الرياضيات والهندسة

الأغشية الصابونية والسطوح الأصغرية: مسألة <پلاتو

2000 الرياضيات والشكل الأمثل

ستيفان هيلدبرانت و انتوني ترومبا

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الرياضيات والهندسة الهندسة

 

من الواضح أن الصفائح الرقيقة الخلابة التي تظهر في تجارب الأغشية الصابونية تكون متوازنة توازناً مستقراً؛ لذا فهي يجب أن تكون ما يسمى صفائح الطاقة الكامنة الأصغرية  laminae of minimal potential energy  التي تمتد على الإطار السلكي، كما يستنتج من مبدأ  j>.برنولي> في العمل الافتراضي الذي تطرقنا إليه في الفصل السابق.

وبما أن الطاقة الكامنة متناسبة مع المساحة. فإن السطوح الرياضياتية التي توفر نماذج للأغشية الصابونية هي سطوح ذات مساحة أصغرية، أو باختصار، هي سطوح أصغرية. وللسطح الأصغري مساحة أصغر من مساحات جميع السطوح المجاورة المحدودة بالإطار نفسه. وهكذا فإن الأشكال الرائعة للأغشية الصابونية ولنماذجها الرياضياتية يمكن أن ترى، وهي أمثلة مدهشة على مبدأ أصغري.

لقد كان علماء الرياضيات مفتونين زمناً طويلا بالسطوح الأصغرية، ويرد ذلك إلى المسائل المثيرة التي تطرحها هذه السطوح، وما يكتنفها من تحدٍّ. وكان<لاكرانج<lagrange   الذي خلف <أولر> في بلاط فريديريك الثاني، هو الذي أوجد عام 1760، معادلة السطوح الأصغرية الشهيرة التي سنوردها لاحقًا. هذا وقد تضمنت البحوث التجريبية والنظرية المستفيضة التي أجراها الفيزيائي البلجيكيF.A.J> . پلاتو Plateau <حول الظاهرة الشعرية capillarity تجارب مدهشة على الأغشية السائلة liquid films  أثارت اهتمام علماء الرياضيات . وفي عام 1873 نشر پلاتو جزءاً كبيراً من ملاحظاته وقياساته وآرائه النظرية في موسوعة بعنوان علم السكون التجريبي والنظري للسوائل الخاضعة للقوى الجزيئية وحدها statique experimentale et theoretique des liquids soumis aux seules forces moleculaire، وهي إنجازه الرئيسي.

لم يتسنَّ لپلاتو أن يرى العديد من تجاربه، ذلك أنه فقد بصره عام 1843 إثر تحديقه بالشمس أكثر من 25 ثانية دون أية حماية لعينيه، وذلك خلال إحدى التجارب في علم البصريات الفيزيولوجي physiological optics. لذا فقد كان عليه في السنين التي تلت هذا الحادث أن يعتمد على مساعدة عائلته ومعاونيه عند إجراء بحوثه.

حظيت إحدى ملاحظات پلاتو بأهمية خاصة في الرياضيات. فمن خلال عدة تجارب أجراها ، تحقق پلاتو أن كل محيط مؤلف من سلك مغلق واحدا أيًا كان شكله الهندسي، (شريطة ألا يكون كبيراً جداً) يشكل حدود غشاء صابوني واحد على الأقل. ترى، هل تصح الدعوى المقابلة في النماذج الرياضياتية للأغشية الصابونية، ألا وهي السطوح الأصغرية؟ وبعبارة أخرى. أصحيح أن كل منحنٍ مغلقٍ في الفضاء يمكن أن يشكل حدود سطح أصغري واحد على الأقل ؟ لقد صار هذا السؤال الرياضياتي يعرف باسم مسألة پلاتو plateau problem. وقد أثارت هذه المسألة فضول عدد كبير من مشاهير علماء رياضيات القرنين التاسع عشر والعشرين. لكن تبين أن حلها على درجة كبيرة من الصعوبة.

وعلى الرغم من صعوبة حل المسألة الرياضياتية هذه، فإن الغشاء الصابوني، كما لاحظ پلاتو يمثل حلا للمسألة الفيزيائية المقابلة. بيد أن.R> كورانت<Courant ، وهو أحد الباحثين الرئيسيين بهذا القرن في السطوح الأصغرية كتب ما يلي:

لا يمكن البتة للشواهد التجريبية أن تثبت وجوداً رياضياتياً – كما أنه لا يمكن للفيزيائي رفض حاجة الرياضياتي إلى إثبات الوجود اعتقاداً منه بأن هذه الحاجة تمثل دقة عالية لا فائدة منها. إن البرهان الرياضياتي على الوجود هو وحده القادر على التاكيد أن الوصف الرياضياتي لظاهرة فيزيائية ذو معنى.

لنأخذ مثالاً يوضح وجهة نظر كورانت. لقد أشار ch>.كولدباخ Goldbach (1764-1690) <إلى أنه يبدو أن الأعداد الزوجية التي تكبر 4 هي مجموع عددين أوليين فرديين (من المتفق عليه في علم الرياضيات أن 1 ليس عددا أولياً، وأن 2 هو العدد الأولي الزوجي الوحيد):

؛13+13=26  ؛13+3=16 ؛3+3=6

؛23+5=28    ؛11+7= 18 ؛3+5=8

؛23+7=30    ؛13+7=20  ؛5+5=10

؛29+3=32    ؛11+11=22؛ 5+7=12

؛17+17=34  ؛19+5=24  ؛ 7+7=14

في رسالة وجهها كولدباخ إلى أولر عام 1742، سأله عما إذا كان بامكانه إثبات أنه يمكن السير بهذه المتتالية قدماً إلى ما لانهاية، لكن أولر لم يتمكن من فعل ذلك ، بل لم يستطع أحد إثبات ذلك حتى يومنا هذا. وتستطيع الحواسيب الحديثة السريعة أن تتحقق صحة مخمنة كولدباخ في حال عدد كبير جداً من الأعداد الصحيحة الزوجية، بيد أن من الواضح استحالة القيام بذلك من أجل جميع الأعداد الصحيحة الزوجية لأنها غير منتهية. وهكذا فان التوثق من صحة هذه المخمنة يتطلب قدراً غير منته من الزمن إذا كان لنا أن نخضع للاختبار جميع الأعداد الزوجية.

يوفر هذا المثال تفسيراً مقنعاً لعجز التجارب الفيزيائية عن إثبات صحة دعوى رياضياتية.فأيا كان عدد التجارب التي تجرى بغية التوثق من صحة قضية، فإنك لن تتمكن البتة من استثناء إمكان حدوث نتيجة مختلفة لدى إعادتك للتجربة. ومن ثم فليس بإمكان الشواهد التجريبية أن ترسخ قط حقيقة رياضياتية. وحتى الفيزيائي، فإنه يهمه الحصول على برهان رياضياتي دقيق على الوجود(1). لأنه يمكنه بهذه الطريقة وحدها أن يتحقق على نحو لا يقبل الشك أن النموذج الرياضياتي لمسألته الفيزيائية هو صحيح في سياق ما على الأقل. ولدى الانتقال إلى نموذج رياضياتي للأغشية الصابونية، فمن الضروري إذ ذاك الكلام عن منحن بدلاً من سلكٍ. وعن سطحٍ بدلاً من غشاء صابوني. فالمنحنيات والسطوح هي تجريدات لتلك التي ابتدعها قدماء اليونانيين.

لقد جرى تطوير التعاريف الرياضياتية للمنحنيات والسطوح في أواخر القرن السابع عشر وصدر القرن الثامن عشر من قبل الأخوين برنولي ولايبنتز وعلماء آخرين وبخاصة أولر. وتمتاز هذه التعاريف على تلك التي أوردها اليونانيين في أنها خلال القرن السابع عشر مكنت .R>ديكارت< Descartes  من ابتكار أداة رياضياتية فعالة، وهي الهندسة التحليلية، للتعبير عن الهندسة بدلالة الأعداد والمعادلات. فالمنحني المستوي، مثلا، يعين بمعادلة واحدة تربط بين المتغيرين x وy  اللذين يوضع أحدهما مقابل الآخر في الشبكة المربعة المألوفة. وعلى سبيل المثال فإن الدستور  x2+y2=a2. يمثل دائرة نصف قطرهاa  ومتمركزة في النقطة (0,0) (x,y) = ومن ثم فقد بات من السهولة بمكان تعريف المفاهيم: "طول منحن" "ومساحة سطح" "وحجم جسم"

بالاستعانة بحسبان الصغائر. وكذلك حساب الطول والمساحة والحجم والعديد من الأشكال الهندسية المثيرة للاهتمام. هذا وإن هذه التعاريف نفسها تقريباً ما انفكت تستعمل وتدرس كل عام للآلاف من طلبة السنة الجامعية الأولى.

وقد يوجد لحلول مسألة پلاتو أنماط عديدة مختلفة. وكي نأخذ فكرة عما قد يحدث، لننظر في منحن مغلق خاص يمكن توليده بثلاثة على الأقل من السطوح الأصغرية المختلفة. ففي الشكل الموجود في الأسفل. نلاحظ أن السطحين الأوسط والأيمن هما من النوع نفسه. في حين أن السطح الأيسر هو من الجنس genus 1، في حين أن السطحين الآخرين هما من الجنس 0. ترى، ما الذي يعنيه هذا؟

لحل مسألة پلاتو، علينا أن نعرف درجة التعقيد التي يمكن أن يتسم بها سطح ممتد على محيطcontour  .

أي على وجود الكيان الذي تعرفه المعادلات الرياضياتية.          

 

وهكذا فاننا بحاجة إلى طريقة لتصنيف السطوح التي يمكن أن نجد بينها حلاً. هناك تصنيف فج لكنه مفيد يميز بين أنماط طبولوجية topological types, مختلفة. يكون لسطحين النمط الطبولوجي نفسه إذا كان من الممكن تحويل أحدهما إلى الآخر بعد تشويهه بمطّه. كما لو كنت تمطّ غشاءً مرناً. دون أن تحدث فيه أي تمزيق أو قص أو لصق، لكن يمكن للأجزاء المختلفة منه أن يمر أحدهما عبر الآخر (انظر مثلاً الشكل في الصفحة 156). ويبين الشكل في أعلى الصفحة بعض السطوح التي لها كما للكرة نفس النمط الطبولوجي.

من الممكن أن ننزع قرصين من الكرة وأن نضيف إليها مقبضاً (انظر الشكل السفلي). ويمكننا مواصلة هذه العملية بإضافة مقبضين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك إلى الكرة.

كرة يوصل بها مقابض عددها: 3،2،1،0.

 فنحصل بهذه الطريقة على مجموعة من السطوح المنتهية والتي ليس لها حدود  boundary، وتسمى سطوحاً ذات مقابض  handle-body surfaces، وكل واحد منها يختلف عن الآخر . فإذا كان لسطحين من هذا النوع عدد مختلف من المقابض المضافة، فإنهما يكونان من نمطين طبولوجيين مختلفين (انظر الشكل العلوي.)

لاحظ أن مطّ الكرة ذات المقبض الواحد يحولها الى طارة  torus، وهي سطح شبيه بالكعكة، كما أن مطّ الكرة ذات المقبضين يحولها إلى شكل يشبه كعكة ذات فتحتين، كما في الشكل السفلي إلى اليمين.  

 

ويقال عن سطح إنه من الجنس g إذا كان من النمط الطبولوجي لكرة أضيف إليها g مقبض. وهكذا فإن الطارة هي من الجنس 1، والكعكة ذات الفتحتين من الجنس 2.

وتجدر هنا ملاحظة أن السطوح التي تناولناها حتى الآن لا تحدها أية حدود. ويمكننا الآن إحداث ثقوب فيها، وليكن عددها m وحدودها m من المنحنيات c1، c2، .. Cmعندئذ يكون لسطحين حصلنا عليهما بهذه الطريقة النمط الطبولوجي نفسه إذا كان لهما الجنس نفسه والعدد نفسه من الثقوب. وبعبارة أدق، فإننا نقول عن سطح يحوي m ثقب إن جنسه g إذا أصبح هذا السطح، بعد ملء ثقوبه بسطوح شبيهة بالأقراص عددها  m، سطحاً ليس له حدود ومن نمط كرة أضيف إليها g مقبض، ويمكننا تسمية هذا الشكل سطحاً ذا مقابض جنسه g فيه m  ثقب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Loading cart ⌛️ ...
إغلاق
إغلاق