.

وفي الكتاب المعنون التحول العظيم (The Great Transformation)، تطرّق بولانيي (1944) إلى مشاكل دمج الأراضي في "تجربة" التنظيم الذاتي للسوق في القرن التاسع عشر. وقد تنبأ بالمخاطر المُحدقة بالبيئة المعاصرة، مشيراً إلى أنّ (1944, p. 73) عناصر الطبيعة والأحياء والمناظر الطبيعية والأنهار ستُصاب بالتلوّث… وبأنّ القدرة على إنتاج الغذاء ومواد الخام ستنهار. وفي الواقع،  تساءل بولانيي ما إذا كان تنظيم الأراضي من خلال آلية الأسعار سيكون مُستداماً. ويشير تحليله إلى أنّ عملية الإتجار بالأرض خلقت تجاذباً ما بين متطلبات البيئة والاقتصاد.

وكما ذُكر في الفصل الأوّل، يوجد عامل حاسم سبق عملية التسليع وتنظيم الأراضي ألا وهو عملية "ضَمّ" الأراضي العامة. فإعادة النظر في هذه العملية مفيدة لفهم الضغوط التي يسببها نظام إنتاج السلع على البيئة. فقد خلق تسييج الأراضي شروطاً تنافسيةً للوصول إلى الأراضي الخصبة (Wood 1999, p.83). فهذه المنافسة، فضلاً عن الاتجاه المتزايد للإنتاج من أجل الأسواق بدلاً من الاحتياجات الشخصية، شجّع على تطبيق المبادئ العلمية في الممارسات الزراعية.

وكانت هذه الخطوات حاسمة في مجال نمو الرأسمالية الإنجليزية لأنها شجعت على تطوير مزارع كبيرة ومُنتجة للغاية. وفيما تحوّلت الأراضي الطبيعية إلى شركات تابعة للقطاع الخاص كان يتمّ زرع الأراضي وحصادها بطريقة مكثّفة وعلى نطاق واسع أكثر من أي وقت مضى. وفي المقابل، فإن نمو الإنتاج الزراعي، وبخاصة الأغنام والقطن، دعم التوسع في الصناعات التحويلية الهامة الجديدة مثل المنسوجات.

وبحلول القرن الثامن عشر، أدّى التنافس المستمر والابتكارات التكنولوجية إلى نشوء المرحلة الأولى من التصنيع، ما خلق ضغوطاً لضمّ المزيد من الأراضي بهدف تسهيل التوسع في الإنتاج الصناعي. وساعد ذلك في تزايد حجم وتمركز الإنتاج، ما فرض أعباءً ثقيلة على البيئة، وهدّد السلامة البيئية (Altvater 1994, p. 77).

مفارقة جيفونز والموارد غير المتجددة

وضع أحد رواد القرن التاسع عشر المؤيدين للاقتصاد االهامشي الكلاسيكي الجديد، وليام ستانلي جيفونز (William Stanley Jevons)، نظرية حول العلاقة التي تجمع ما بين المجتمع والطبيعة وأهميتها بالنسبة إلى صانعي السياسات وحركات المحافظة على البيئة اليوم. في كتابه The Coal Questions، أشار جيفونز (Jevons) (1865) إلى أن نضوب إمدادات الفحم المحدود، وهو المحرك الرئيسي للتصنيع البريطاني، لن يتباطأ جراء المكاسب التكنولوجية عبر حسن استخدامها. ولذلك لأنّ تحقيق المكاسب عبر الكفاءة من شأنه تخفيض تكلفة الطاقة، وبالتالي زيادة الطلب على الطاقة ورفع معدل استهلاك الفحم (Alcott 2005, p. 12).

شعر جيفونز  بالقلق إزاء تأثير ذلك على قوة الإمبريالية البريطانية النابعة من استنزاف احتياطيات الفحم البريطانية. ومع ذلك، ما زالت هذه النظرية ذات أهمية حتى يومنا هذا. وتؤكد مفارقة جيفونز أن التطوّر التكنولوجي وحده ليس قادراً على مواجهة مشكلة نضوب الموارد بفعالية. وينعكس هذا في المناظرات المعاصرة حول الطاقة حيث زاد الابتكار التكنولوجي كفاءة استخدام الطاقة – والنتيجة التي تنتجها مدخلات معينة من النفط أو الفحم – وأدى إلى اكتشاف واستخراج مصادر جديدة للطاقة. ومع ذلك، أدت هذه الابتكارات أيضاً إلى انخفاض أسعار الطاقة، وتوسع كبير في إجمالي استخدام الطاقة.

أثار هذا الوضع القلق لسببين. أولاً، في حين تحسنت الكفاءة في استخدام الطاقة منذ عام 1975، استمر نصيب الفرد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في النمو في البلدان الرأسمالية المتقدمة  (Matthews et al 2000) في (Clark in York 2005, p. 512). وهذا ما يدلّ على أنّ الكفاءة في استخدام الطاقة لا يمكن أن تُعالج الشواغل الملحة والمتزايدة في مجال التغير المناخي. ثانياً، هناك قبول متزايد لفكرة اقترابنا (أو وصولنا) من نقطة "ذروة النفط" حيث لم يعد بالإمكان زيادة إنتاج النفط العالمي. ونظراً لأهمية الطاقة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، فقد يؤدي الارتفاع الملحوظ في أسعار الطاقة بسبب ندرة النفط إلى تداعيات اقتصادية وخيمة.

حماية البيئة المعاصرة وحدود النمو

سلّط التقرير المعنون "حدود النمو" (The Limits To Growth) ( Meadows et al1972) الضوء على مواضيع مقلقة مثل التدهور البيئي، والنمو السكاني وكيفية استخدام الموارد. وأشار هذا التقرير إلى أنّ "الأزمة" البيئية محتّمة إذا ما حافظت الاقتصادات المتقدمة على مسارات نموها. وكان الناتج الصناعي العالمي قد نما أكثر بخمسين مرة ما بين الأعوام 1890-  1990( Ponting1991، ص 325). وبين الأعوام 1950 و 1970، ارتفع الناتج العالمي بأكثر من الضعف وكذلك هو الحال بالنسبة إلى استهلاك الوقود الأحفوري الذي عزز الزيادة الهائلة للإنتاج الصناعي ( Brenton1994، ص 20).

في العقود اللاحقة، أثارت الحركة البيئة المتزايدة القلق إزاء حدود الموارد غير المتجددة والاستخدام غير المستدام للموارد المتجددة على حدّ سواء، مثل الغابات أو المخزونات السمكية. وفي الثمانينات، برزت مخاوف على نطاق واسع متعلّقة بـ "الاستدامة" ما دفع بالحكومات الوطنية والمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، إلى اتخاذ إجراءات على مستوى السياسات بشأن "التنمية المستدامة" (Sustainable Development). في الآونة الأخيرة، ومع ظهور نظرية النظم المعقدة، تم تسليط الضوء على مسائل التلوث والاستخدام الجائر الذي يهدد الأنظمة الفيزيائية الحيوية كلها، على غرار الغلاف الجوي والمحيطات وأنماط الطقس.

وفي عام 2006 أدرجت مجلّة The Stern Review في المملكة المتحدة، ومجلّة Garnaut Review (2008) في أستراليا، بعض هذه المشكلات على جدول الأعمال السياسي الدولي. كما أنّ الشواغل التي أثيرت حول مسألة التغير المناخي قد ولّدت شعوراً يقضي بضرورة التحرك السريع في معالجة موضوع الاستدامة. وأدّى ذلك إلى نقاشٍ حيوي، ليس حول التغير المناخي فحسب، بل أيضاً حول طبيعة التنمية الاقتصادية. واستخدم كلّ من ستيرن (Stern) وغارنو (Garnaut) التحليل الاقتصادي التقليدي في اقتراح حلول لهذه المشاكل المعقدة التي ولّدت معارضةً واسعة النطاق. وقد أكّد النقاد البيئيون والبلدان النامية وغيرها من المجالات الأكاديمية أن هناك حاجة إلى تغيير جذري لا مثيل له لمعالجة الآثار البيئية الناجمة عن النشاط الاقتصادي.

استجابات اقتصادية للتحديات البيئية

واستناداً إلى الاقتصاديات الكلاسيكية الجديدة، استخدم الاقتصاديون البيئيون مفهوم "العوامل الخارجية" لشرح كلّ من التدهور البيئي على غرار التلوث، واستنزاف الموارد من خلال الاستغلال الجائر لها. وكما ذُكرَ في الفصل الخامس، يتّفق الاقتصاديون عموماً على أن آلية السوق هي الطريقة الأكثر فعاليةً لتخصيص الموارد. ويُفترض أن تعني عبارة "أكثر فعالية" "المنافسة المثاليةة" وتعني بأنّ جميع التكاليف والفوائد المرتبطة بإنتاج السلعة تبرز في سعرها. وتُشكّل العوامل الخارجية جزءاً من "فشل السوق" الذي يبرز عندما لا يتم تحديد جوانب عملية الإنتاج في أسعار السلع.

 على سبيل المثال، يتحمّل المجتمع كلفة وجود التلوّث، سواء عبر "التنظيف" أو التقليص من وسائل الراحة، بدل من أن تتحمّل المسؤولية الشركة المنتجة للسلع المُسببة للتلوّث. ويؤكد خبراء الاقتصاد أنه عندما لا تنعكس التكاليف الكاملة للإنتاج في أسعار السلع الأساسية، لا يمكن للأسواق أن تحقّق توزيعاً "مثالياً" للموارد (Pearce 1976، ص 24). ولذلك يحرص الاقتصاديون المعنيون بالمسائل البيئية على"الحصول على السعر المناسب". وفقاً لمنطق "العرض والطلب"، وعندما لا يشمل سعر السلعة تكاليف آثار التلوث الناجم عنها، يكون سعرها منخفض بشكل مصطنع في حين أنّ الطلب على المنتج يكون أعلى مما ينبغي أن يكون.

وفي المقابل، تجذب الأسعار المشوهة استثمارات إضافية في مجال الصناعة المُسببة للتلوّث (بسبب زيادة الطلب على المنتج) وجاءت النتيجة أنّه توفّر للمجتمع منتجات أكثر مما يحتاج مقابل نظافة الهواء أو الماء ( Sagoff1994، ص289). ويُقال إن الأسعار المشوّهة من شأنها حرمان المستهلكين من القدرة على إجراء المفاضلات المثلى بين السلع التي يرغبون في شرائها ومستوى التلوث الناجم عن إنتاجها. ويُفترض أنه مع تسعير السلعة على أساس التكلفة الكاملة ينخفض الطلب على المنتجات الملوثة ما يؤمّن (أقلّ تلويثاً إلى حد ما) توازناً جديداً للسوق، ويوفّر حوافز لتطوير تقنيات الإنتاج الأكثر مراعاةً للبيئة.

وبالتالي تُفاقم نظرية "الاقتصاديات المراعية للبيئة" حالة استنزاف وتدهور البيئة لأنها غير قادرة على تأمين تخصيص فعال للسوق بسبب التسعير غير الملائم (راجع المربع 3.9). وما زالت تُؤكّد أن آلية السوق بشكل عام هي الوسيلة الأكثر فعاليةً في تخصيص الموارد الشحيحة، ولكن قد تفشل الأسواق في بعض الحالات في توفير النتائج المثلى على الصعيد الاجتماعي. وفي هذه الحالة، يمكن للتسعير الصحيح تفادي فشل السوق وبروز عوامل خارجية. ولذلك تدور الوصفات السياسية حول إنشاء الأسواق والإرشاد في التسعير على النحو المذكور في تقارير ستيرن وغارنو بشأن التغير المناخي.

المربع 3.9 تراجيديا الموارد الطبيعية المشاعة

يشكّل مفهوم "مأساة الموارد الطبيعية المشاعة" أحد الأفكار الأكثر تأثيراً في الفكر الليبرالي حول الأسباب والاستجابات للمشاكل البيئية. وهذا هو عنوان مقال بقلم غاريت هاردن (Garrett Hardin) (1968) نُشر في مجلّة Science. ويُشير فيه أنّ الموارد الطبيعية الموجودة في الطبيعة ستُدمر حتماً بسبب الإجراءات النابعة من المصلحة الذاتية لكل فرد – على غرار المزارعين الذين يربون الماشية – والتي تؤدّي إلى الاستغلال الجائر للموارد الطبيعية المشاعة. ويحصل هذا الاستغلال المفرط لأن المزارعين الفرديين سيوسعون قطعانهم استناداً إلى المنطق الذي يقول بأنّ التكاليف البيئية لكل بقرة إضافية ستتقاسمها الطبيعة عامةً، إلا أنّ بيع تلك البقرة سوف يعود بالفائدة على الفرد. وعندما تتزايد هذه الإجراءات عبر من يستغلّ الطبيعة، تكون النتيجة تدمير الموارد الطبيعية من خلال الاستغلال المفرط لها.

ورداً على مشكلة مأساة الطبيعة، دعى هاردن (Harden) وأتباعه إلى توسيع حقوق الملكية الخاصة على الموارد الطبيعية. وتخلق هذه الخطوة برأيهم حافزاً للإدارة المستدامة للموارد. وقد أيّد واضعو السياسات هذه الأفكار، وإنما كانت أيضاً محوراً للعديد من الانتقادات. وتستند الحجة إلى أنّ المزارعين الذين يستغلون الطبيعة لتكثير قطعانهم هو افتراض عقلاني. ولكن يُفهم ذلك بالمعنى الضيق لتعظيم المنفعة ضمن الاقتصاد الرأسمالي التنافسي وليس لدى المزارعين في المجتمعات ما قبل الرأسمالية أو غير الرأسمالية (Angus 2008).

وعلاوة على ذلك، لم يُقدّم هاردن أدلةً تجريبيةً عن الحالات التي تمثل مأساة الطبيعة، أو حالات عن نتائج بيئية ناجحة للخصخصة. ومع ذلك، وثّق آخرون، مثل الاقتصادية الحائزة على جائزة نوبل إلينور أوستروم (Elinor Ostrom) (1990)، حالات عن الإدارة الذاتية والمستدامة للطبيعة من قبل المجتمعات بمساعدة المؤسسات الاجتماعية على غرار قواعد عقوبة المجتمع التي يتم مراقبتها وإنفاذها. ويستند تحليل أوستروم على أدبيات رأس المال الاجتماعي (التي تشبّه "مأساة الموارد الطبيعية المشاعة" "بمعضلة السجين") لاظهار كيف يمكن للأعراف الاجتماعية أن تتغلّب على ما يبدو أنّه مشاكل اقتصادية (راجع الفصل10).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق