الرياضيات والهندسة

الأطباء والمهندسون

2014 أبجدية مهندس

هنري بيتروسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الرياضيات والهندسة الهندسة

الأطباء والمهندسون (Medical Doctors And Engineers). أثناء زيارتي لطبيب العيون – الذي أعتاده منذ زمن بعيد للفحص السنوي – انطلقت في نقاش حول الهندسة بالتزامن مع قراءتي لوحة العين وتبديله التركيبات للعدسات التصحيحية. ومع مرور السنوات، أصبحت نقاشاتنا شخصية أكثر فأكثر، وفي مرآة الرؤية الخلفية للإدراك المتأخر أستطيع أن أرى أننا اتفقنا أن الهندسة والطب كانا قريبين من بعضهما بأكثر مما يبدو.

أذكر أن النقاش الأول حدث بعد أن عرف الطبيب أني مهندس. وأخبرني أنه خلال عطلة منذ فترة قريبة، ذهب في جولة في نظام مجاري الصرف الصحي الباريسية، وهو شيء وجده ساحراً. وأعجب بالإنجاز الهندسي تحت الأرض تماماً وتحت أنف كل شخص، ولكنه بعيد عن كل نظر وكل تفكير. وفي خلال الزيارات المتكررة لعيادته علمت أن ابن الطبيب مهندس. وفي زيارة أخرى علمت أنه أهدى ابنه كتابي المنشور حديثاً عن قلم الرصاص. وسألني سؤالاً كنت ألفته جداً، "لماذا كتاباً كاملاً عن قلم الرصاص؟". وأجبته بأنني كتبته لسبر طبيعة الهندسة عبر مصنوع بسيط. (للحصول على جواب أوفر يمكن الرجوع إلى: "Why the Pencil?,” American Scientist, March­-April 2000, pp. 114-118.

خلال إحدى الفحوصات السنوية اللاحقة، كان هناك طبيب ثانٍ في غرفة الفحص، وهو طبيب مقيم يتعلّم بإشراف الاختصاصي المتمرس. وهذا لم يعق النقاش حول الهندسة، التي، في الواقع، أصبحت شخصية أكثر. وقدمني طبيب العيون للطبيب المقيم كمهندس مؤلف لكتاب عن قلم الرصاص. وتكلمنا بإيجاز عن كتابي الأخير، وعن رفوف الكتب، وأشار طبيب العيون كيف كان عليه استخدام رفوف بسماكة مضاعفة للتخلص من الانثناء بسبب ثقل كتبه الطبية. وقدمت ملاحظة حول المعنى البنيوي للرفوف المنثنية في تاريخ رفوف الكتب، ووصفت مقدار تغيّر الأنظمة التكنولوجية للكتب ورفوف الكتب منذ القرون الوسطى.

وتطور نقاشنا أكثر وأصبح أكثر حرارة، وأفصح الطبيب المقيم بأن والده كان مهندساً مدنياً. وما أثار استغرابي تعبيره عن رغبته بأنه هو نفسه رغب في أن يختص في الهندسة عندما كان في السنين الأولى لدراسته. وكان يعرف أن هذا اختصاص تحليلي، وأن تكون تحليلياً كما فهم ذلك الآن، كان مفيداً لأن تكون طبيباً. أخبرنا طبيب العيون عندها أنه بدأ دراسته الجامعية الأولى فعلياً في الهندسة. وكان ذلك في وقت تضمن فيه مساقه دراسة السنة الأولى الرسم الميكانيكي، ولكن هذه المادة هي التي جعلته يتحول لدراسة الطب. وكما قال لنا، فإن رسم خطوط براغي الآلات لم يكن يوافق رأيه عن كيفية تمضية حياته المهنية.

مع أن طالب الهندسة في هذه الأيام، على الأغلب، ليس عليه أن يرسم خطوط براغي الآلات، فإن الكثير من طلاب الهندسة يغيرون محور دراستهم الرئيسي بسبب خبرتهم في المواد التمهيدية. وبين هؤلاء المتحولين هناك من سيكونون في المستقبل أطباء ومحامين، من الذين قد سيتذكرون ذلك بعد سنوات وسيدركون أنه بينما تضمن مكونات الهندسة بالفعل قدراً كبيراً من الضجر والتكرار، ولكن هذا لا يعني بأن هذا كل ما في الهندسة، وأن الضجر والتكرار ليسا بأي طريقة محصورين بمهنة الهندسة.

للمهندسين العاملين على نظام المجاري الصحية في باريس، فقد احتاج تصميمه على ما يبدو عدداً لا نهاية له من حسابات الانحدارات ومعدلات التدفق، ولكن المنتج الأخير هو صرح من البراعة، بالرغم من أنه مخفي إلى حد كبير وغير معلن عنه، وهو مساهمة لا تقدر بثمن في الصحة العامة. وبالمثل فإن أسنان البراغي التي رسمها المهندسون يوماً بدقة فائقة تمثل نظاماً ممعيراً يمكننا من الدخول إلى أي مخزن خرضوات ومواءمة عزقة ما مع لولب مسنن متفلت في جيبنا. وتمثل المعايرة حجر الزاوية في تطور مجتمعنا التكنولوجي. انظر: Witold Rybczynski, One Good Turn: A Natu­ral History of the Screwdriver and the Screw (New York: Scribner, 2000), p. 105.

لكل مهنة ضجرها، ولكنه ضجر للوصول إلى هدف أسمى. ففحص العيون طوال النهار، ويوماً بعد يوم، له بالتأكيد درجته في التكرار، ولكنها تبهت أمام الرضى الذي يبلغه الطبيب بتقديمه وسيلة تصحيح وهن في الرؤية عن قرب، أو الإمساك بشبكية عين على وشك الانفصال قبل أن تؤدي إلى العمى. وفي الواقع فإن الأطباء والمهندسين ليسوا بعيدين عن بعضهما في اعتمادهما الأساسي على طرائق تكرارية؛ ولكن التكرارية في الهندسة انتقلت على نحو كبير إلى الحاسوب العددي. وأصبح دور المهندسين اليوم أقرب إلى دور الإداريين لشبكة من الحواسيب تماماً كما لو كانت مجموعة من الناس. وما يتعلمه طلاب الهندسة في دروسهم التمهيدية، بدلاً من أن تكون غاية في نفسها، هي وسيلة لفهم التكنولوجيا التي غالباً ما يكون عليهم في الغالب إدارتها.

من المستبعد أن ضجر ممارسة أية مهنة سيبارحها تماماً، ذلك أن التكرار جزء من الحالة الإنسانية. فقلوبنا تدقّ ورئاتنا تبادل الهواء، وعيوننا تومض وأجسادنا تتعب أثناء قيامنا بواجباتنا اليومية. ومهنتا الطب والهندسة نجحتا كمساعٍ إنسانية لأنه عند السيطرة على أفعالها التكرارية تصبح طبيعية مثل وظائفنا الجسدية، والسيطرة التي ترافق الممارسة تصبح مُرضية على نحو متزايد حتى في تكرارها. وما يهم في المدرسة الهندسية وفي الممارسة الهندسية ليس تكرارية التمارين والحسابات بل الرضى على الناتج النهائي، الكل كجمع للأجزاء.

 (Adapted from "Seeing Eye to Eye," ASEE Prism, September 2000, p. 19).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق