الرياضيات والهندسة

الأشياء غير المفيدة

2014 أبجدية مهندس

هنري بيتروسكي

مؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الرياضيات والهندسة الهندسة

الأشياء غير المفيدة (Useless Things). حملت نعوات المخترع إدوارد كرافن ووكر(Edward Craven Walker) (1918-2000) صوراً مرسومة له ولاختراع: المصباح الحممي (Lava Lamp). وهذا المصباح الذي كان إحدى أيقونات ستييات وسبعييات القرن الماضي، لا يمكن وصفه فعلياً بالكلمات لوحدها، وحتى صورته لا تعطي سوى فكرة عن جاذبيته. حتى شريط فيديو لا يمكنه الإمساك بجوهر المصباح الحممي .وفي هذا الخصوص فإن هذا المصنوع غير المألوف، قد يشبه مصنوعات شعبية أخرى، لكنه يبدو من الأشياء غير المفيدة.

يقول ووكر الذي كان من أنصار الطبيعة ومخرجاً ناجحاً لأفلام العراة: "إذا اشتريت مصباحي فلن تحتاج إلى عقاقير". ولكن عدداً لا يحصى من الهيبيين يُعتقد أنهم دخنوا الحشيش وألقوا الحمض في ألوان قالب الظلال الغريبة التي شكلتها أوائل المصابيح الحمميّة. وبالفعل فإن المصباح هو واحد من الصور المحددة لثقافة الإخلال بالنفس (التخدير)، مع الأشكال الوهمية السميكة بألوانها الفاقعة المتحركة ببطء التي تبدو متحدية الجاذبية الأرضية محررة كرات مبهرجة تطفو بهدوء باتجاه الأعلى، لتعود فقط هابطة ثانية في كأس مغلق ممتلئ بسائل ومتحدب بسلاسة. وهذا المصباح لا يصلح كمصباح للقراءة، استمدّ شعبيته من حداثته ومن إمكانية تأثيره في تحسين المزاج أو تعديله.

بدأ اختراع ووكر للمصباح الحممي في حانة في هامبشير (Hampshire Pub)، عندما رأى في أواخر خمسينات القرن الماضي "ضوء انفجار الفقاقيع" نتيجة تسخين مزيج من الزيت والماء في خلّاط لخلط المشروب بضَوء مصباح، ملقياً بظلال عديمة الشكل على السقف. وقام مخترع محلي بتطوير الضوء الإبداعي من تصوره لمُؤَقِت سلق البيض. واشترى ووكر حقوق البراءة من أرملة المخترع، ومن ثم اختبر الاختراع لسنوات مع مؤثّرات مختلفة للوصول إلى كتلة لزجة ومتجانسة كاملة التي ستكون أكثر جذابة بأشكالها البلاستيكية.

حملت أولى المصابيح الحممية اسماً مثل أسترو الفلكي (Astro)، وتأثر شكلها بعصر الفضاء الذي أطلقت فيه. ولكن في نهاية السبعينيات فقد المستهلكون اهتمامهم بهذه المصابيح، وانخفض انتاجها من مليون في السنة إلى مئات في الشهر. باع ووكر شركته إلى واحدة من أسرع الشركات البريطانية نمواً، اسمها ماثموس (Mathmos) على اسم قوى الفقاعات الشريرة في فيلم بارباريلا (Barbarella).

في نهاية القرن، وبعد ظهور المصابيح الحممية في أفلام وعروض تلفزيونية تعود إلى السبعينات، شهدت هذه المصابيح عودة شعبية. أما تيم هاغرتي (Tim Haggerty)، المدير التنفيذي للشركة المصنّعة للمصباح في شيكاغو، فقد اعترف أن هذا المصباح "ليس بشيء أساسي لحياة كل فرد". ومع ذلك، وحتى وقت قريب قبل موت مخترعه، سمّى المجلس البريطاني للتصميم المصباح الحممي باعتباره تصميماً مدرسياً. ومع هذا، فإنه يبقى للبعض عصارة فن ضحل، وهو تفوق للتكنولوجيا على الذوق.

بقيت المؤثرات الموجودة في المصباح الحممي سراً تجارياً؛ ولكن طريقة عمله الأساسية استثمرت وضوحاً التأثّر الحراري لضوء المصباح الكهربائي على مزيج متساوي الكثافة من شمع البرافين والماء. ويحب العلميون والمهندسون الأشياء التجديدية، مثل المصابيح الحمميّة، لأنها تُحيي قوانين الطبيعة. فالمعادلات والنظريات تتجسّد في شيء ملموس يمكن الاستمتاع به في الوحدة أو في المجتمع، ومن كل من الاجتماعيين والانعزاليين، والمؤهلين تكنولوجياً أو لا وعلى حدّ سواء. مثل قصيدة جميلة، أو حكاية أو فيلم سينمائي، إنه جهاز ذكي يمكن الإعجاب به على مستويات عدة من قِبل أناس مختلفين. فبإمكان هؤلاء الذين يفهمون آلية عملها الاندهاش بالسبب، ويمكن لهؤلاء الذين يحتارون بكيفية عملها الاندهاش بتأثيرها. ويمكن لهذا الغرض المشترك أن يساعد كنص لتفسير لا قوانين الطبيعة فقط، وإنما أيضاً الجمال لدى الناس، وهو ما يقدّم جسراً عبر رهاب فجوة "الثقافتان"، التي يعود تاريخها إلى حقبة المصباح الحممي نفسها.

بالفعل فقد كان المصباح الحممي أقرب إلى فئة ألعاب البالغين منه في الأدوات المنزلية. وفي وقت موت إدوارد ووكر، كانت محلات الأشياء الغريبة ونشراتها مليئة بألعاب البالغين نصف الجدية: باقة الألياف الضوئية؛ بهلوان الحبل، جهاز إسقاط الأشكال الهندسية الملونة، آلات الأمواج، ونواس الكرات المعدنية وما شابه. أما مخازن ألعاب الأطفال فقد كانت تعرض أكثر من ذلك: الدوامات والطابات والهولا – هوب والطائرات الورقية وقطع الزينة الملونة والكرات البلورية والحلقات النابضية والمعجون التشكيلي. والمصباح الحممي وكل هذه الأشياء يمكن الإعجاب بها للطريقة التي تلعب هي نفسها بالحرارة والضوء والريح والطاقة وكمية الحركة والجاذبية، وكيف لها أن تثير التسلية استناداً إلى قوانين نيوتن والكيمياء وميكانيك المواد. وهي تربطنا مع قوى الكون وتذكّرنا بأننا جزء من أعمال أكبر من أنفسنا.

هذا ليس للقول بأنه لا يمكننا ببساطة الاستمتاع بالألعاب والأغراض التجديدية بما هي. وعلى الأرجح فإن قلة ممن وجدوا أنفسهم أمام المصباح الحممي كانوا يعرفون كيف أو من طوّرها، تاركين جانباً الاهتمام بخصوص في ما إذا كان من طوّرها من أنصار الطبيعية أو ممن يدعون إلى ذلك. قلة من الأطفال والبالغين يمكنها أن تفكر في علم القذائف عند القذف بالكرة أو التفكير بالرفع والسحب عند تطيير طائراتهم الورقية. وطرائق المخترعين مثلها مثل قوانين الطبيعة، هي الأسباب الخفيّة لأشيائنا المصنوعة وسلوكها المقدر؛ ولكننا نشتري ونستعمل هذه الاشياء لأسباب أكثر علنية وأقل عقلانية.

هؤلاء الذين يشترون شيئاً ما ويراقبونه مثل المصباح الحممي يفعلون ذلك من أجل لون مادته اللزجة (كلما كانت صارخة كان ذلك أفضل)، ومن أجل جرأة غرابة نمطه، ومن أجل الطريقة التي يتدفّق بها. إنه يلهينا عن أفكار أكثر قيمة. حيث تشدّ عقولنا إلى الكون المغلق للحسّاء الكوني الأولي. ونحن نراقب تطور شكله، وتوقع سلوكه اللامتوقع، الذي يطمئننا بأن كل شيء يسير على نحو حسن في الكون بدلاً من أن يخيفنا، على الأقل في محيط زجاجة المصباح المستطالة المتعلقة ومدى توهجها. (مأخوذ بتصرف من:“The Uses of Useless Things,” Wall Street Journal, September 5, 2000, p. A34.)

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق