التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

الانكسار الهشّ . علم ميكانيك الفشل

2014 لنسامح التصميم

هنري بيتروكسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

التكنولوجيا والعلوم التطبيقية الهندسة

تضمّنت الدراسات والكتب التي صدرت في السنوات الأولى عن الكسور ميزة مشتركة، كانت تحتوي على مقدمة إجبارية، أو فصل، عن الخلفية التاريخية للموضوع، وقد أعجبت بذلك كثيراً، حيث يستدلّ منها أن موضوع الفشل كان مصدر سمٍّ للهندسة؛ أضف لذلك فإن الموضوع أكّد لي أن مفهوم الكسور لم يستنبط من النظرية، بل العكس كان الصحيح. لذا بدأ الفصل الافتتاحي من كتاب رولف وبارسوم (Rolfe & Barsom) السيطرة على الكسور والإجهاد في الهياكل الذي نشر عام 1977 بلمحة تاريخية لبعض معالم الفشل بسبب الانكسار الهشّ، وهي ظاهرة يحصل فيها الفشل في هيكل أو ماكنة أو جزء منها من دون سابق إنذار – فتنفصل القطعة فجأة أو تنكسر، والأمثلة على مثل هذا الفشل، شملت حاوية دبس السكر في بوسطن عام 1919، حيث قتل فيها 12 شخصاً، وجُرح 40، وانسكب بشكل فجائي أكثر من مليوني غالون من القطر اللزج؛ عانت سفن لبيرتي الملحومة التي تجاوز عددها المئتين والتي بُنيت خلال الحرب العالمية الثانية من كسور هشة نتج من بعضها شطر سفينة إلى نصفين. الطائرة النفاثة دي هافيلاند كومت (de Havilland Comet) المبكّرة الصنع تحطّمت بشكل غامض في رحلة منتصف الخمسينات من القرن الماضي، وقضى جميع ركابها؛ وجسر بوينت بليزانت (Point Pleasant) انهار فجأة عام 1967 ورمى جميع المسافرين اليوميين للعمل في نهر أوهايو، وقتل 46 منهم. أحداث فشل درامية كهذه أوضحت بشكل لا يقبل الشك أن الإجهاد والكسر ليست مواضيع أكاديمية بحتة للمتابعة.

هذا لا يعني أن البحث النظري والتطبيقي ليس مهماً لتطوّر فهمنا عن أسباب اتساع ونمو الكسور وحدوث الفشل الهيكلي. والحقيقة أن الكسر الهشّ في السفن الحديدية ألهمت عمليات البحث في المكونات الكيميائية للمواد البنيوية، وفي طبيعة وتأثيرات اللحام، خاصة بالنسبة لتأثيرها في مقاومة الكسر. بالنسبة لي، عندما دخلت هذا الحقل في منتصف السبعينات من القرن الماضي، كان معظم الأشخاص المهمّين الذين يتعاملون مع الكسور منضمين إلى الجمعية الأميركية للاختبار والمواد – أستم (American Society for Testing and Materials – ASTM) وهي جمعية تأسست في أواخر القرن التاسع عشر للتعامل مع المشاكل المستعصية لقضبان السكك الحديد وانكسار محاور العجلات. [تلك كانت] أطياف من مختبر تالبوت! وتعرّفي على أستم كان من خلال إشارات كتاب رولف وبارسوم العديدة للمنشورات الفنية الخاصة للجمعية التي هي مجلدات جمعت أوارقاً بحثية مقيَّمة من أنداد (Peer Reviewed) في مواضيع معيّنة تقدم في لقاءات متخصصين، وتسمّى الجمعية اليوم أستم انترناشونال (ASTM International)، وتعتبر نفسها "أكبر جمعية تطوعية لتطوير المقاييس في العالم". تنتج مجموعات من كتب أستم السنوية للمعايير تغطي منتجات ومواد متنوعة – تتراوح ما بين رصاص القلم إلى الفولاذ البنيوي – وكانت منظراً مألوفاً على رفوف المصادر في المكتبات الفنية، والتي استبدلت الآن بنسخ إلكترونية رقمية، لكن الجهد المبذول من قبل أعضاء الجمعية الثلاثون ألفاً ما زال مستمراً بشكل كبير من خلال اجتماعات لجانٍ وجهاً لوجه، من ضمنها اللجنة E08 التي تعنى بالإجهاد والتشقّق والتي تهتم بالطبع بموضوع الفشل.

بعد حادث محطة التوليد النووية، ثري مايل آيلاند (Three Mile Island)، في ولاية بنسيلفانيا في العام 1979 أصيب موضوع البحث والتطوير في مجال المفاعلات النووية في أرغون بانتكاسة، وحصل نزوح كبير من البرنامج، وعندما انتقلت إلى جامعة ديوك (Duke University) في العام 1980 كنت على مفترق الطريق بالنسبة لمستقبلي المهني: لقد وظِّفت لملء شاغر في مجال ميكانيك الأجسام المتواصلة النظري، لكن رغباتي البحثية كانت متجذرة في ميكانيك الكسور التطبيقي، وورثت مختبراً للهندسة الإنشائية قليل الاستخدام، كان قد صُمِّم وبُني حوالي العام 1960 لفحص نماذج من العوارض المصنوعة من الكونكريت المسلّح، بالقياس الحقيقي، حتى الفشل. كان للمختبر "أرضية صلبة"، مما يعني أن في الإمكان وضع أجهزة اختبار ضخمة عليه وتسليط قوة كبيرة على الشيء المفروض اختباره – المثبّت أيضاً على الأرضية – (الأرضية هي بمثابة جهاز اختبار عملاق ممدّد) وفي خلال العقدين منذ بناء المختبر، فقدت الاختبارات الثقيلة أهميتها في ديوك – وكما حصل أيضاً بعد ذلك في إلينوي نفسها، على الرغم من التراث المتميّز لمثل هذه الاختبارات هناك – وأصبحت الأرضية الصلبة تستخدم لحمل أجهزة اختبار أصغر مسيطر عليها بالحاسوب يمكنها العمل بقدرات عالية لاختبار الضغط المسلّط وبوتائر عالية لتجارب الإجهاد، وبعض هذه الأجهزة، المنحدرة من أجهزة، كان جو موروو (Jo Morrow) قد عرّفني بها قبل عقد ونصف، كانت تستعمل من قبل القسم وطلاب الدراسات العليا في هندسة الطب الحيوي (Biomedical Engineering) كانوا مهتمين بالخصائص الميكانيكية للأنسجة البشرية، وقد قام طلابي في الدراسات العليا باستخدام أجهزة مماثلة لتجارب عن نمو الشقوق والكسور في الكونكريت.

في نفس الوقت، تزايد اهتمامي بموضوع الفشل من منظوره العام، ومن المفهوم أن حالات الفشل التي حظيت بالإعلام الواسع عنها تاريخياً وحديثاً، حظيت باهتمام المهندسين وغيرهم على السواء. فبالإضافة إلى حالات الفشل ذات العلاقة بالكسور والإجهاد هناك حالات متجذّرة في التصميم. فجسر تاكوما ناروز (Tacoma Narrows) الذي اقتبست قصة التوائه وسقوطه في فيلم سينمائي عام 1940، وكذلك انهيار المسار المرتفع في فندق حياة ريجنسي في مدينة كنساس، كلها حالات فشل تستغيث لمعرفة تفاصيلها المتضمنة عوامل بشرية وفنية. فتفسير حالات متنوعة من الفشل كهذه تتطلّب اعتماد توجه جديد لم يستخدم سابقاً في مختبرات الفحوص الميكانيكية عموماً.

محاولتي توضيح هذه الأنواع من الفشل، ولماذا حدثت بالمقام الأول، نتج عنه تأليف كتابي:  أن تهندس هو أمر إنساني (To Engineer Is Human)، الذي فصلت فيه حالات دراسية واسعة التنوّع تترواح من ألعاب الأطفال المكسورة إلى جسور منهارة لكي أُوضح المبادىء العامة للفشل، والفشل بأنواعه المختلفة استمرّ في جذب اهتمامي، من انكسار رؤوس قلم الرصاص إلى المفهوم بأن الأشكال لا تخضع إلى وظيفة محدّدة، لكنها تفشل، وقد لعبت هذه المشاهد دوراً مهماً في تحفيزي لتأليف كتبي: القلم وتطور الأشياء المفيدة (The Pencil and The Evolution of Useful Things)، وبعد سنوات، وبسبب هذه الكتب، سرّني أن دُعيت ثانيةً إلى أوربانا لاستلام جائزة الخريجين المتميزين، وفي مناسبة تلك الزيارة، طُلب مني أن أتكلم عن مختبر تالبوت، وقد رحبت بالفرصة التي أتيحت لي لأحاضر في المبنى الذي درَّستُ فيه لأول مرة – في مساق مخصّص كلياً لطلاب الهندسة المعمارية – واخترت ألّا أتكلم عن النظريات الرياضية التي انغمست بها حينما كنت طالباً في الدراسات العليا، بل اخترت الكلام عن المشبك الورقي (Paper Clip) كحالة دراسية لتطوير الأشياء العامة من خلال الفشل، وبعد المحاضرة أعلنت لأساتذتي القدامى أن تحوّلي من الميكانيك النظري إلى الميكانيك التطبيقي قد اكتمل.

كانت لحظة مرّة – حلوة. لقد امتلأ مسار الرافعة الضخم بما يمكن أن يطلق عليه مبنىً داخل مبنى، لكي تتوفر مساحة إضافية للمكاتب، وبعض المختبرات وغرف للمحاضرات، والماكنة العملاقة التي وزنها ثلاثة ملايين باوند، الممتدة في المبنى والتي يمكن رؤيتها الآن من منتصف المبنى من خلال شبّاك صغير فقط في الجدار الجديد الذي بُني لاحتواء فضاء الدهليز السابق. أخيراً حصل مختبر تالبوت على أروقة تقليدية ذات جدارين، والغرفة التي ألقيت فيها المحاضرة كانت جميلة وتبدو مريحة، ولكنها مربكة بالنسبة لي لأنها ذكّرتني بأنني أقف في موقع كان فضاءً مفتوحا،ً كانت تطلق من خلاله أصوات الأبواق الهوائية لتنبيه القاطنين في تالبوت أن جزءاً كبيراً من الهيكل المصنوع من الفولاذ أو الكونكريت على وشك أن ينهار، والأرض والمبنى سيهتزّان عند إحداث الفشل المتعمد، والآن، وبعد عقدين من الزمن، لم يعد هناك قسم للميكانيك النظري والتطبيقي. في عام 2006، دُمجت تام مع الهندسة الميكانيكية في إلينوي لإحداث قسم العلوم الميكانيكية والهندسة، وأتساءل إن كان طلاب الدراسات العليا في هذا القسم الجديد يناقشون تراتب مفردتي التسمية والفرق بينهما، وأتساءل أيضاً كيف يحصلون على حسّهم الشخصي للفشل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق