العلوم الإنسانية والإجتماعية

الامبريالية في بناء مجتمع السوق

2014 مجتمع السوق

سبايز بوتشر

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

العلوم الإنسانية والإجتماعية التكنولوجيا والعلوم التطبيقية

تصادف تصاعد الرأسمالية مع تزايد الامبريالية (Imperialism) إذ سعى العديد من البلدان الأوروبية إلى بسط سيطرته على أجزاء من أفريقيا وآسيا والأميركيتين وأوقيانيا. وقد لقيت هذه الحركة دعماً من عقيدة التجاريين (المركنتيلية) (Mercantilism) الاقتصادية السائدة التي شددت على توسيع الصادرات لأن الاعتقاد كان بأن فوائض التجارة تمثّل الثروة المتزايدة للأمّة (راجع الفصل 3). وقد طبع هذا الأمر التنمية الاقتصادية في المستعمرات وفي الأمم الامبريالية على حدٍ سواء. في إنجلترا، تضمّنت سياسات تنشيط التجارة تركيزاً على الحصول على المواد الخام للإنتاج. وقد تضمّن هذا جزئياً قيوداً على تصدير المواد الخام، ولكنه قاد أيضاً إلى توسّع الامبراطورية البريطانية.

لقد ضعف التطور الصناعي في المستعمرات بفعل القوانين التي شجّعت تصدير السلع الخام لتزويد الصناعات الامبريالية. مثلاً، في الهند، تم تدمير صناعة قماش متقدّمة واستبدلت بصادرات القطن (Hobsbawn 1987). تضمّن الاستعمار استخدام العمالة بعقود مؤقتة ومن ضمنها الرقّ وترتيبات الضرائب غير المتساوية (وهذا ما ساهم في إشعال حرب الاستقلال الأميركية وبروز غيرها من الحركات الوطنية). في المقابل، ساهمت هذه الممارسات في زيادة النمو في الاقتصادات الامبريالية. وقد استفاد التصنيع من غياب المنافسة في المستعمرات ومن رخص المواد الخام. وقد استفادت البلاد المستعمرة البيضاء، مثل الولايات المتحدة وأستراليا من مصادرة مباشرة للموارد من الشعوب الأصلية بالإضافة إلى الرق التعاقدي وعمالة المحكومين.

عوض أن ينظر المنظّرون إلى هذه التطورات كتطوراتٍ عرضيّة في صعود اقتصادات السوق، اعتبرها العديد منهم تطوراتٍ أساسية وعدّوا التمييز العنصري فيها "اضطهاداً ممنهجاً"(Systemized Oppression)  (Boggs, 1970). ولكن هذه السياسات فقدت شعبيتها شيئاً فشيئاً في الشمال واعترض العديد من الليبراليين على الرّق لأسباب أخلاقية في حين رفض اقتصاديون سياسيون مثل آدم سميث ودايفد ريكاردو النظرية التجارية (المركنتيلية) مناقشين بدلاً من ذلك بأن التجارة الحرة سوف تزيد الثروة في جميع الأمم وخصوصاً لدى السكان المحليين. في أواخر القرن التاسع عشر كانت إنجلترا تنادي بشكل متزايد بالتجارة الحرة على أساس اعتماد الذهب عملة عالمية (قاعدة الذهب) بما يعكس سيطرتها الصناعية. مع ذلك، استمرّ الاستعمار بتوسّع درامي للإمبراطوريات في أفريقيا التي شهدت عنفاً ملحوظاً في المستعمرات (Hobsbawn 1987).

وقد ناقش بعض الجغرافيين السياسيين هذا التوسّع قائلين بأنه لم يكن مدفوعاً بالعوامل الاقتصادية بقدر أيديولوجية التقدّم وتفوّق العرق الأبيض إذ أدخل الأوروبيون الحضارة إلى السكان الذين اعتبروهم أقل "تقدّماً" (راجع Painter & Jeffery  2009). في المقابل، استمرّ منتقدو الرأسمالية بربط الاستعمار بالمواضيع الاقتصادية وخصوصاً ممارسة "التجارة الحرة". وقد جادل فلاديمير لينين(Vladimir Lenin)  (قائد الثورة الروسية) بأن صعود الاحتكاريات الكبيرة في أوروبا قد غيّر دينامية الرأسمالية. لقد أنتجت تلك الشركات فوائض كبيرة وسعت إلى كسب دعم الدولة لتستثمر هذا الفائض في أسواق جديدة كان العمل فيها أقلّ تنظيماً والأرباح أعلى. وقد كان لهذا التحليل تأثير قوي على المؤرخين الذين رأوا أن هذه الدينامية الامبريالة قد قادت صراع الحرب العالمية الأولى (Hobsbawn 1987).

مع ذلك، وكنتيجة لحربين عالميتين، تغيّر النظام العالمي بدرجة كبيرة. زالت مصداقية الاستعمار ونظريات التفوّق العرقي في حين أدّت حركات التحرر الوطني إلى حصول المستعمرات على الاستقلال السياسي. كما تم إنشاء إطار عملٍ دولي من المؤسسات لتعزيز التجارة والاستثمار والنمو على المستوى الدولي (راجع الفصلين 5 و6). وقد أدت هذه المؤسسات، ومنها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، دوراً محورياً في إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وفي تعزيز النمو الاقتصادي في الجنوب. إلّا أنّ التفاوتات العرقية، سواء بين الأمم أو في داخل الأمم لا تزال مستمرّة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق