البيولوجيا وعلوم الحياة

الإستخدامات المتعددة لـ”المطاط الطبيعي” في حياتنا والمكتشفة قديماً

2002 في رحاب الكيمياء

الدكتور نزار رباح الريس , الدكتورة فايزة محمد الخرافي

KFAS

المطاط الطبيعي البيولوجيا وعلوم الحياة

تدمع عيون الإنسان فرحاً … وأحياناً ترحاً … لكن انهمار دموع الشجرة البرازيلية "كاوشو" أو "الشجرة الباكية" كان شيئاً مختلفاً، أدى إلى اكتشاف واحدة من أكثر المواد فائدة للإنسان وهي "المطاط" فما قصة هذه الشجرة ؟ وكيف تطورت صناعة المطاط ؟

قليلون هم الذين يعرفون أننا ندين باكتشاف المطاط إلى كريستوفر كولومبوس (Cristopher Columbus) حينما حط رحاله في جزيرة هاييتي في رحلته الثانية لاكتشاف العالم الجديد عام  1494، حيث شاهد اطفال تلك الجزيرة يلعبون بكرة صغيرة من المطاط الطبيعي . 

ولم يمض سوى خمسة وعشرين عاماً حتى قام المغامر الاسباني هيرنان كورتيز (Hernando Cortez) بزيارة لعاصمة بلاد الأزتك التي كانت تعرف بتينوشتتلان (وهي مدينة مكسيكو حالياً) . 

وفي أثناء هذه الزيارة اقام أمير الأزتك احتفالاً على شرف ضيوفه الأسبان كان من بين فقراته مباراة بين فريقين استخدما فيها كرة بحجم رأس الإنسان صنعت من مادة لدنة مرنة . 

 

وقد أثار انتباه كورتيز وأصحابه أن الكرة كلما اصطدمت بالأرض قفزت تلقائياً إلى أعلى وكأن بها قوة خفية .  وبعدها كتب كورتيز في رسالة بعث بها إلى أحد اصدقائه في أسبانيا ما يلي " لقد حصل الهنود على مادة لزجة طاردة للماء من لحاء شجرة ويستخدمونها في طلاء مراكبهم ، ويصنعون منها كرات تقفز كلما ارتطمت بالأرض" لكن هذه الرسالة لم تثر اهتمام احد آنذاك .

وبعد حوالي مائتي عام وصلت إلى أكاديمية العلوم في باريس كتلة من المطاط استخلصت من أحد مناطق غابات الأمازون . 

واخضع الباحثون في الأكاديمية هذه المادة للعديد من الاختبارات والفحوصات وكتبوا عنها العديد من التقارير ، لكن أحداً لم يتقدم باقتراح محدد للاستفادة من هذه المادة .

 

وفي عام 1770 كان الميكانيكي البريطاني إدوارد نيرن (Edward Nern) أول من فكر في تحويل هذه المادة إلى منتج مفيد يرد عليه ربحاً وفيراً .  فقد حدث أن حك نيرن بقطعة من المطاط رسماً كان قد رسمه بالقلم الرصاص ، فوجد أن هذه المادة لها قدرة على مسح ذلك الرسم . 

وبذلك بدأ بتصنيع قطع من هذه المادة وبدأ يبيعها في الأسواق باسم "الماسح الهندي" لاعتقاده بأن هذه المادة جاءت من الهند وهكذا اكتسبت هذه المادة اسمها الإنجليزي (Rubber) لقدرتها على مسح الكتابة أو الرسم بالقلم الرصاص .

في عام 1823 قام البريطاني شارلز ماكينتوش (C. Mckintoch) بإذابة المطاط في البنزين الاوماتي واستخدم المحلول في تغليف الوجه الداخلي لقماش قطني ثنائي الطبقة ، ليصنع منه معاطف لا تنفذ الماء .

وفي تلك الحقبة ايضاً قام حائك نمساوي هو "يوهان نيبمون رايتهوفر" بتقطيع المطاط إلى شرائح رقيقة ، ومن ثم تقطيع الشرائح إلى خيوط رفيعة .  ثم قام بوضع هذه الخيوط على القماش ومن ثم لصقها بالقماش عن طريق كيها بالمكواة .

 

وبعد ذلك أصبحت النمسا من أشهر البلدان في تصنيع المطاط للاستخدام في الاقمشة والأحذية وحمالات البنطلونات والأربطة وغيرها .  وعلى ذلك فقد وصل الاستهلاك العالمي لمادة المطاط عام 1850 إلى 50 طناً .

وفي عام 1839 حقق الكيميائي الأمريكي شارلز نيلسون غوديير (C.N. Goodyear) فتحاً كبيراً في استخدام المطاط .  وكان هذا الكيميائي يزود الحكومة الأمريكية بشنط سعاة البريد الذين درجوا على الشكوى بأن هذه الشنط تبدأ في الالتصاق ببعضها في الصيف وتلتقط كماً كبيراً من الغبار . 

وقد دفع هذا الأمر غوديير إلى إجراء تجارب استمرت خمسة أعوام على المطاط وصل خلالها إلى اكتشافه بمحض الصدفة .  فقد حدث في أثناء طبخه للمطاط أن سقط في الإناء قليل من زهر الكبريت ، ولاحظ غوديير أن المطاط أصبح قاسياً وفقد مرونته وأصبح قابلاً للتشكيل . 

 

وفي 15 يوليو (تموز) عام 1844 كتب غوديير إلى مكتب دائرة الاختراع الأمريكي "أرجو أن تأخذوا علماً بأنني ، شارلز غوديير من مدينة نيويورك في ولاية نيويورك قد اخترعت وسيلة جديدة توؤدي إلى تحسني خواص المطاط" ولقد كان لهذا الاكتشاف أثراً كبيراً على البشرية يشبه أثر تحويل الحديد الخام إلى الصلب وتحويل النفط إلى غازولين السيارات أو تحويل البوكسيات إلى الألمنيوم .

وبطبيعة الحال لم يدرك أحد آنذاك سبب تأثير الكبريت على المطاط، ومضت ثمانون عاماً إلى أن عرف الكيميائيون هذا الأثر وبأن الكبريت يشكل روابط كبريتية بين جزيئات المطاط فيسبب تكون جزيئات عملاقة . 

 

وقد اطلق غوديير على هذه المعالجة اسم "الفلكنة" وهو اسم اقتبسه من الأساطير اليونانية التي تروي أن الحرارة والكبريت هما العنصران السحريان للإله "بركان" أو "فولكانو" .

ولقد اكتشف الكيميائيون الريطانيون وإمكانية "الفلكنة" الباردة ، وأن قساوة المطاط الناجم عن الفلكنة تتناسب طرداً مع كمية الكبريت المستخدم .  وهكذا تعددت استخدامات المطاط وتنوعت وزاد استهلاك المطاط الطبيعي ليصل عام 1856 إلى سبعة آلاف طن ، وليرتفع بعد عشر سنوات إلى أكثر من خمسين ألف طن .

 

ومع زيادة الطلب على المطاط الطبيعي المستخلص من شجرته التي كانت منتشرة في أدغال الأمازون ، نمت الحاجة إلى إيجاد مزيد من مزارع المطاط .  ونظراً لتحريم إخراج بذور هذه الشجرة من منابتها الاصلية ، فقد جرى تهريب حوالي ثلاثة آلاف بذرة من بذور شجرة الهيقيا (المطاط) وتمت زراعتها في الحدائق النباتية الملكية في لندن وذلك عام 1873

ولكن هذه التجربة فشلت ولم تنم اشجار المطاط في تلك الحدائق .  وبعد ذلك بثلاثة أعوام قام الإنجليزي هنري فكيهام (H. Vikham) الذي حصل على إذن بالبحث عن نبتة سحلبية نادرة في حوض الأمازون ، بتجميع عدد كبير من بذور شجرة المطاط سراً ، وقام ليلة رحيلة بغقامة حفل ساهر كبير دعا إليه جميع موظفي وضباط دائرة الجمارك في ميناء يارا حيث قدم لهم اشهى الأطعمة وألذ أنواع المشروب.

 

وفي الصباح جرى تفتيش صوري لأمتعته وحقائبه عند مغادرته للميناء ، فتمكن بذل من تهريب ما يقرب من سبعين ألف بذرة هيقيا .  وهكذا فقدت البرازيل احتكارها لشجرة المطاط وفقدت بذلك جزءاً من ثروتها القومية .

وقد جرى زراعة هذه البذور في الحدائق الملكية ذاتها ونجح منها 2800 نبتة من الهيقيا والتي تم نقلها في أجواء خاصة إلى سيلان حيث زرعت هناك في صفوف منظمة .  وبعد ثلاثة عشر عاماً من عملية السطو على بذور شجرة المطاط انتجت أشجار المطاط في سيلان أول دفعة من عصارة المطاط وبلغت 550 كيلوغرام .  وشكل ذلك بداية لعهد جديد من إنتاج المطاط الطبيعي في سيلان وماليزيا والعديد من دول جنوب شرق آسيا .  

وبعد مائة عام من حادثة تهريب بذور المطاط تمكن الجراح الإنجليزي جون بويد دنلوب (J.B. Dunlop من اختراع دولاب السيارة والعجلة الهوائية ، فقدم بذلك دفعة قوية لصناعة السيارات والناقلات والعجلات العادية والنارية وغيرها ، وهي صناعة تستهلك ما يزيد عن نصف الكمية المنتجة من المطاط حالياً .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق